الحبيب الشرقاوي ظل حاضرا في المشهد منذ تأسيس الحزب
رحيل المؤتمن على الرصيد النضالي والمالي لـ"للاتحاد الاشتراكي" المغربي
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
الرباط: على الرغم من أنه ظل وعلى مدى عقود من الزمن السياسي المغربي الوجه الحاضر في الواجهات النضالية والمعارك السياسية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الأقرب إلى أمنائه العامين، لم يتقلد القيادي الحبيب الشرقاوي الذي وافته المنية صباح الجمعة 24 من الشهر الجاري، أي منصب رفيع &خلال حكومة التناوب التي رأسها عميد الاشتراكيين المغاربة عبد الرحمن اليوسفي
لم تصدر عنه أي شكوى أو عبر بغضب عن مطمح وظيفي، كما فعل كثيرون، وكانوا دونه نضالية وتضحية وصبرا، على المعاناة &الطويلة التي تعرض لها الاتحاديون، في ظل حكم الملك الراحل الحسن الثاني الذي يقال إنه كان مقدرا &لوطنية الاتحاديين وعفتهم السياسية وعدم تكالب الكثيرين منهم على &المغانم ؛ لكن الملك الراحل طالما اشتكى من أسلوب معارضاتهم، في فترات حرجة من تاريخ المغرب الحديث؛ وكأنه يقول: هم لا يفهمون مقاصدي.
وحيث إن الصلات لم تنقطع بين الطرفين، فقد أمكن استئناف التعاون بين الملك الراحل ومعارضيه الاتحاديين &وبالتالي &كتبت صفحات مثيرة في تاريخ البلاد.
وإذا قدر لمؤرخ نزيه موضوعي أن يكتب أو يستكمل كتابة تاريخ الاتحاد الاشتراكي، سواء في أوج مجده أو مرحلة بداية أفوله الشعبي، فإنه سيلاقي بالتأكيد وجه الجيب الشرقاوي، حاضرا بقوة ومألوفا في كل المعارك الضارية التي خاضها الحزب، إن مع النظام ،أو بين أعضائه والتيارات التي انسلخت عنه &نتيجة صراعات شخصية وتجاذبات إيديولوجية.
كان الحبيب وهو سليل أسرة وطنية رباطية عريقة: والده أحد الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال التي رفعت إلى سلطات الاحتلال يوم 11 يناير 1944 أي أن الوالد كان على صلة وثيقة بالمهدي بنبركة.
عاش الراحل في أتون العواصف التي حاولت اقتلاع جذور الاتحاد من الساحة السياسية المغربية، وفي طليعة المتصدين للمؤامرات والدسائس التي استهدفت العائلة الاتحادية ، جراء رفض الحزب أنصاف الحلول والتسويات والمساومات لجره نحو التدجين والتخلي عن الخيارات التي أصبحت مع الزمن &العقيدة السياسية الثابتة للاتحاديين &وخاصة ذلك الرعيل الأول &المتمرد على قيادة حزب الاستقلال أواخر خمسينيات القرن الماضي وإعلانهم عن ميلاد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية &ذي التوجه اليساري الواضح والذي سيصبح بعد سلسلة مخاضات عسيرة "الاتحاد الاشتراكي".
ظل الشرقاوي ماثلا في الصورة منذ تلك اللحظة الفاصلة &إلى غاية السنوات الأخيرة، لما أصاب الحزب مرض مزمن وتوالت انتكاساته ، فكان طبيعيا أن يؤثر في صحة احد الفاعلين التاريخيين.
وفي هذا السياق يمكن القول إن الحبيب الشرقاوي، هو أحد التلاميذ الأوفياء لفكر وتوجه الزعيم اليساري المهدي بنبركة . ظل رافضا وزاهدا في أي منصب &ما دامت الحقيقة &مغيبة بخصوص &مؤامرة اختطاف صاحب الاختيار الثوري &وأول رئيس للمجلس الاستشاري في المغرب بعد الاستقلال.
لم يكن الشرقاوي رجل الظل &كما صنفته كتابات صحافية ، لما كان في قيادة الحزب وتوجهت إليه الأنظار . الحقيقة ان الوصف الجدير به هو "المناضل المؤتمن على رصيد الحزب المالي ، وصيانته من تداعيات وإشكالات الصراع المدمر بين التيارات" التي أدعى كل واحد منها أنه &صاحب الحق والوريث الشرعي والتاريخي لتركة بنبركة.
اختار الشرقاوي، الاصطفاف الدائم في صف &القيادة الشرعية( جماعة الرباط)وهي بدورها كانت واثقة من أمانته &حتى على افتراض انه قد يبدي تعاطفا مع منتقدي القيادة الحزبية وأسلوب تعاطيها مع الطوارئ السياسية في بلد يغلي.
لقد تبادلت التيارات الخارجة من معطف الاتحاد الاشتراكي الاتهامات والألفاظ النابية فيما بينها ، لكن الشرقاوي ، ظل في مأمن منها وعن مرمى سهامها .الكل كان يحترمه و يقدر غيرته على مالية الحزب وممتلكاته ، وهي المتواضعة أصلا ، لتنفع في الشدائد والمحن &التي واجهت الحزب &في شخص مناضلين حوكموا وسجنوا وعوقبوا عقابا شديدا على انتمائهم . &تلك الحالات الإنسانية &كان بتابعها ، سي الحبيب، عطوفا على اسر المناضلين ، متتبعا لأوضاعهم في السجون والمحاكم والمستشفيات.
الانكباب على مصالح الحزب &والعناية بالمناضلين، لم يترك للشرقاوي الوقت والفرصة لممارسة السياسة بمعناها الاحترافي، &ولذلك كان &اقل الاتحاديين حديثا إلى وسائل الإعلام وحين اشتد عليه الضغط &تكلم &بألم عن أمراض الحزب &والمآل الذي انتهى إليه . وحدة النقد التي ميزت بعض تصريحاته وشهاداته ، كانت نابعة من غيرته على الحزب &الذي أمضى أكثر من نصف قرن &منشغلا به &مؤملا في غد مشرق.
ودع الاتحاد الاشتراكي، طرازا خاصا من المناضلين الزاهدين &.هو ضميرهم النقي . لن يجود الزمان بمثلهم ، فهم نتاج ظروفهم وعصرهم والتربية السياسية التي تشبعوا بها وأخذوها من الرواد الأفذاذ ، وهم فتيان .لم يفرطوا فيها إلا بعد &اشتدت عليهم وطأة المرض الذي &أنهك حزبهم قبل أن يتمكن منهم فرحلوا عن &الدنيا الفانية.