جميل بشير .. الموسيقار الذي منح العود رقيا ومرتبة عالية
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
خبر وفاته كان مفاجأة ونزل كالصدمة على قلوب عشاقه ومريديه واهل الغناء والموسيقى الذين يعرفون قيمة ما قدمه للاغنية العراقية ، نقلته وكالة الانباء الفرنسية وجعلت موج الاحزان يتلاطم ، فليس هنالك من لايعرف جميل بشير الفنان الذي امتلأت حياته بالموسيقى ، وصارت الانغام تحلق كالطيور من غرف قلبه وشرفات روحه ، واستطاع ان يبرع في ايصال الموسيقى الشرقية الى العالم ، وما زلت احتفظ بنسخة من مجلة (الاذاعة والتلفزيون) التي نعته بعنوان قالت فيه (رحل جميل بشير وهو يعزف من اجل بغداد ) .
جميل بشير الذي .. وان لم يغب عن الذاكرة ، الا انه غاب عن استذكار المؤسسات الثقافية ، لم يعد هنالك من يمر على ذكرى رحيله ، او يعطي لمقطوعاته الموسيقية فسحة على الشاشة او الاثير ، وهو رمز من رموز العراق الثقافية التي يفتخر بها .
وفي ذكرى رحيله الثلاثين .. لابد ان نستذكره ، نستذكر شيئا من مسيرة حياته التي نعرف منها انه ولد وترعرع في بيئة مفعمة بالفن ، فتعلم العزف على العود تأثرا بوالده الذي كان يعزف عليه ، ثم صار يغني ما يسمعه من الاسطوانات التي يقتنيها ابوه ، وهذه النشأة في بيت بشير تربى عليها ثلاثة من ابنائه (جميل ومنير وفكري) وكانوا بارعين في حب الموسيقى ، ونقرأ في سيرته ايضا انه : ( درس النوتة العربية مع احد اساتذة الموسيقى في الموصل ، وفي عام 1937 سمعه وهو يعزف على العود في بغداد وزير المعارف ومدير المعارف آنذاك ، بدعوة من المرحوم حنا بطرس ، ثم عين بعدها في الاذاعة براتب قدره ستة دنانير ، بعد ذلك افتتح في بغداد معهد خاص للموسيقى كان مديره الاستاذ الشريف محي الدين حيدر وقد درس جميل في سنته الاولى على آلة الكمان وحصل على درجة امتياز ، لكنه احب العود واحب سماع صوته وهو يعزف من قبل استاذه الشريف محي الدين ، ولم يخف رغبته بتعلم العزف على آلة العود فطلب الى استاذه ان يدرسه هذه الالة خاصة وان صوتها يدخل الى اعماقه واحاسيسه ، ورحب الشريف بفكرة جميل واخذ يدرسه العزف على العود وهكذا انتهت السنة السادسة وهو يدرس العود ، ثم عين مساعدا لاستاذه في المعهد الموسيقي وعازفا في الاذاعة ورئيسا لفرقة ثم رئيسا لقسم الموسيقى في الاذاعة ، وهو يعتبر اول عازف واول مؤسس لقسم الموسيقى في الاذاعة العراقية واول من اسس فرقة موسيقية للاطفال ، وبدأ جميل عام 1952 بممارسة التدريس ، وقدم حفلات كثيرة للوفود التي كانت تزور العراق آنذاك حتى احيل على التقاعد عام 1968 ، وله كتاب مؤلف بجزءين يدرس في تركيا والقاهرة ، وله قيمة موسيقية عالية ، والكتاب عن اصول تعلم العزف على آلة العود عنوانه (العود وطريقة تدريسه) وكان الراحل يعبر عن حبه للآلة العود وبأنها لايمكن ان تنتهي ، الا انها بحاجة الى التطور باستمرار ، فكان اول من اسهم في تطويرها وذلك بأضافة وتر اضافي لها ، وقد كان الراحل لايعتقد بوجود موسيقى شرقية وغربية ، بل كان يذكر (ان هناك موسيقى تنبع من الشرق فقط خاصة ما بين النهرين) ، وكان يردد دائما (ان الكثرة او القلة ليست مقياسا لنجاح فنان) ، وهو لذلك لم يقدم على تسجيل عمل فني ما لم يكن راضيا عنه تماما ، لذلك صرح في احدى المرات من عام 1971 بعد ان اتهمته مجلة (الاذاعة والتلفزيون) البغدادية بأنه لم يقدم شيئا للاغنية بأن لديه الحانا غنائية ولكنه بحاجة الى من يؤديها حتى يستطيع ان يعطيه اياها) .
هذا جزء بسيط من سيرة ثرية ورحلة فنية مفعمة ، ولكن يجب استطلاع رأي اهل الاختصاص في ما قدمه للموسيقى العربية وقيمتها الفنية .
يقول الناقد الموسيقي العروف عادل الهاشمي : جميل بشير احد تلاميذ العازف الكبير الشريف محي الدين حيدر ، وهو يكاد يكون انبغ التلامذة من حيث قدراته الفنية ، وجميل بشير ايضا هو احد عازفي مدرسة العود التركية التي انشأها الشريف حيدر عندما جاء الى بغداد عام 1936 حيث انشأ معهد الفنون الجميلة وصار الشريف حيدر اول مدير لهذا المعهد في بغداد ، وهذه المدرسة التركية تتلخص في ان العزف على العود هو محاولة لنقل التقنية العزفية الغربية الى آلة العود العربية ، وهذه المدرسة تحاول ان تعطي لهذه التقنية مساحة عزفية تغلب على الطابع التقليدي للعود العربي ، وهي بالمقابل تؤثر ان يكون للعود طريقته في التعبير ، بمعنى انها لاتعزف على الطريقة المصرية (2-3) بينما هي نؤثر العزف على الطريقة التركية (7-8) وهي طريقة فيها قدر من الحساب الرياضي ، تعزف بالطريقة المقلوبة وليست الاعتيادية المصرية ، وعليه فهناك طريقتان للعزف : التركية والمصرية ، جميل بشير آثر الطريقة التركية وكان بارعا غاية البراعة في نقل افكار الشريف محي الدين حيدر ، لكن جميل لم يستمر في الاتجاه تماما انما التفت الى الطريقة العربية في العزف على آلة العود حيث اخذ يعزف (المشارف والسماعيات واللونجات والتقاسيم والدولاب والتحميلة) وبذلك ضمن لنفسه قدرا من الارتباط بالروح العربية ، واضاف الهاشمي : جميل بشير .. عازف كبير وله قطع موسيقية رائعة ، كما انه عزف كل قطع الشريف حيدر كما عزف لكبار الموسيقيين العرب وفي طليعتهم : محمد عبد الوهاب والقصبجي وفريد الاطرش ورياض السنباطي ، الى جانب ذلك ان جميل بشير تولى الاشراف على استديو انشأه بنفسه فأخذ يسجل الفلكلور العراقي حيث قام بتنظيم هذا الفلكلور وتقديمه بأصوات فردية وجماعية عراقية ، الى جانب انه لحن الاناشيد والقطع الوطنية وتولى تقديم ناظم الغزالي مطرب العراق الكبير في انصع صورة موسيقية ، وايضا تولى تقديم الحان كبار الملحنين العراقيين من امثال يحيى حمدي ورضا علي وسمير بغدادي واحمد الخليل وناظم نعيم وعلاء كامل وسواهم .
واستطرد الهاشمي في حديثه قائلا : وتعتبر طريقة العزف عند جميل بشير هي الاقرب الى الوجدان العراقي عن غيره من العازفين الذين ينتمون الى مدرسته ، ولقد كتب (ميثود) (منهج للعود) يعتبر من ابرع ما كتب للعود ، ولقيمته الاساسية فهو يدرس في معاهد العراق كافة ، الى جانب انه اسهم بقدر وآخر في ترقية العود .. لماذا ؟ ، لانه بالاصل هو عازف على آلة الكمان ، حيث نقل تقنية الكمان الى آلة العود .
اما الدكتور هيثم شعوبي فقال : يعد الموسيقار الكبير جميل بشير احد اعمدة الموسيقى العراقية وهو من اوائل تلاميذ الشريف محي الدين حيدر مؤسس وعميد معهد الفنون الجميلة الى جانب اخيه الفنان منير بشير وسلمان شكر وغانم حداد وامين خاكي ، هؤلاء يعتبرون من التلامذة الذين ارسوا دعائم مدرسة العود العراقية ، وفي طلائع هؤلاء جميل بشير حيث استطاع ان يقدم لطلبة المعهد (ميثود) وبجزءين بطريقة التقنيات عن آلة العود وتطورها من خلال وضعه لمجموعة من المؤلفات الموسيقية استطاع بها ان يتقدم الى مرتبة عالية من التقنية حولها من آلة مصاحبة للغناء الى آلة تعبر عن نفسها من خلال التقنية العالية .
واضاف الدكتور هيثم : وجميل بشير يعد ايضا من الاوائل الذين لديهم استديو في بغداد في الستينيات ، وكان منافسا وحيدا للاذاعة والتلفزيون ، فالكثير من الاغاني التي لحنها ناظم نعيم لناظم الغزالي بالاضافة الى الاغاني التراثية القديمة قام بتوزيعها توزيعا جديدا ، كان التوزيع جديدا على الاغنية العراقية ولم يعرف عنها انها توزع ، ايضا ان جميل بشير معروف عالميا وفي تركيا التي هي بلد العود والموسيقى ، كما هو معروف في العالم الشرقي الى جانب اخيه منير بشير ، كما ان (ميثوده) الذي نقله حبيب ظاهر العباس من التركية الى العالمية يعد مرجعا اساسيا للكليات والمعاهد لما له من تقنية عالية ، كما ان جميل من اوائل الذين قاموا بتدريس العود في المعهد في اربعينيات القرن الماضي بعد الشريف حيدر بعد ان تفوق على دفعته .
الدكتور هيثم قال ايضا : من الطريف ان اذكر ان لجميل بشير معزوفة عنوانها (ليت لي جناح) الفها وطلب من الذين يستطيعون عزفها بتقنية عالية ان يعطيه جائزة ، في ذلك الوقت قال (25) دينارا ، وكان يتحدى بها عازفي العود .
وقال المطرب جواد محسن : يتميز المنهج الموسيقي لدى جميل بشير بكونه تمثل الاساليب التي سبقته ، وهو اسلوب يبتعد عن اسلوب الاقتباس او المحاكاة الفجة ، اذ هو يتعامل مع المعطى المعرفي للافكار الموسيقية باعتباره تراكما وجدانيا ينحى باتجاه تشييد بنى معمارية تكون الهيمنة فيها لروح العازف التي تقوده الى ذرى اللامتوقع بموازاة قدرته على تطويع تقنيات العزف المبهر ، واضاف : ان جميل بشير هو الامتداد الزمني لمدرسة الشريف محيي الدين حيدر وهذا يعني ان المنجز الاول المكتمل والمفتوح على امكانيات الاضافة اللاحقة وجد في فكر جميل بشير ما يجعله اكثر قدرة على خلق توازنات وانشاءات جديدة اعطته صفة الديمومة ، اذ لولا هذا الفهم الجديد لكان لمنجز الشريف محيي الدين حيدر ان يبقى اسير شكلانية لا تلامس نبض الواقع الذي يلح على انتاج حاجات جديدة ، ومن الخصائص الكبرى في موسيقى جميل بشير انه لم يضح باللحظة الراهنة التجديدية لحساب تاريخ غير واضح المعالم، لقد استوعب جميل بشير المنجز الحديث من دون ان يفقد ملامح شخصيته بل على العكس كان ثمة حوار مستمر بين لحظتين زمنيتين استطاع بمهارة عالية ان يلجم تضادهما التاريخي .
واستطرد جواد قائلا : اذا كان عود زرياب يتميز بانه اخف وزنا من عود استاذه اسحاق الموصلي كما قيل لهارون الرشيد ، فان عود جميل بشير الذي اهداه له الشريف محيي الدين حيدر الذي صنعه (الاسطة) علي العواد كان غاية في الاتقان الامر الذي جعل من ادارة متحف اللوفر في فرنسا تطلب عرضه في احدى قاعاتها، الامر الذي رفضته عائلة جميل بشير التي ابدت رغبتها في عرضه في المتحف العراقي.
وفي الختام ثمة سؤال : كيف يمكن لنا ان نحفظ ونحافظ على تراث كبار المبدعين واعادة نشره على الناس مجددا من اجل الفائدة والاستزادة بالمعرفة والمتعة ، متى يمكن للمؤسسات الفنية والثقافية ان تضع نصب اعينها الاهتمام بما قدمه الموسيقار جميل بشير كواحد من كبار الموسيقيين العراقيين المؤثرين ، هل ثمة جواب ؟ !!.
التعليقات
تصحيح
سيروان ياملكي -الف شكر للاستاذ عبد الجبار العتابي لانه صحا ذاكرة النسيان لدى الكثير الكثير من المعنيين والفنانيين بمقالته الرائعة وقد جاء في المقالة عن الدكتور هيثم مايلي:"من الطريف ان اذكر ان لجميل بشير معزوفة عنوانها -ليت لي جناح - الفها والصحيح ان المعزوفة أعلاه هي للاستاذ الكبير الشريف محي الدين حيدر وليست لاستاذناالجليل جميل بشير. ومن ياترى سوف يذكرنا بالاستاذ الكبير جميل سليم .وشكرا
الابداع
أيمن -العراقيون مبدعون في شتى مجالات العلوم والفنون والحرف وهذا سبب استهدافهم بهذه الطريقة البربرية من قبل مغول العصر الامريكان واذنابهم.
جميل . ينبوع لا ينضب
أحمد الصالحي -مقالة جيدة حول المرحوم جميل بشير العازف الذي فرض نفسه عبر موسيقاه دون أدنى دعاية أو تواصل مع المعاصرين اليوم فنحن اليوم نفتقد تسجيلاته القليلة ولقاءاته ومحاوراته وجلساته الخ ولكن القليل من هذه التسجيلات تجعلنا نقف إحتراما لهذا العملاق الذي كان يمتلك العديد من المزايا من حيث التاليف الموسيقي الكلاسيكي الراقي / مثل سماعي ديوان ومن حيث التأليف الموسيقي الخاص بالعود مثل الكابريس وهمسات ورقصتي المفضلة وأيضا عزفه لقطع من التراث العربي مثل المقامات العراقية أو الموشحات القديمة وحتى بعض الأغاني المصرية والكويتية وبشكل آلي بحت مضيفا لهذه القطع من عنده الإبداع الكثير ولا ننسى بأنه عازف كبير على آلة الكمان وأستاذ لها وأيضا كان يمتلك نغمة خاصة به على العود لم أسمعها من أحد من قبله .. بالنسبة لقضية قطعة (ليت لي جناح) المذكورة في المقالة فهذا خطأ والصحيح كانت القطعة هي سماعي نهاوند من تأليف جميل بشير وتحياتي
تصحيح
الموسيقي -(بمعنى انها لاتعزف على الطريقة المصرية (2-3) بينما هي نؤثر العزف على الطريقة التركية (7-8) وهي طريقة فيها قدر من الحساب الرياضي)لا أدري سيادة الكاتب ماهذا اللغز الذي اتحفتنا به أنت والمدعو عادل الهاشمي إن نقل الكلام على عواهنه بدون تمحيص سوى مجرد حشو للمقالة بالكلامات لا يخدم مضمون المقالة لذا لا بد من شرح هذا الطلسم لكي نستفاد منه نحن طلاب الموسيقى ولعلم الدكتور هيثم شعوبي لا توجد لجميل مقطوعة بأسم ليت لي جناح وأنما استاذه الشريف صاحب حق هذه التسمية في مقطوعة من تأليفه والواقع هو بأن الاستاذ المرحوم جميل بشير ألف سماعي نهاوند وعرض نوتة هذا العمل في أحدى الجرائد اليومية العراقية مع مبلغ 10 دنانير لمن يستطيع عزف هذا السماعي مع الشكر لأيلاف للنشر.
رفعة راس- كل مبدعينا
هدى ثامر -مازلت اسبانيا تغازل موسيقى زرياب, وتذوب فيها. في رحلة لي التمس فيها دفءالشرق لتلك البلاد, فرحت كعراقية بان اجد ان من اساله عن زرياب من الاسبان, يتحدث عنه بفخر ولاينكر انه وليد الحضارةالاسلامية,والقادم من بلاد الرافدين. يقولون انهم مدينون له بما علمهم والهمهم. يقول احدهم انه منحنا الحياة وصميم المتعة بموسيقاه. فلا غرابة ان تنجب مدينة الموصل العراقية علما من اعلام الموسيقى الا وهو جميل بشير. نحن الجيل الذي مست موسيقاه نبضنا, فشبع القلب وارتوى منها.كلما تناولت الاقلام موضوع مبدعينا كلما مشيت رافعة الراس فخورة..فرحة لاني ابنة ارض الرافدين التي انجبت هذا الكم من الرواد في كل المجالات. شكرا للعتابي ..فموضوعه شيق جدا. وكل عام وانتم وامتنا بخير.
Praising Jemil Beshi
Maurice Michel -This name will never be forgoten, being the best ever UD player in the arab world and the entire world.
شكرا على المقالة
iraqi -جميل ان يكون لدى العراق هذا الكم الكبير من المبدعين ولكن الاجمل ان نذكرهم جميعا ونذكر ما فعلوا... عبد الجبار العتابي انك حقا لانسان رائع ورجل وطني بكل ما للكلمة من معنى تحية محبة لك ولجهودك الجميلة...
عاشت الموصل
ابن العراق -هاهم اهل الموصل, المدينة التي انجبت صفوف من عباقرة العراق, من فنانين وعلماء وضباط قدموا للعراق الخبرات الفذة.
عاشت الموصل
ابن العراق -هاهم اهل الموصل, المدينة التي انجبت صفوف من عباقرة العراق, من فنانين وعلماء وضباط قدموا للعراق الخبرات الفذة.