ثلاث خصائص قاتلة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
د. علي الغفلي
تتكاتف عدة خصائص في الحياة السياسية العربية لكي تتيح الفرصة أمام أعداء وخصوم العالم العربي وأنصار “إسرائيل” للعمل من أجل تقويض أسس الدول العربية، وجعلها تتردى في معاناة ممتدة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، بل عدم التردد في المضي قدماً إلى الإطاحة بها في نهاية المطاف. وحقيقة الأمر، فإنه يكفي أن تتوافر لدى دولتين أو ثلاث من القوى الكبرى في الساحة الدولية الرغبة في صنع عوامل القلق السياسي في واحدة أو أكثر من الدول العربية، لكي تجد في هذه الخصائص المداخل والأدوات اللازمة لنقل هذه الرغبة إلى حيز التطبيق، وتوظيف القلق الأمني الناتج من أجل زعزعة دعائم الحكومات القائمة، ولكي تمر هذه الدول المستهدفة بالتالي في مرحلة من عدم الاستقرار قد ينتهي بإسقاط نظمها القائمة. ولذلك، يمكننا القول إن هذه الخصائص تعد قاتلة بالنسبة للدول العربية، خاصة في ضوء التجربة المريرة التي لا يزال العراق يمر بها، وكذلك المصير الذي لا يقل مرارة والذي قد يكون بانتظار سوريا.
تتمثل أولى هذه الخصائص القاتلة في تفشي العلاقات الرديئة بين العواصم العربية لتشكل بدورها السمة الأبرز لخلفية العلاقات العربية العربية. تتراوح العلاقات غير السوية بين الدول العربية بين انتشار أجواء الشك المتبادل بين العديد من الحكومات العربية؛ وعدم ثقة العواصم في البلدان العربية بجدوى الاستناد إلى الدعم السياسي أو الأمني من مختلف الدول العربية الشقيقة، بل تفضيل هذه الدول الدخول في علاقات تحالف مع قوى أجنبية وامتلاك الثقة في هذه التحالفات من أجل ردع أو صد تدخلات غير مرغوبة من قبل دول عربية أخرى؛ وكذلك بقاء معظم الخلافات العربية العربية دون حل، إلى الدرجة التي يمكن معها وصف هذه الخلافات بأنها مزمنة؛ وأيضاً تعرض الدول العربية الصغيرة نسبياً لأنواع من التدخلات والضغوط التي تمارسها عليها جاراتها من الدول العربية الأكبر حجماً.
وعلاوة على مساهمة خاصية العلاقات المتردية بين الدول العربية في تفتيت النظام الاقليمي العربي وضياع الفرصة من أجل اتخاذ سياسات تكاملية سياسية واقتصادية، فإن هذه العلاقات قد انتجت للأسف العديد من الأزمات الحادة في العالم العربي، دفعت إلى امكانية الحديث عن دولة عربية “ضحية” تعرضت لانتهاكات دول عربية أخرى “معتدية”، وذلك من قبيل ما حدث فعلاً، كاتهام العراق بغزو الكويت أو الزعم بأن سوريا متورطة في زعزعة أمن لبنان من خلال اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وشكلت هذه الاعتداءات العربية على أطراف عربية أخرى مداخل للتدخل الأجنبي في غير صالح العدد الأكبر من الدول العربية، وذلك بأن وفرت الذريعة أمام واشنطن ولندن وباريس لكي تتبع سياسات انتهازية وتدخلية، لا تحترم قواعد السيادة، أطاحت بالعراق وأحاطت سوريا بأجواء من الانزعاج المصيري على المستويين الشعبي والحكومي.
الخاصية القاتلة الثانية هي التفكك على صعيد البنية الوطنية في العديد من الدول العربية، وفق اعتبارات طائفية ومذهبية وأيديولوجية، حيث فشلت هذه الدول في استيعاب الأقليات فيها ضمن النسيج الوطني العام. إن من شأن هذا التشرذم المجتمعي أن ينتج فئات كبيرة من الشعب في الدولة العربية لا تشعر بالانتماء إلى الوطن، ومحرومة في الوقت ذاته من بلورة البنية الوطنية الخاصة بها، وتعاني من التهميش الذي لا ترى مخرجاً منه إلا زعزعة أمن الدولة القائمة، وتفكيكها وإعادة بنائها بالطريقة التي يمكن أن توفر لها منفذاً قومياً يعكس طموحاتها الوطنية أو المذهبية أو القيمية.
إن بإمكان الدور الذي لعبته القوميات الساخطة والطوائف المضطهدة في العراق خلال التحضير للغزو الأنجلو أمريكي في العام ،2003 وتنفيذ الغزو فعلاً أن يقدم دليلاً على مدى خطورة الخلل في النسيج الوطني في خصوص تقويض أمن الدولة العربية، وذلك عبر استغلال القوى الأجنبية الساعية إلى الاطاحة بالدولة العربية لمشاعر السخط والاضطهاد والمعاناة لدى هذه الشرائح، وتقديم الوعود لها بأن تحطيم الدولة وإعادة بنائها يمثلان انفراجاً وطنياً لها. ولذلك، يمكننا القول إنه في حالة أية دولة عربية تتصف بالتشرذم المجتمعي أو التفكك السكاني فإن وجود الفئات الشعبية والسكانية الساخطة لا يعين على الوقاية من تأثيرات هذه الخاصية القاتلة.
الخاصية القاتلة الثالثة تتمثل في وجود شخصيات في العديد من الدول العربية، تلعب دور التمزيق بشكل مصقود أو غير مقصود خلال الفترات الحرجة التي تحيط بمساعي التغلغل العدواني الأجنبي. قد تكون هذه الشخصيات منعزلة عن الشأن الداخلي لدولها لأنها تعيش في بلدان أجنبية في ما يشبه المنفى الاختياري أو الاجباري، أو قد تكون موجودة في دولها ولكنها مهمشة وغير مستوعبة في نسق النظام السياسي القائم. كما يمكن أن تكون هذه الشخصيات ذات طموح سياسي يجعلها تتطلع إلى الوصول إلى مراتب عليا في سدة الحكم في دولها، أو يمكن أن تكون قد تجرعت معاناة مريرة على الصعيد الشخصي أو الأسري تلوم الدولة القائمة بالوقوف وراءها، على أية حال، فإن بإمكان عواصم مثل واشنطن وباريس ولندن أن تستغل الطموح السياسي أو المعاناة الأليمة لدى هؤلاء الأفراد، وتنفذ من خلالها إلى حشد التأييد الوطني والدولي للتدخل الأجنبي في الدول المستهدفة.
ليست هذه الخاصية الثالثة من دون أمثلة يمكن أن تدعمها، ففي حالة العراق، وظفت الولايات المتحدة الطموح السياسي لدى أحمد الجلبي وآخرين من أجل أن يقوم هؤلاء بالتحريض ضد دولهم، بل الترويج لفكرة أن الغزو العسكري الأجنبي لها يمثل خياراً منطقياً وعملياً لكي تحصل هذه الدول على فرصة جديدة للحياة، متجاهلة في الوقت نفسه حجم الدمار الهائل الذي يمكن أن يلحق بكل من الشعب والدولة. وفي حالة الملف السوري اللبناني، يبدو أن العواصم الغربية تسعى إلى توظيف المعاناة والخسارة الشخصية اللتين لحقتا بسعد الحريري وأسرته بعد اغتيال رفيق الحريري، مع خطورة أن تعمد هذه العواصم إلى الخلط بين رغبة نجل الشهيد في ملاحقة قتلة والده وبين رغبة القوى الأجنبية في استغلال مسألة الاغتيال الآثم من أجل زعزعة دولة بأكملها. ولذلك، حسناً فعل سعد الحريري عندما أكد أن التحقيق في الاغتيال يجب ألا يهدد سوريا كدولة، وهو موقف نحسبه مهماً لكي يتم تفويت الفرصة على العواصم الغربية التي تسعى لتوظيف هذه الخاصية القاتلة بالشكل الذي يطيح باستقرار كل من لبنان وسوريا.
E-mail: letter111@hotmail.com