جريدة الجرائد

كركوك: مدينة ما زالت تتنازع هويتها وتاريخها

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الأحد: 30. 10. 2005

الأكراد يشددون على ترحيل جميع الوافدين العرب والتركمان يتمسكون بـ «عاصمتهم»...

نفط كركوك نقمة لا نعمة ...

كركوك – جعفر الأحمر

تعتبر كركوك (255 كلم شمال بغداد) الغنية بالنفط، القضية المركزية للأكراد في المرحلة الحالية التي باتت تختصر معظم تعقيدات الأوضاع العراقية وتناقض مصالح القوى والأطراف السياسية. اذ لا يخفى ان المدينة التي تعوم على بحر من النفط باتت محل تجاذب محلي وإقليمي يخشى ان ينفلت من الضوابط وصولاً الى تفجر الأوضاع بما يؤدي الى تداعيات خطيرة على المنطقة كلها في حال الفشل في التوصل الى اتفاق بين مكوناتها الرئيسية الثلاثة الأكراد والتركمان والعرب. وتحمل المدينة في ثناياها أيضاً إمكان اجتراح حل نموذجي يصلح ان يصبح قدوة لحل الخلافات على مستوى العراق ككل.

والخلاف الرئيس الذي بات محل تجاذب شديد يتمحور حول هوية المدينة: هل هي كردية أم عربية أم تركمانية؟ ويستبطن هذا السؤال سؤالاً أهم وهو: أين هو موقع المدينة ادارياً؟ هل هو مع اقليم كردستان (الذي يفترض ان يشرعه الدستور الجديد) أم تبقى خارجه مع منحها وضعاً خاصاً مثل بغداد؟

الأكراد لا يخفون نيتهم ضم المدينة الى اقليم كردستان فيما يتهمهم خصومهم بتنفيذ خطة لتكريدها وفرض أمر واقع يمكنهـــم من السيطرة عليها كلياً (عن طريق الاستفتاء) لاستكمال عناصر دولتهم (الاقتصاد) قبل اعلان الاستـــقلال.
العنف في كركوك.


وأسباب المشكلة قديمة تعود الى عقود خلت وتتمثل، كما يقول الأكراد، في محاولة تغيير الطابع الديموغرافي للمدينة من خلال ما عرف بـ «سياسة التعريب» التي بدأها الرئيس العراقي الأسبق عبدالسلام عارف بعد الاطاحة بعبدالكريم قاسم وأكملها أحمد حسن البكر ووصلت الى ذروتها في عهد صدام حسين.

وفي اطار هذه السياسة استقدمت آلاف العائلات العربية من مناطق مختلفة في العراق وأسكنت كركوك بعد منحها حوافز مالية (10 آلاف دينار) وأراضي ووظائف، فيما استقر بعضها في بيوت وأملاك الأكراد الذين رحلوا بعد رفضهم تغيير قوميتهم الى العربية في ما عرف بـ «تصحيح القومية». فضلاً عن ذلك أجرى نظام صدام تغييرات إدارية في المحافظة فألحق بعض الأقضية والنواحي التابعة لها بالمحافظات العربية.


عقدة الوافدين والمرحلين

ورسم قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية إطاراً عاماً من دون تفاصيل للتسوية النهائية في كركوك في المادة 58 التي نصت على اتخاذ الحكومة العراقية تدابير محددة لتصحيح الأوضاع في المدينة وأهمها: أولاً ترحيل الأشخاص الذين جاؤوا من مناطق أخرى (العرب) وسكنوا في كركوك، وإعادة المرحلين من كركوك الى مدينتهم مع تعويضات، ثم اجراء احصاء سكاني قبل الاستفتاء العام في المحافظة لتقرير مصيرها.

وشكل رئيس الوزراء العراقي السابق اياد علاوي لجنة برئاسة الأمين العام للحزب الشيوعي حميد مجيد لمتابعة قضية كركوك، فيما أعطى الدستور الجديد الحكومة مهلة حتى كانون الأول (ديسمبر) 2007 موعداً نهائياً للانتهاء من أعمالها.

في غضون ذلك، يسعى كل طرف في كركوك الى استباق التسوية في محاولات دؤوبة لفرض رؤيته ومحاولته التأثير في مجرى هذه العملية. فكل من العرب والتركمان والأكراد، مثلاً، يقدمون معلومات متضاربة عن هوية كركوك القومية بالاستناد الى إحصاء عام 1954، علماً أن بعض المراقبين يشير الى حصول تزوير لا يعرف مداه في هذه الوثائق.

والخلاف يتمحور حول مسألتين رئيستين: عدد المرحلين الأكراد من كركوك وعدد العرب (الوافدين) الذين أسكنوا المدينة ومصيرهم. وفي ظل عدم وجود احصاءات دقيقة يمكن الركون اليها تتبادل الأطراف الرئيسية (الأكراد والعرب والتركمان) الاتهامات بتزوير الأرقام.

تكريد كركوك

العرب والتركمان يتهمون الأكراد، الذين باتوا يسيطرون على كركوك منذ سقوط نظام صدام حسين في نيسان (ابريل) 2003، بتنفيذ خطة لـ «تكريد» المدينة وفرض أمر واقع باللجوء الى وسيلتين رئيستين:

الأولى: استقدام أكثر من نصف مليون كردي اليها، من مناطق مختلفة كالسليمانية واربيل وغيرها وحتى من دول مجاورة كايران وتركيا وسورية، منذ سقوط نظام صدام حسين. وما يدعم هذه الاتهامات، بحسب ممثلي العرب والتركمان، ما كشفت عنه سجلات الناخبين في كركوك من اضافة نحو 250 ألف ناخب. ويكثر الحديث عن تشجيع الأحزاب الكردية الأكراد للإقامة في كركوك عن طريق تقديم حوافز (كما كان صدام حسين يفعل مع العرب) مثل قطعة أرض ومبالغ مالية (750 دولاراً) لكل كردي يريد الإقامة في المدينة. ويلاحظ في الطريق من السليمانية الى كركوك كيف ان قطعاً كثيرة من الأراضي في منطقة الفيلق على مدخل كركوك (تابعة للدولة) تم تقسيمها وفرزها بأحجار من الطوب او بنوع من الدهان الأبيض للبناء عليها، كما تلاحظ حركة بناء كثيفة خصوصاً في منطقة آزادي (الحرية).

ثانياً: ترحيل العرب بارهابهم أو تشجيعهم أو دفعهم الى الرحيل. وبحسب ممثلي العرب والتركمان تنظيم فرق من الأكراد عمليات اغتيال لشخصيات وأفراد من القوميتين العربية والتركمانية في كركوك لخلق حالة من الرعب في أوساط هاتين القوميتين تدفعهم الى الرحيل، اضافة الى حرمانهم من فرص التوظيف في المرافق الحكومية التي تقتصر على المحازبين والأنصار. وعلمت «الحياة» ان أعداداً متزايدة من العرب بدأت بيع أملاكها خصوصاً في أحياء الأمن والعروبة والواسطي.

الأكراد من جهتهم ، يتهمون الحكومة بعدم الجدية في حل مشكلة المرحلين والوافدين والتباطؤ في تطبيق المادة 58 من قانون إدارة الدولة. ويقول رئيس مجلس محافظة كركوك رزكار ان مئات العائلات الكردية التي رحلت من كركوك وأقامت في مناطق أخرى، بعضها قريب يقع على تخوم المدينة، تنظر الى بيوتها وأرزاقها بحسرة من دون ان تتمكن من استعادتها بانتظار البت في مصير شاغليها. وبعض هذه العائلات عادت الى كركوك ولم تجد بيوتها فأقامت في ملعب كركوك الرياضي وثكنات الجيش العراقي السابق.


تطبيع الأوضاع وعدم الترحيل بالقوة

والجدير بالذكر ان الكثير من العائلات الكردية التي رحلت من كركوك انتقلت الى أماكن بعيدة واستقرت فيها بعدما تدبرت أمرها واندمجت في هذه المناطق ووجدت عملاً لها. وينتاب الأحزاب الكردية خشية حقيقية من عدم حماسة هؤلاء للعودة الى كركوك وربما التخلي عنها.

ويقول زركار: «الأولوية لدينا هي لتطبيع الأوضاع في كركوك باعادة الأكراد المرحلين اليها وترحيل العرب الوافدين الى مناطقهم». ويضيف: «نحن لسنا ضد وجود العرب في كركوك. هناك عرب يسكنون في مناطق كردية كالسليمانية واربيل ودهوك وغيرها. ونرحب بالعرب في مناطقنا شرط ان لا يؤثر وجودهم في التركيبة السكانية أو يؤدي الى تغيير ديموغرافي، أي لا يؤثر على حقوق الأكراد. فنحن نرحب بالعرب من كل العراق للمجيء الى أي منطقة في كردستان اذا شاؤوا، لبناء عمارات أو تملك عقارات أو العمل أو لأي سبب كان، لكن ليس عن طريق سياسة التطهير العرقي كتلك التي اتبعها نظام صدام حسين.

والأمر نفسه ينسحب على كركوك. العرب مرحب بهم للمجيء الى هذه المدينة أيضاً والاقامة فيها لكن بعد تطبيع الأوضاع فيها كما نص على ذلك قانون ادارة الدولة للفترة الانتقالية والدستور الجديد، اذ سيصبح الأمر حينها طبيعياً في كركوك كأي محافظة عراقية يسمح لأبناء الشعب العراقي كافة الاقامة والعمل فيها».

ويشدد زركار على انه «يجب أولاً ازالة آثار سياسة البعث السابقة في كركوك قبل استئناف الحياة الطبيعية فيها. وفي الوقت نفسه نؤكد اننا لن نرحل أي عائلة بطريقة صدامية كما رحل الأكراد والتركمان بطريقة غير انسانية وكأنهم أعداء».

ورداً على سؤال لـ «الحياة» عن مصير أبناء العائلات العربية التي أسكنت كركوك، خصوصاً ان جيلاً كاملاً من هؤلاء ولد وترعرع هناك ولا يعرف إلا كركوك موطناً له، ومدى شرعية القانون بترحيلهم، أجاب زركار: «نحن لسنا عنصريين كما يحاول البعض تصويرنا. لكن ما هي شرعية القانون الذي سنه صدام حسين وجاء بموجبه العرب الوافدون لتغيير الديموغرافيا في كركوك؟ هذه ليست قوانين بل كانت قرارات يصدرها ما يسمى مجلس قيادة الثورة لحزب البعث المنحل. القرار مخالف في الأصل للقانون. هل تسمح مبادئ حقوق الإنسان بتطبيق سياسة تغيير الديموغرافيا؟ وهل ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على ذلك؟» وأضاف: «هل تعلم ان العرب الوافدين منذ قدومهم الى كركوك لم يدفنوا موتاهم في كركوك، وليس لديهم مقبرة خاصة بهم، علماً بأن للعرب الأصليين مقبرة خاصة بهم؟».

5 آلاف عائلة عربية مستعدة للرحيل

وشدد زركار على ان «هدفنا ليس منع وجود العرب في كركوك، بل ان لا يؤثر وجودهم في نتيجة الاستفتاء المزمع إجراؤه فيها. فالمشاركة في الاستفتاء يجب ان تنحصر في سكان محافظة كركوك الأصليين من أكراد وعرب وتركمان وأرمن وصابئة وغيرهم».

وكشف زركار ان «نحو 5 آلاف عائلة عربية شيعية وافدة في كركوك أعلنت عزمها على العودة الى مناطقها الأصلية، ووقعت وثائق بهذا الخصوص». ورداً على سؤال هل وقع هؤلاء بحرية أجاب: «نعم، وقعوا بكل حرية ويمكنكم مقابلتهم أيضاً. والتقى ممثلون عن هذه العائلات جلال طالباني (رئيس الجمهورية) وابراهيم الجعفري (رئيس الوزراء) ومسؤولين أكراد وأعلنوا خلال هذه اللقاءات نيتهم العودة الى مناطقهم الأصلية. والترتيبات جارية بهذا الشأن».

وعن عمليات الاغتيال التـــي تطـــاول العرب والتركمان خصوصاً، ذكـــر زركـــار ان «هذه العمليات، التي تستهـــدف أيـــضاً أكراداً، يقوم بها عناصر نظام البعث لخلق فتنة في كركوك تماماً كــــما يفعلون فـــي بغـــداد وبقية المـــناطق بتنـــفيذ عمـــليات اغتـــيال لشخـــصيات سنـــية وشيعية بهدف إشعال فتنة بين الطائفتين».

وهكذا تبدو الصورة في كركوك من الداخل بحسب زاوية النظر إليها: العرب والتركمان يشعرون بوطأة قبضة الأكراد على المدينة وإصرارهم على تكريدها تمهيداً لضمها الى إقليم كردستان وهذا ما يرفضه العرب والتركمان، فيما يرد الأكراد بإعلانهم الالتزام بقانون إدارة الدولة القاضي بتصحيح الأوضاع في المحافظة قبل الاستفتاء، وذلك من دون إغفال دور العاملين الاقليمي والدولي في تقرير مصير المحافظة التي غدت نعمة النفط فيها نقمة نتيجة تنازع القوى السياسية المحلية والاقليمية حولها.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف