«كيتوس» فنلندا
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
الأربعاء: 19. 10. 2005
مرام عبدالرحمن مكاوي: رحلة علمية أخذتني إلى هذه الدولة الاسكندنافية الواقعة شمال القارة الأوروبية، ويمثل الجزء الشرقي منها أقصى نقطة في شرق الاتحاد الأوروبي حاليا. إذ تبدأ بعد ذلك الحدود الروسية التي استطعنا مشاهدتها، حيث لا يفصل بين فنلندا وروسيا إلا بحيرة صغيرة.
عندما وافقت مشرفتي على ذهابي، لم أعرف ماذا أتوقع عن هذه البلاد، فلم يكن حولي أحد ممن زارها، أو زار أيا مما يعرف بالدول الاسكندنافية (فنلندا والسويد والنرويج والدنمارك). لم أعرف سوى أنها مقر شركة نوكيا الشهيرة، وأنها بلاد باردة جدا، وبالتالي ففكرة الذهاب إليها في خريف أوروبا، كانت تثير قلقي. لكن الحمد لله، كان الطقس جيدا، ويمكن التعايش معه ما دام هناك اختراع اسمه ملابس صوفية. ولكن المحليين أخبرونا بأنه في فصل الشتاء يمكن أن تصل درجة الحرارة إلى الأربعين تحت الصفر! وبسبب هذا الطقس الصعب، فإن فنلندا وأخواتها ليست على خريطة السياحة الدولية. الفنلنديون تكيفوا مع الطقس البارد بحيث إنه من أساسيات أي بيت وجود غرفة لحمام البخار (السونا) فيه، إذ أخبرني أستاذي هناك، بأن عدد سكان فنلندا خمسة ملايين، وعدد حمامات السونا فيها لا يقل عن مليونين أو أكثر! إذ يحاول الناس التغلب بأي شكل على البرد وكآبته، خاصة في شهور الشتاء بلياليها الطويلة إذ تكاد الشمس لا تشرق فيها بتاتا لعدة أشهر، مما يتسبب في انتشار الكآبة، وارتفاع معدلات الانتحار.
كنتُ قد قرأت قبلا بأن فنلندا وأخواتها، قد نالت دائما مراتب متقدمة في تصنيف الأمم المتحدة لأفضل الدول التي يمكن للمرء أن يعيش فيها، متقدمة على أمريكا واليابان وغيرهما. وبما أنني زرت كثيرا من الدول التي يعتبرها الناس أفضل دول العالم، فقد توقعت الكثير من فنلندا، ولكن خاب ظني قليلا.
بدأ الأمر بخطوط الطيران التي ذكرتني بالطائرات التي كنا نسافر فيها في الثمانينات وأوائل التسعينات، والتي جعلتني أشعر بفخر وأن أتذكر المسيرة التي قطعتها خطوطنا الوطنية رغم كل العيوب. فناهيك عن ضيقها وعدم وجود وسائل تسلية سمعية أو بصرية خاصة بها، وناهيك عن عدم توفيرهم للوجبة النباتية التي طلبتها، فإنه من الواضح أن لها تقليدا راسخا في التأخر ساعة عن موعد الإقلاع (على الأقل). فلقد ركبت أربع طائرات على هذه الخطوط خارجية وداخلية، ولم تقلع طائرة واحدة في موعدها. ثم وصلنا للمطار وتزاحمنا في الباصات التي ستقلنا للصالة وفكرت بأننا لسنا إذن وحدنا في جدة من يحتفي بهذا النظام العجيب!، لكن صالة المطار لم تكن تشبه مطارنا بحال من الأحوال، وإن لم ترتق أبدا لصالات سنغافورة أو ماليزيا.
ومع أنني لم أستطع أن أخرج في جولة لأشاهد (هلسنكي)، وبالتالي لا أستطيع أن أحكم على عاصمة البلاد، لكنني أستطيع القول بأنه من مشاهدتي لمدن أخرى مثل مدينة (يانسو) بأنها ليست بلدا لديه أبراج زجاجية تطاول السماء، ولا تسير في شوارعها أحدث أنواع السيارات الأمريكية، ولا نلمح البذخ والرفاهية على شوارع المدينة أو على ثياب الناس، لكننا قطعا نلحظ النظافة والنعمة عليهم. فلماذا إذن صنفت الأمم المتحدة هذه الدولة وجاراتها بشكل ممتاز بينما لم تنل دولنا الخليجية الحديثة الشيء ذاته؟
لأن الدول لا يتم تقييمها بناء على البهرجة الخارجية، من أبراج شاهقة، وجزر اصطناعية، وفنادق عالمية. بل تصنف بمدى العدالة الاجتماعية، ومستوى دخل الفرد قياسا للثروة الوطنية، ولمدى جودة النظام التعليمي، ونسبة الأمية (التي هي صفر أو قريب منه في الدول الإسكندنافية بشكل عام)، والرعاية الصحية، والضمان الاجتماعي، وبالطبع الاستقرار السياسي ومسيرة العملية الديمقراطية. وهنا تبرز فنلندا، التي كان أول من أخبرني معلومة أثارت اهتمامي عنها طالب من بولندا في مؤتمر علمي حضرته. لقد أخبرني كيف أن هذا البلد يمنح تعليما جامعيا راقيا جدا ومجانيا كليا للجميع مواطنين وأجانب.
وبعيدا عن مجانية التعليم الجامعي، هناك جودة التعليم المدرسي، الذي يمزج ما بين العلوم والفنون، فالرياضيات كما الموسيقى الكلاسيكية مهمة للطالب. وقد أخبرنا طالب أمريكي أنه جاء ليمضي فصلا واحدا في فنلندا، فوجد نفسه يمضي ثلاث سنوات، ويفكر جديا بالزواج والاستقرار في فنلندا حتى يذهب أولاده إلى مدارس متميزة في بيئة آمنة وصحية، وهو أمر يصعب الحصول عليه في أمريكا اليوم.
في فنلندا أيضا استغربت من حجم العائلات، فيبدو أن كل عائلة لديها على الأقل ثلاثة أطفال، وآخرون لديهم أربعة أو خمسة، وهو أمر مختلف عن بريطانيا مثلا حيث تتكون العائلة من طفلين على الأكثر. وقد فوجئت بمستوى التدين فيها (والتدين هنا لا يعني بالضرورة المحافظة كما نعرفها)، وهو أمر لم أتوقعه لأنني آتية من بريطانيا التي يعتبر فيها وصف شخص بالمتدين سبة لدى العامة من البروتستانت! لكن يبدو أن الفنلنديين الأرثوذكس يختلفون عنهم، فقد رأيتهم يتسارعون لتقبيل أيادي رهبانهم في المطار، كما شاهدت مدى تبجيل دليلنا للكنيسة الصغيرة في جولتنا في المنطقة.
طبيعة فنلندا جميلة ببحيراتها الكثيرة الجميلة، وأشجارها الطويلة المزدانة بألوان رائعة ما بين صفراء وحمراء وخضراء في أواخر شهر سبتمبر، وهوائها النقي النظيف الذي لا يمكن إلا أن تشعر بأنه مختلف عن ذلك الهواء الذي نستنشقه في المدن التي لوثناها بالعوادم وأبخرة المصانع. ولعل اختيار الجامعة لبناء مركز الأبحاث، الذي يضم معامل حديثة، ومعدات متطورة، وسط هذه الغابة في مكان ناء لا يوجد به حتى بقالة أو مطعم أي شيء مما يذكرنا بالمدنية الحديثة، هو اختيار جيد، لأن الباحث يريد أن يرتاح ويعمل بهدوء. ولو أن الأمر بدا صعبا ومملا بعض الشيء أحيانا، فليس ثمة شيء حولك سوى أشجار وبحيرة وزورق ركبناه وزرنا به جزيرة صغيرة وسط البحيرة.
إحدى المخاوف التي كانت تساورني قبل الرحلة، هي مدى تقبل الناس هناك لوجود طالبة عربية ومسلمة، فهذه ليست بريطانيا متعددة الثقافات، بل دولة لم يكن لها تاريخ مشترك مع العرب أو المسلمين. لكنني فوجئت بأنهم كانوا لطفاء معي ومتفهمين لأقصى درجة، ووفروا لي ما طلبته من طعام، وكانوا يحاولون التأكد من أن الأمور معنا تسير على ما يرام. وكان جميلا أن تعرفنا على أستاذنا وعائلته، فدخلنا بيت عائلة فنلندية، وشاهدنا كيف يعيشون، ولم تكن زيارتنا واحتكاكنا بالناس هامشيا على طريقة السياح. وعرفنا عن اهتمامهم بالموسيقى والغناء، فالبيانو موجود في كل بيت تقريبا، والعزف عليه مساء أحد العادات الجميلة التي يحاولون التمسك بها رغم منافسة التلفاز والفيديو والبلاي ستيشن والإنترنت.
الفنلنديون بشكل عام أناس لطفاء، لكنهم هادئون جدا وحديثهم قليل، سيكون من الجيد أن تصادقهم لكن ليس أن تعمل معهم. فمن تجربتي الشخصية في العمل ضمن مجموعة الدراسة اكتشفت أن روح الفريق التي أتيت بها من بريطانيا كأسلوب في الدراسة والعمل غير منتشرة عندهم. بل إن الفردانية والعمل باستقلالية لخدمة الأهداف التعليمية الشخصية هو الطبيعي، وكان من المتعب أن تحاول أن تقنعهم بالعمل في فريق.
كانت رحلتي مفيدة من الناحيتين العلمية والثقافية، وزادتني قناعة بأن تعاوننا العلمي، وبعثاتنا التعليمية لا يجب أن تقتصر على دولة بعينها، وبأن هناك الكثير من الدول التي لا تعرف عنا الشيء الكثير، ولا نعرف نحن بالمقابل عنها ما يكفي، والعلم والتعليم والثقافة هي من وسائل التواصل والتعارف في هذا العصر الدموي الصعب. فلم لا نمسك بزمام المبادرة بدل أن نترك الميدان لأولئك الذين يروجون عنا الأكاذيب والافتراءات؟
لا شك أن الناس في بلد كفنلندا لن يرحبوا وحسب بهذا التعاون مع دولة نفطية مهمة كالسعودية، بل سيشكروننا قائلين بالفنلندية: (كيتوس)! وأنا بدوري أقول (كيتوس) لفنلندا وأهلها، وإلى لقاء آخر.
* كاتبة سعودية وطالبة دراسات عليا، المملكة المتحدة