مشروع يعد بتحول مسار العمارة والطاقة في العالم
ألمانيا تحول مدنها القديمة إلى مدن بيئية نموذجية
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
ينهمك العالم ببناء المدن البيئية النموذجية الجديدة، كمدينة مصدر في الإمارات، بينما يعكف الألمان على تحويل مدنهم القديمة إلى مدن بيئية نموذجية.
ماجد الخطيب: لا يمكن للبشرية التخلي عن المدن القديمة، والاثرية منها خصوصًا، في مسعاها لبناء مدن العالم المستقبلية الرئيفة بالبيئة. لهذا، ينشغل العلماء الألمان في تحويل مدنهم القديمة إلى مدن بيئية حديثة، مع استمرارهم في مشاريع بناء المدن البيئية الجديدة، وهي عملية أطول وأعقد بالتأكيد. ويرفع الألمان منذ سنوات شعار اعادة تأهيل المدن القديمة المستهلكة للطاقة، والتي تضر كثيرًا بالبيئة، وتحويلها إلى مدن خضراء، تنتج الطاقة أكثر مما تستهلكها.
مدن قديمة خضراء
وضعت الحكومة الألمانية نصب عينيها مهمة تحويل 18 مليون عمارة، ونحو 1.5 مليون بيت مستقل من البيوت والعيادات والمخازن القديمة، إلى مبانٍ وبيوت بيئية حديثة حتى سنة 2050. ولا تعني هذه الأرقام غير تحويل كامل المدن الألمانية القديمة إلى بيوت خضراء، تستخدم ألواح الخلايا الضوئية والمراوح الهوائية وحرارة جوف الأرض لإنتاج الطاقة واستهلاكها.
وفي هذا الاطار، خصصت الحكومة الألمانية 4,8 ملايين يورو لتحويل مبنى من عدة طوابق، عمره 60 سنة، من مستهلك للطاقة إلى مستهلك الطاقة بمقدار صفر في المرحلة الأولى، وصولًا في المرحلة الثانية إلى إنتاج الطاقة وبيعها. تقع العمارة في حي لانكفيتس البرليني، يتألف من 8 طوابق (64 شقة)، ويفترض أن يظهر للعالم كيف ستبدو المدن الألمانية التقليدية في المستقبل. وخلال عامين من العمل، ينبغي أن يتحول البيت من مبنى مستهلك للطاقة إلى مبنى يستخدم الطاقة البديلة بالكامل.
خزن الطاقة الزائدة
ذكر فريدريش زيك، الاستاذ في جامعة برلين التقنية، قسم أنظمة الطاقة المتجددة، أن اعادة تأهيل المباني والمدن القديمة بيئيًا أصعب من بناء المدن البيئية الجديدة.
وأضاف زيك، الذي يشرف علميًا على المشروع: "الصعوبة تكمن في أن مصادر الطاقة البديلة المتوافرة تعجز منفردة عن توفير الطاقة الرخيصة لمبنى بهذا الحجم، ولهذا لا بد من مزاوجة أكثر من مصدر، وعلى هذا الأساس سيتم تزويد المبنى بمفاعلات شمسية-حرارية تتولى توفير الكهرباء والماء الساخن للسكان". كما سيستخدم المبنى مياه الأمطار المرشحة في غسل الملابس وفي المراحيض وغيرها عدا عن الشرب والطبخ.
سيكون للمبنى بطاريتان كبيرتان، مخفيتان بشكل فني، لخزن الطاقة الزائدة واستخدامها عند انخفاض انتاج مصادر الطاقة. وتعمل البطاريتان بمثابة مفاعل حراري يخزن الطاقة كحرارة، ويعيد تحرير الكهرباء منها عند الحاجة.
خفض الاستخدام
ولحفظ الطاقة من التسرب، سيزود المهندسون المبنى بـ"غلاف" من المواد العازلة الحديثة في ثلاث طبقات، يقترب تسرب الطاقة من خلالها إلى الصفر. وستكون النوافذ مزودة بزجاج من عدة طبقات لحفظ الطاقة، ويجري عزل البلكونات عن بقية المنزل أيضًا.
لا يمكن للسكان الامتناع عن تهوية الشقق من خلال النوافذ والأبواب والبلكونات، ولذلك سيزود العلماء هذه المنافذ بنظام لاستعادة الحرارة من الهواء، واعادة زرقها في انظمة التدفئة التي تستخدم الماء الحار.
وسينخفض استخدام المبنى لطاقة التدفئة بنسبة 86%، وهي نسبة عالية، بحسب فرانك بيلكه، نائب رئيس المشروع، قياسًا بمبنى من 8 طوابق، ترتفع مساحته السكنية عمومًا إلى 3626 مترًا مربعًا.
اقتصاد كبير
صحيح أن الحكومة توظف 4.8 ملايين يورو في المشروع، إلا أن المستفيد الأول سيكون سكان المبنى أنفسهم، بحسب بيلكة، لأن تكاليف السكن الاضافية (التدفئة والماء الحار والكهرباء...إلخ) ستنخفض بعد اكمال المشروع إلى مجرد 1.05 يورو لكل متر مربع في المرحلة الأولى، ثم إلى مجرد 29 سنتيم لكل متر مربع لاحقًا.
ولا يعد المشروع بخفض التكاليف على السكان، وإنما بخفض استهلاك الطاقة عمومًا. ويتوقع العالم تيمو لويكفيلد، الحائز على جائزة الدولة لخدماته في مجال الطاقة الشمسية، أن استهلاك عائلة من أربعة أفراد سينخفض من معدله التقليدي في ألمانيا 5000 كيلوواط ساعة إلى 2000 كيلوواط ساعة في السنة.
وتوفر المفاعلات الحرارية الماء الساخن للسكان بدرجة 50-60 مئوية، وهي كافية لتأدية كافة المهمات المنزلية بين الاستحمام وغسل الصحون والملابس. وستزود كافة الشقق بنظام اقتصادي كمبيوتري يعمل تلقائيًا على خفض الطاقة ودرجة الحرارة عند عدم الاستعمال، كما هي الحال عند النوم في المساء، أو أثناء سفر العائلة.
قرية ألمانية نموذجية
بدأت وزارة البيئة الألمانية مشروع المدن الخضراء 2050 في العام 2012، بمنح قرية فيلدبولدزريد بولاية بافاريا لقب قرية الطاقة البديلة النموذجية، بعد أن نجح سكان القرية البالغ عددهم 2570 نسمة في العيش لأكثر من سنة على الطاقة البديلة المنتجة محليًا. وتخطت القرية في انتاجها للطاقة البديلة حدود الاكتفاء الذاتي، وصارت تبيع الطاقة الكهربائية الفائضة إلى القرى القريبة.
جرى بعد ذلك اختيار مدينة بوتروب، في منطقة الرور الألمانية، كأول مدينة في العالم يجري تحويلها من مدينة قديمة إلى مدينة الابتكار، التي تزود نفسها بالكامل بالطاقة البديلة.
رفعت قرية فيلدبولدزريد إنتاجها من الطاقة إلى ثلاثة أضعاف حاجتها خلال ثلاث سنوات. وذكر انجو تزنغرله، عمدة قرية فيلدبولدزريد، أن القرية النموذجية تقتصد كل عام بنحو 240 ألف لتر من الزيت المستخدم عادة في تدفئة بيوت ومرافق قرية مماثلة تعيش ظروفاً مناخية مماثلة. وأضاف العمدة أن القرية تستخدم 140 محطة ومفاعلًا، تعمل بالغاز الطبيعي المنتج محليًا، أو بالخلايا الشمسية، كي تنتج الطاقة البديلة.
مجمعات مراوح وألواح
تغطي الألواح الزرقاء المنتجة للطاقة من الشمس، بعد 8 سنوات على انطلاق المشروع، نصف عدد البيوت في القرية تقريبًا، إلى معظم المدارس والمباني الحكومية. وعمومًا، يشكل رأس مال أبناء القرية 70% من اجمالي كلفة الاستثمارات، في حين تكفل مجلس البلدية بالنسبة الباقية.
عدا عن توظيف مال القرية في المشاريع، شارك نحو 200 من قاطني القرية في مشروع مشترك للاستفادة من تقنية إنتاج الكهرباء بواسطة المراوح الهوائية. ويتألف المشروع من خمسة مجمعات من المراوح المتوسطة الحجم التي تزود القرية بكهرباء يصل إلى 12 مليون كيلوواط ساعة في السنة.
ويسعى المساهمون حاليًا لبناء محطتين اضافيتين يمكن أن ترفع عموم إنتاج القرية من الطاقة البديلة إلى 9 ميغاواط. ويشمل هذا الرقم الطاقة المنتجة من الشمس والريح والمفاعلات البيولوجية ومحطات الاستفادة من حرارة جوف الأرض.
أول مدينة ابتكار
تحاول منطقة الرور الألمانية تحسين سمعتها كمنطقة مبتلية بمناجم الفحم والتعدين، وما يصدر عنها من غازات ضارة، عن طريق تحويل إحدى مدنها إلى مدينة بيئية من الطراز الأول.
يبدو المشروع في البداية مثيلًا لمشروع بناء المدينة البيئية "مصدر" في الامارات العربية المتحدة، لكن مشروع الخليج اعتمد على بناء مدينة بيئية جديدة من الأساس، في حين أن المشروع الألماني ينوي تحويل مدينة تقليدية من إلى مدينة بيئية 100%.
خططت الامارات مدينة مصدر لسكن نحو 15 ألف شخص، وتوظيف 50 ألفًا آخرين، وتخطط ولاية الراين الشمالي لتحويل مدينة بوتروب إلى مدينة صغيرة يسكنها 50 ألفًا، ويعمل فيها 25 ألفًا آخرين. وربما ستصبح مدينة الرور الصغيرة الرئيفة بالبيئة نموذجًا لمدن أكبر في المستقبل، بحسب رأي وزارة البيئة في الولاية.
وهذا يعني أن مدينة بوتروب ستستخدم الطاقة الشمسية والمراوح الهوائية فقط في إنتاج الطاقة الكهربائية، ولا تسمح إلا بالسيارات الكهربائية والدراجات الهوائية. وستجري إعادة تجديد كل بيت بما يضمن حفظ الطاقة فيها صيفًا وشتاء، وبما يؤهلها لاستخدام مياه الأمطار في الزراعة والسقي وفي غسل السيارات والاستعمال اليومي. وكانت التكاليف مرتفعة نسبيًا (2,4 مليار يورو)، لكن وزارة البيئة تعول على مردودات نقل التجربة إلى مدن اخرى وبلدان أخرى، وبيع التقنيات للعالم.
كلفة ونتائج
وشاركت 60 شركة ألمانية كبيرة، مختصة في انتاج الطاقة البديلة وحفظها في مشروع بوتروب، إلى جانب شركات بناء بيئية تساهم في إعادة تأهيل منازل المدينة بيئيًا. وستضع شركات انتاج السيارت نحو 500 سيارة وعربة مختلفة تعمل بالكهرباء بتصرف بلدية المدينة وفي قطاع الخدمات. وسيجري تحوير المدينة بما يضمن تخصيص ثلثيها للسكن والثلث المتبقي للمشاريع التجارية والصناعية العاملة، أو المنتجة للطاقة البديلة.
ستستخدم السيارات الكهربائية في النقل والخدمات، ويستطيع المواطن استئجارها عند الحاجة لأن طرق المواصلات داخل المدينة الصغيرة مؤمنة.
ومدينة بوتروب التي يسكنها 100 ألف مواطن ستكتفي بتحويل المركز إلى مدينة خضراء. وسيضم المشروع 14 ألف بناية سكنية وتجارية يعاد ترميمها، ما يعد بخفض استهلاك المدينة السنوي من الكهرباء من 780 ألفاً إلى مجرد 350 ألف ميغاواط ساعة. وسينخفض في الفترة ذاتها&إنبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون على المستوى السنوي من 271 ألف طن إلى 135 ألف طن.