فليرحل... ليفرح لبنان
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
ادمون صعب
"ان زوجي مغوٍ، ويا للأسف، الا انه الرجل المناسب لي، لأنه لا يعاقر الخمرة ولا يضربني".
لودميلا بوتين زوجة الرئيس الروسي
منذ انجاز الاستقلال عام 1943 والسؤال نفسه يتكرر في الثاني والعشرين من تشرين الثاني من كل سنة: عيد بأية حال عدت يا عيد؟
واذا كانت الذكرى استمرت عيدا للفرح يحتفل فيه اللبنانيون بتخلصهم من الوصاية الفرنسية عليهم، ويقيمون استعراضا عسكريا في جادة الاستقلال قريبا من مبنى وزارة الدفاع سابقا (حل محلها المبنى الزجاجي لادارة الجامعة اللبنانية في محلة المتحف) ومن مقر قيادة موقع بيروت المقابل لقصر الصنوبر الذي يذكّر بالانتداب - فان هذا العيد تحوّل بعد الحرب المدمرة على لبنان بعد عام 1975 والتي استمرت، بفضل "الآخرين"، اشقاء واعداء، "عيد الجنون"، على ما وصفه الاستاذ غسان تويني في مقالة له في الذكرى الاولى لـ13 نيسان المشؤوم الذي اندلعت فيه الشرارة التي لم تنطفئ جذوتها في النفوس نهائيا الى الآن، رغم مرور اكثر من 15 سنة على توقف القتال وعقد اتفاق الطائف.
الا ان الذكرى هذه السنة والتي أُريد لها ان تجدد العيد، بعد التحرر من الوصاية السورية على لبنان وخروج الجيش السوري ومخابراته من الاراضي اللبنانية، كانت اقرب الى استمرار الجنون في مواقع معينة من النظام، وتحديدا في الرأس، منها الى استشراف مستقبل جديد بعيد عن الخنوع، والتبعية والاستزلام.
واذا كانت انتفاضة 14 آذار قد اعادت الكرامة الى الوطن، والعزة الى الشعب، والاعتبار الى المؤسسات بعقلانية ووضوح، فان ثمة من زاد جنونه فجنح الى الالتفاف على ثوابت الوطن، موهما نفسه انه يستطيع الالتفاف حول انتفاضة الاستقلال، وجرها الى القاع الذي تردى هو فيه وانعزل مع من تبقى من ادوات نظام الوصاية، مصدقا ما قاله احد اكبر ادباء لبنان الساخرين سعيد تقي الدين من ان الرأي العام بغل يُقاد برسن، تضربه فلا يتحرك، ولا يرد عليك بلبطة على خاصرتك او مبيضيك!
ولان رئيس الجمهورية يصدق ما يقال له، وينصاع لما يفرض عليه وقد اثبت ذلك طوال فترة حكمه العادية التي امتدت ست سنوات حافلة بالغياب الكامل عن ممارسة السلطة، والتخلي عنها طوعا للآلة الامنية - المخابراتية السورية وادواتها من اللبنانيين القادة الذين "يستريحون" الآن في السجن بانتظار انضمام رؤسائهم السوريين اليهم، بعد صدور قرار رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس فقد قررت له آلة حكم الوصاية في بعبدا، او ما تبقى منها، ان يخاطب الشعب كرئيس مخلوع يعيش في المنفى منتظرا استرداده لمساءلته عما فعل، ولم يفعل، وعن مسؤوليته عما ارتكب في عهده من اضطهاد وجرائم وتجاوزات على كل الصعد.
لقد عاش رئيس جمهورية بعبدا في وهم الشعب البغل، بينما الشعب البطل في مكان آخر، يبحث عن الحقيقة. حقيقة مقتل الوطن، وليس اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وقطع السبل امام اجيال لبنان الجديدة وتهشيلها، بعد اضطهادها وحرمانها العمل والعيش في وطنها.
وكما قبِل، بشهادة المدير العام السابق للامن العام اللواء الركن جميل السيد ان يتمرن على إلقاء خطاب القسم، ووجد صعوبة شاقة في نطق ألفاظ وجمل كثيرة فيه، ثم وجد نفسه مضطراً الى تبنيه والاعتزاز به، رغم انه ليس من صنعه هكذا قبِل ان يتمرن على رسالة الاستقلال هذه السنة، وهي تتمة الجنوح الذي ابداه رئيس الجمهورية منذ بداية عهده، واستمراره معه حتى اغتيال الرئيس رفيق الحريري، الشخصية الوطنية الكبيرة التي كرس الرئيس لحود عهده الاصلي، ثم الممدد، للقضاء عليها حتى تحقق له ما اراد من طريق "المؤامرة" التي شارك فيها قادة النظام الامني اللبناني، وفي مقدمهم ظل الرئيس اميل لحود قائد الحرس الجمهوري العميد مصطفى حمدان، مع قادتهم في النظام السوري والذين ينتظرون دورهم للاستجواب وربما الاعتقال.
والجنوح واضح في رسالة الاستقلال. وكأنما لا يكفي مركز الرئاسة شرشحة، حتى يدبج كتبة الخطب في مكاتب الوصاية السورية على لبنان اكبر اهانة للرئاسة وللطائفة التي ينتمي اليها الرئيس الذي سلّم نفسه والبلاد والعباد لحكم الخارج.
وتستغرب الاكثرية الساحقة من اللبنانيين كيف يدافع البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير عن هذا الرئيس الذي سقط حكمه، وكان مفترضاً ان ينسحب يوم الجلاء مع القوات التي غادرت البلاد في 26 نيسان الماضي في اتجاه الحدود السورية.
سيدنا البطريرك، انت ادرى من سواك بما فعله الرئيس اميل لحود بالبلاد والعباد، الا اذا كان قد استودعك سراً في كرسي الاعتراف يمنعك كهنوتك من البوح به.
وبعيداً من كرسي الاعتراف، ثمة من اعطى خبيراً في تحليل الشخصيات انطلاقاً من الوجه، ثلاثة اشرطة فيديو، واحداً للرئيس المصري حسني مبارك وهو يخطب، والثاني للرئيس جورج بوش، والثالث للرئيس اميل لحود وهو يتلو رسالة الاستقلال هذه السنة، طالباً من الخبير كشف الشخصية الحقيقية للرئيس اللبناني. وبينما رأى في مبارك شخصاً تعباً لا يُصدّق في سهولة ما يقال له، وجد في وجه بوش الحزم والثقة، في حين لاحظ ان لحود يقبل ما يقال له، وينفّذ الاوامر خوفاً من العواقب. كما لاحظ انه رغم مظهره الطفولي فانه سريع الغضب ولا يسامح ولا يتسامح.
وتذكّرنا هذه التفاصيل بما قالته الصحافة الأميركية في الرئيس الاميركي بيل كلينتون في خلال التحقيق الذي اجري معه لعلاقته بالمتدربة في البيت الابيض مونيكا ليوينسكي من ان "هذا الرجل لا يقول الحقيقة"، وتكرر القول مع الرئيس جورج بوش لأنه لا يقول "الحقيقة" في قضية اسلحة الدمار الشامل التي برر بها الحرب على العراق. وهذه جريمة في الدول الديموقراطية ويتوقف عليها بقاء الرؤساء في السلطة. اننا امام رئيس لا يصارحنا بالحقيقة في موضوع اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وفي "تآمر" نظامه الأمني وتهديده الاستقرار الوطني، وارتكابه أبشع جريمة في تاريخ لبنان المعاصر. فضلاً عن محاولته ابتزاز بني قومه بالمزايدة عليهم بعروبته محذّرا من الانجراف في "تيارات وسياسات تفقد لبنان هويته العربية وروابطه الوثيقة مع محيطه، ولا سيما علاقاته المميزة مع جارته الشقيقة سوريا"، على اساس ان الآخرين مؤسرلون!
انها لبراعة، كي لا نستعمل كلمة اخرى، لم يسبقه اليها احد، في قلب العملية المعروف ابطالها ونصفهم باتوا في السجن، من مؤامرة على لبنان، الى تآمر لبنان على نفسه!
لقد بتنا الآن أمام مجموعة حقائق مطلوب كشفها هي: حقيقة قتل الحريري، وحقيقة الدور السوري فيها، وحقيقة الموقع الرئاسي من المؤامرات الحقيقية على لبنان وأهله بعد وضع اليد عليه ونهب مقدراته.
يبقى من الاستقلال هذه السنة تلك المصادفة الغريبة العجيبة، وهي أن الرؤساء الثلاثة عرضوا الجيش في ساحة الحرية عناصر وأسلحة كانت تلمع تحت الشمس ربما لانها أخرجت للمرة الاولى من الصناديق والمستودعات، وهي التي لم تستعمل مرة واحدة في ضرب العدو الاسرائيلي الذي ينتهك الاجواء اللبنانية يوميا، وقد بدت المدرعات والمجنزرات وناقلات الجند جديدة هي الاخرى "خلنج" وكأنها خارجة لتوها من معامل الدهان، في حين كانت المعارك تجري براً وجواً في الجنوب، في جبهة مزارع شبعا بين "حزب الله" المقاوم والجيش الاسرائيلي.
وهذه حقيقة أخرى مطلوب البحث عنها قبل أن يظهر فجأة خالد اسلامبولي لبناني مجنون، يقفز من عربته المدرعة ويرش بقايا نظام التبعية.
واذا كنا نسأل الله ان يبعد عنا هذه الكأس، فاننا نسأل سيدنا البطريرك اذا كان يريد حقا ان يزيل عن "وجه لبنان مسحة الحزن" ويخفف آلام شعبه، ان ينصح "ابنه" اميل جميل لحود، بأن يريح البلاد ويتوجه الى منزله في برج الغزال بسلام.
آمين.