استرداد رنا قليلات ومحاكمتها يمهّدان لكشْف «جبل جليد» الصفقات المشبوهة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
(1 من 2)
بنك المدينة «صندوق أسود» لفضائح النظام الأمني السوري ــ اللبناني في «الزمن الأسود»
بعد توقيف رنا قليلات في مصر الاسبوع الماضي، إثر تهريبها بجواز سفر مزور قبيل انسحاب الجيش السوري (من لبنان) في ابريل الماضي، «تُحبَس الأنفاس» في بيروت في انتظار ان يستردها لبنان الثلاثاء لمتابعة المحاكمة في فضائح «بنك المدينة»، وليبدأ فصل جديد من فصول محاكمة النظام الامني اللبناني ـ السوري الذي شكّل ذلك المصرف أحد أسوأ صناديقه السوداء بِما فيه من ضروب الفساد التي فاقت كل تصوُّر.
وقصّة «المدينة» تشبه الى حد كبير قصة لبنان في مرحلة ما بعد الطائف (1990)، فقد تسلّطت على هذا المصرف الموظفة رنا قليلات، بعلم أصحابه، وحوّلته على مرأى منهم مزرعة خاصة بها وبعائلتها، ومركز عمليات مالية مشبوهة, فتلاعبت بمئات ملايين الدولارات، في ظل حماية نائب رئيس مجلس الادارة ابرهيم ابو عياش، شقيق صاحب البنك عدنان ابو عياش اللبناني المقيم في السعودية والحامل جنسيتها، وبغطاء من الاجهزة الامنية التي كانت تتحكّم بكل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان, وبذلك، تحوّل هذا المصرف مزرعة تنطوي على أخطبوط من المصالح الخاصة والمنافع على حساب البلد وأهله.
البداية
ففي العام 2002 بدأت تفوح رائحة عمليات كبيرة لتبييض الأموال في لبنان تمارسها شخصيات على علاقة وطيدة بهذا المصرف، كطه قليلات شقيق رنا وسليم الدادا، من خلال أعمال ومشاريع استثمارية ضخمة تربط بين الثلاثة وبالتعامُل مع المصرف، علماً ان الثلاثة كانوا على علاقة اكثر من قوية ومتينة بمسؤولين أمنيين سوريين كبار في لبنان وداخل سورية، عدا عن علاقتهم بالرموز الأمنية اللبنانية.
وبعد تَداوُل تلك الفضائح وظهورها الى العلن، برزت مخاوف جدية على القطاع المصرفي اللبناني وسُمعته، وهو ذو الصدقية الكبيرة والسمعة الممتازة على المستويين الدولي والعربي، وخصوصاً انه حافظ على متانته وموقعه كأحد أسس الاقتصاد اللبناني وأدى دوراً كبيراً في عدم انهياره تحت وطأة المشاكل والأزمات الضخمة التي يتخبّط فيها.
هذه المخاوف، دفعت لجنة الرقابة المصرفية الى التحرّك في اتجاه «بنك المدينة»، ولا سيما بعدما ازدادت الشبهات حوله حين بدأ بدفع نسبة فوائد عالية للمودعين ليس بمقدور مصارف المرتبة الاولى الكبيرة، وهو ليس منها، تحمُّلها, ونتيجة ذلك، تضخّم عدد أصحاب الودائع من المواطنين العاديين حتى بلغ 111 الفاً سعياً الى الافادة من تلك النسبة المرتفعة، وبلغت قيمة تلك الودائع نحو مليار ونصف مليار دولار.
حماية أمنية
لكن تحرُّك لجنة المصارف حينها، وصل الى طريق مسدود، بسبب اصطدامه بحائط الحماية الأمنية التي كان يتمتع بها المصرف والتي كانت تؤمّنها رنا قليلات عبر شبكة علاقاتها التي بنَتها بالرشاوى الطائلة والهدايا الثمينة، اضافة الى إمرار الصفقات المشبوهة لمسؤولين أمنيين وسياسيين لبنانيين وسوريين في مقدمهم الرئيس السابق لجهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية العاملة في لبنان العميد رستم غزالة الذي جنى وحده نحو150 مليون دولار كان يقبضها عبر شقيقيْن له يزوران لبنان في شكل متقطّع لهذه الغاية.
وفي فبراير عام 2003 انفجرت ازمة المصرف من جديد، بعد تكاثُر الشائعات عن فضائح جديدة داخله محورها سرقة أموال بعض المودعين، وإعطاء دفاتر توفير لم تسجَّل أموالها في دفاتر المصرف، اضافة الى عمليات تبييض أموال, وتزامَن ذلك مع طلب المجتمع الدولي من لبنان مكافحة تبييض الأموال الناجمة عن أعمال إرهابية, وجاء هذا الطلب إثر تداوُل معلومات عن قيام نجليْ الرئيس العراقي السابق صدام حسين، قُصي وعدي، بتهريب أموال من العراق وإيداعها مصارف لبنانية تخوفاً من التهديدات الاميركية بشن الحرب على العراق.
وتحرّكت لجنة الرقابة على المصارف مرة اخرى, ونظراً لحجم المخالفات وخطورتها، وضعت يدها على «بنك المدينة» وشقيقه «بنك الأعمال المتحد» الذي تعود ملكيّته أيضاً لعدنان ابو عياش ويديره كذلك بالوكالة عنه شقيقه ابرهيم, ومع تعيين مدير موقت للمصرفيْن هو اندريه بندلي، أخذت تتكشف الفضائح بالأرقام والأسماء و«أبطالها» مسؤولون لبنانيون وسوريون، أمنيون وسياسيون، وبدأ العمل على حجز ممتلكات المصرف تأميناً لأموال المودعين، في موازاة انطلاق تحقيق مصرفي وقضائي في عمليات سرقة وتزوير تحويلات مالية ضخمة أحدها «سويفت» مزوّر بتوقيع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، بقيمة 310 ملايين يورو، فضلاً عن مخالفات ضخمة لقانون النقد والتسليف وعمليات تبييض أموال وتقديم حسابات وهمية لمصرف لبنان بدون مؤونة.
وفي خضمّ هذه التحقيقات، تمّ إغلاق فروع «بنك المدينة» وشقيقه «المتحد» وكان عددها يفوق الثلاثين، فيما أُبقي على الفرع الرئيسي لمصرف المدينة في بيروت, كما جرى صرْف 450 موظفاً من المصرفيْن وأُبقي على نحو ثلاثين لإدارة تسييل المممتلكات المصادَرة، وإعادة الأموال لأصحابها من المواطنين المودعين بعد جدْولتها على دفعات, وقد استعاد معظم المودعين أموالهم باستثناء عدد قليل من أصحاب الأرصدة الكبيرة.
ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحدّ، ففي يوليو من العام نفسه، برزت قضية الأموال العراقية مجدداً بعد مقتل نجليْ صدام حسين على أيدي القوات الاميركية في العراق، وكثرت التساؤلات عن مصير الأموال التي أودعاها لبنان وقيل انها في مصرف المدينة وتناهز ملياريْ دولار، فأين ذهبت تلك الأموال ومَن استولى عليها؟.
والى جانب الاموال العراقية ومصيرها الغامض، تقدّم صاحب المصرف أمام القضاء اللبناني بدعوى ضد رنا قليلات اتهمها فيها بسرقة مليار ومئتي مليون دولار، وبتحويل ملياريْن آخرين مصدرها أرباح مصرفية على أحد المصارف السويسرية، فتحرّك القضاء اللبناني وقبض على رنا للمرة الاولى في نوفمبر من العام نفسه، لتخرج بعد اسبوعين بكفالة بعد ضغوط مارسها العميد رستم غزالة, لكنها عادت الى السجن في منتصف يناير 2004 بعد رفْع دعاوى جديدة عليها من ابرهيم ابو عياش، شقيق عدنان، علماً انه رعى وجودها في المصرف حتى باتت الآمر الناهي في كل صغيرة وكبيرة, كذلك رفعت مهندسة الديكور رلى سويد شكوى على رنا بسبب شيك بلا رصيد قيمته 3 ملايين دولار.
مسار جديد
دخلت رنا قليلات السجن رهن التحقيق، ولكن اي تحقيق جدي لم يجرِ في فضائح «بنك المدينة» المعلنة وغير المعلنة, وبضغط من الحماية الأمنية السورية لرنا وخوفاً من كشف الحقائق، حصل تمييع للتحقيقات حتى حصلت عملية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 فبراير 2005 ودخلت البلاد في مسار جديد اتخذ شكل «الانتفاضة» ضد النظام الأمني القائم الذي اتُهم بعملية الاغتيال، وأفضى هذا المسار الى انسحاب القوات السورية من لبنان في نهاية ابريل الماضي, وقبيل إتمام الانسحاب الكامل أفرج القضاء اللبناني الخاضع للنظام الامني عن رنا قليلات بكفالة جديدة مانعاً اياها من مغادرة البلاد، ولكنها تمكّنت من المغادرة بجواز سفر مزور أمّنه لها ذلك النظام قبل سقوطه.
فساد ومفاسد
قبل أيام، تردّدت معلومات عن اعتقال رنا قليلات في مصر حيث كانت تعيش متخفية، وذكرت مصادر مطلعة ان زيارة النائب سعد الحريري لمصر اخيراً ساهمت في تسريع عملية البحث عنها ومحاولة القبض عليها تمهيداً لاستردادها واستئناف محاكمتها في لبنان, وفي حال جرت هذه المحاكمة في شكل شفاف، فمن المتوقّع كشف مزيد من الفضائح لا تدين النظام الامني ورموزه فحسب، بل كل الحياة السياسية في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف التي مورست فيها كل ضروب الفساد مِن جانب مسؤولين سياسيين وأمنيين ومَن لفّ لفّهم.
«الإبنة المدلّلة» للنظام الأمني شاركتْه في «امبراطورية» الفساد ورستم غزالة وعد شقيقها بمنافسة الحريري على رئاسة الحكومة
رنا قليلات، بطلة فضائح «بنك المدينة»، من مواليد العام 1967، كان والدها عبد الرحيم موظفاً في الدولة، وحين أحيل على التقاعد عمل لدى مكتب عقاري فاكتسب منه خبرة في بيع الاراضي والشقق السكنية وشرائها, وفي إحدى المرّات، قام بدور الوسيط في بيع أحد المستودعات لابرهيم ابو عياش نائب رئيس مجلس إدارة «بنك المدينة» وشقيق مالكه عدنان, ومن خلال لقاء العمل هذا وطّد علاقته به مما دفعه الى أن يطلب منه وظيفة لابنته رنا في المصرف، فلبّى ابو عياش طلبه ووظّف ابنته التي استطاعت في فترة وجيزة، بفضل ذكائها ودهائها، التقرُّب من ابو عياش ثم الحصول على ثقته، فعيّنها مديرة لمكتبه وأولاها سلطة غير عادية لدرجة انها أصبحت تُوقّع بالنيابة عنه قرارات إدارية تتعلّق بعمل «بنك المدينة» وشقيقه «بنك الاعتماد المتحد» وبالموظفين في المصرفيْن، حتى أطلق عليها بعض هؤلاء لقب «رستم غزالة بنك المدينة»، في إشارة الى رئيس الاستخبارات السورية قبل الانسحاب من لبنان.
الحاكم والمدير
ومع الوقت، ازداد تأثير رنا على ابو عياش الذي أولع بها فأخذت تتلاعب به وبالمصرف حتى صارت الحاكم والمدير الفعلي للمصرفيْن فقرّبت مَن تشاء مِن الموظّفين وأبعدت آخرين وأحاطت نفسها بمجموعة من المخلصين لها، يأتمرون بأوامرها وتأْتمنهم على بعض أسرار الأعمال التي تقوم بها عبر المصرفيْن من دون علم صاحبيْهما عدنان وشقيقه ابرهيم.
ومن خلال سلطتها على المصرفيْن، أقامت علاقات عمل واسعة مع رجال أعمال كبار، ومن ثم صداقات قوية مع مسؤولين أمنيين وسياسيين من خلال هدايا ثمينة قدّمتها اليهم لقاء خدمات يؤدونها لها, وهذا ما جعل لاحقاً بعض هؤلاء يكتشفون انها «الدجاجة التي تبيض لهم الذهب»، فصارت تحت حماية مباشرة من اللواء غازي كنعان اولاً ثم خلَفِه العميد رستم غزالة, وسرعان ما امتدّ نفوذها وتأثيرها الى خارج «بنك المدينة» حتى انها كانت تسعى لدعم أسماء مرشحة لدخول الحكومة، ومن هذه الأسماء شقيقها طه الذي وعده رستم غزالة مرّة، وبتشجيع منها، بأن يصبح رئيس حكومة منافساً للرئيس رفيق الحريري، وهذا ما دفع طه الى القيام بنشاطات ذات طابع انساني وزّع خلالها مساعدات على أهالي بيروت بهدف كسب الشعبية استعداداً لتلك «المنافسة», وللسبب نفسه اشترى نادي «الاولمبيك» الرياضي لكرة القدم وأغدق عليه الأموال الطائلة التي سمحت له عام 2003 بإحراز لقب بطل الدوري اللبناني وبطولة «كأس لبنان», فاكتسب طه جمهوراً رياضياً هتف باسمه في المناسبات وأطلق عليه لقب «الزعيم».
ومن خلال شقيقته رنا، تعرّف طه الى ابرهيم ابو عياش ونشأت بينهما صداقة، الأمر الذي سمح لرنا بأن تستخدم المصرف لتمويل مشاريع يديرها شقيقها, فعدا عن شراء نادي «الاولمبيك» افتتحت له معرضاً لبيع السيارات سمّته «الكواترو» بالشراكة مع سليم الدادا القريب جداً من غزالة ومسؤولين أمنيين آخرين سوريين ولبنانيين، وكانت رنا تميل اليه، وحين رفض الزواج منها عملت على محاربته وحرمانه الحماية الأمنية التي كان يحظى بها، ووصل الأمر الى اعتقاله مرة بتهمة تبييض الأموال، ثم أُطلق ليغادر لبنان نهائياً هارباً من سطوة رنا وشقيقها طه وقوة نفوذهما لدى النظام الامني الذي كان قائماً.
مشاريع وشكوك
بعد معرض السيارات، افتتحت رنا لشقيقها طه متجراً كبيراً سمّته «توينز» مستخدمةً ايضاً أموال «بنك المدينة»، ثم اشترت له مؤسسة «شيراتون ـ كورال بيتش» ومحلاً للحلويات اسمه «قمرين» ومقهى ومعرض سيارات آخر اسمه «هاوس 222» ثم شركة «زانتا» للسياحة والسفر, وكانت في كل مرة تغيب خارج لبنان لفترة ثم تعود لتشتري أرضاً هنا او عقاراً هناك او محلاً او شقة سكنية تسجَّل باسمها او باسم شقيقها، الأمر الذي زاد الشكوك حول مصدر هذا الثراء الفاحش والسريع وعلاقته بتبييض أموال يجري غسلها عبر «بنك المدينة» ثم تُطرح في السوق عبر مشاريع استثمارية وأعمال تجارية, وطبعاً بعد دفْع الأموال الطائلة رشاوى لمسؤولين أمنيين وسياسيين على قاعدة اقتسام المنافع لقاء السكوت وغض النظر وتقديم التسهيلات والحماية اللازمة.
فندق في سجن
وحين دخلت رنا قليلات سجن النساء في بعبدا في منتصف يناير 2004 بعدما وضع مصرف لبنان يده على «بنك المدينة»، حوّلت هذا السجن فندق «خمس نجوم» بفضل الرعاية والوصاية التي لحقت بها الى السجن لتؤمّن كل مستلزمات الراحة لها وتلبّي جميع طلباتها, حتى انها احتفظت بهاتفها الخليوي الخاص، وأدخلت آلة تمارس عليها الرياضة اليومية حفاظاً على رشاقتها, في اختصار، كانت الآمر في السجن، تفعل ما تشاء وتحظى بكل ما تريد باستثناء امر واحد هو عدم الخروج, وقد تصرّفت على هذا النحو لانها كانت تعتبر إقامتها في السجن موقتة، وان شريكها نظام الحماية الامنية سيخرجها عاجلاً أم آجلاً من السجن, وهذا الأمر كان سيحصل وفق السياق الذي كانت تسلكه فضيحة «بنك المدينة» لجهة اللفْلفة و«النوم في الأدراج», الا ان اغتيال الرئيس رفيق الحريري بعد شهر من دخولها السجن، غيّر واقع الامور في البلاد، فاستمرّت مسجونة, وحين بدأ النظام الأمني يتهاوى، كان لا بد من إخراجها قبل سقوط هذا النظام في شكل نهائي، فجرت تخليتها بكفالة مالية، ثم تهريبها الى خارج لبنان بجواز سفر مزور وتحديداً الى مصر حيث تردّد انه جرى اعتقالها قبل أيام.
عقارات ودولارات
رنا قليلات دخلت موظفة عادية الى «بنك المدينة» وهي ابنة عائلة بسيطة وفقيرة, وحين سُجنت تكشّفت الوقائع عن حيازتها مئات ملايين الدولارات عدا عن امتلاكها مع شقيقها طه اكثر من خمسين عقاراً في بيروت وبقية المناطق اللبنانية, انها واحدة من الثمرات المُرّة لمرحلة «امبراطورية» الفساد السياسي والأمني والاجتماعي والاقتصادي الذي اجتاح لبنان في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف.
غداً: رنا هربت الى ,,, «الفخ»