أخبار

بعد التوقف المفاجئ لمسار الأستانة

كانتون بحكم الأمر الواقع في شمال غرب سوريا

امرأة وطفلها يُشاهدان من خلال منظار بندقية قنص أحد مقاتلي المعارضة، أثناء فرارهما من حي سيف الدولة بمدينة إدلب شمال سوريا
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

إيلاف من بيروت: تحوّلت منطقة شمال غرب سوريا تدريجيًا إلى كانتون بحكم الأمر الواقع خارج عن سيطرة الدولة السورية. وأتى ذلك نتيجة عملية نشطة بدأت فصولها في العام 2016 وعبّرت بشكل أساسي عن المصالح الأمنية لكلٍّ من تركيا وروسيا وإيران ونظام الرئيس بشار الأسد. ظهر هذا الإطار باعتباره شكلًا بديلًا من أشكال إدارة النزاع، وسمح لمختلف هذه القوى بتعديل خصائص الكانتون بشكل منهجي، وهذه العملية الصعبة ما زالت مستمرة حتى اليوم.

يقول أرميناك توكماجيان، الباحث غير المقيم في مركز مالكوم كير&- كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، إن هذا الكانتون "يتّسم بأنه إقليم غير خاضع لسلطة الدولة السورية، وتابع للإطار الأمني التركي فوق الوطني، ويعتمد في بقائه واستمراره على العلاقات الاقتصادية والسياسية مع أنقرة، ويقطنه سكان لم يستطع النظام إعادة دمجهم في هيكلية الدولة، أو لم تكن لديه الرغبة في ذلك".

نشوء الكانتون
يضيف في دراسة نشرها موقع مركز مالكوم كير&- كارنيغي للشرق الأوسط: "بعد بدء التدخل العسكري الروسي في عام 2015، شنّت القوات الحكومية السورية وحلفاؤها هجمات لاستعادة السيطرة على معاقل المعارضة، فبات النزاع السوري يتركّز بشكل أساسي في المناطق الحدودية الشمالية، حيث نشأ الكانتون".

وبدأت المحطة الأساسية على مسار تحويل الشمال الغربي إلى كانتون في أواخر العام 2016، حين استعادت القوات الحكومية السورية وحلفاؤها السيطرة على شرق مدينة حلب، ونفّذت تركيا توغّلها العسكري الأول في سوريا. وكانت إحدى نتائج الانتصارات التي حقّقتها الحكومة السورية طرد 200,000 شخص إلى المنطقة التي تحوّلت إلى كانتون في الشمال الغربي، ما رسّخ طابعها الجيوسياسي السنّي الريفي المُعارض بشدة للنظام.

إلى ذلك، وبحسب توكماجيان، شكّلت القرارات التي أفضت إليها الاجتماعات الثنائية، ولا سيما بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والاجتماعات المتعدّدة الأطراف مثل عملية الأستانة، "أُطرًا للتوصل إلى اتفاقات مشتركة حول سوريا، ما أحدث تغييرات في شمال غرب البلاد".

شكل بديل للصراع
يخلص الباحث إلى أنه يمكن اعتبار تحوّل منطقة شمال غرب سوريا عمليًا إلى كانتون "شكلًا بديلًا من أشكال إدارة النزاع، أتى استجابةً إلى الحرب السورية التي لم تُفضِ إلى انتصار حاسم لصالح طرف معيّن أو إلى حل سياسي".

بحسبه، نتجت العملية المتواصلة لتحويل الشمال الغربي إلى كانتون من إقدام روسيا وتركيا وإيران ونظام الأسد باستمرار على إدخال تعديلات على الجوانب الأمنية والديموغرافية والاقتصادية والسياسية للشمال الغربي، بحسب ما تمليه مصالحها.

ويُرجَّح توكماجيان أن تتواصل عملية تعديل الكانتون لأن الدول الأربع المنخرطة في شمال غرب سوريا غير راضية عن الوضع الراهن، وقد ازدادت تفاعلاتها بعضها مع بعض. يقول: "عمومًا، انطوت التعديلات التي شهدها الشمال الغربي منذ عام 2016 على الكثير من المعاناة والمشقات، بدءًا من الحرب والتدابير الأمنية، ومرورًا بموجات النزوح الجماعي والثورات المُحبَطة، ووصولًا إلى التغييرات الديموغرافية والتنافس الحاد على الموارد المحدودة. وفي حال أُجريت المزيد من التعديلات على الكانتون، من المستبعد أن تكون أقل إيلامًا من سابقتها، ذلك أن المدنيين سيتكبّدون الخسائر الأكبر".

توقف مفاجئ
مثّل الإعلان من جانب نائب وزير الخارجية الكازاخستاني اختتام محادثات الأستانة في 21 يونيو 2023 مفاجأة للجميع. وقد قال إن أهداف المحادثات تحققت مع "خروج سوريا من عزلتها" و"عودتها إلى الحضن العربي". لكن لروسيا تفسير مختلف. قال المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف إن المحادثات لم تنتهِ، لكن قد يتطلّب الأمر البحث عن موقع جديد لإكمالها.

يقول الباحث: "يبدو أن مسار الأستانة كما عرفناه منذ عام 2016 انتهى، لكن روحيته والمنطق الكامن وراءه مستمران. وخير دليل على ذلك المحادثات السورية التركية التي انطلقت في ديسمبر 2022 بوساطة روسية، وقد أنشأت، بمشاركة إيران أيضًا، إطارًا جديدًا للمساومات والمقايضات، لكن هذه المرة بمشاركة مباشرة من النظام السوري. وتمخّض ذلك عن منتدى يتيح للأطراف الأربعة إدارة تداعيات النزاع في شمال سوريا وإعادة تشكيل المناطق الحدودية بما فيها الشمال الغربي، وفقًا لما تمليه مصالح كل طرف".

يشكّل هذا إطار جديد يحظى بموافقة تركيا وسوريا، ويحظى بدعم روسيا وإيران. يعقب توكماجيان بالقول: "مثل هذا الإطار، إن تحقق، لن يحلّ المشاكل المعقّدة التي يعانيها الشمال الغربي بين ليلة وضحاها، لكنه قد يمهّد لإجراء تعديلات جديدة. فمن شأن غياب اتفاق بين سوريا وتركيا أن يعزّز الوضع القائم ويحدّ من فرص إدخال تعديلات كبيرة".


دراسة أرميناك توكماجيان منشورة كاملة في موقع "مركز مالكوم كير&- كارنيغي للشرق الأوسط"

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف