جريدة الجرائد

د. حسن حنفي: اللغة العربية....إلى أين؟

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

في العقود الثلاثة الأخيرة، عصر الانفتاح على الغرب الأميركي غزت اللغة العربية مجموعة من الألفاظ المعربة تخص الوجبات السريعة على الطريقة الأميركية، حملت معها قيم الاستهلاك السريع، ومتعة الطعام البارد والحار "ياللا ابدأ المرح والمتعة"، "المتعة بقت متعتين". ووزعت الإعلانات الملونة على أوراق ناعمة داخل كبريات الصحف القومية اليومية. ودخلت الملايين منها كل بيت، بالإضافة إلى كتابتها على واجهة المحلات واللافتات الكبيرة حتى أصبحت زاد كل يوم. يقرؤها الشباب الجديد ويندفع نحوها. ومعظمه عاطل عن العمل أو من طبقة متوسطة أو راقية، يتشبه بالغير، ويعشق الجديد الذي ترمز له الولايات المتحدة الأميركية. يعجز الفقراء عن الاقتراب منها لأسعارها. ويعجب المثقفون من فخامة الطباعة الملونة والأوراق الناعمة، ومؤلفاتهم على أوراق جرائد صفراء، وأسعارها المرتفعة تدخل في جيوب الناشرين. يتفقون على ألف ويطبعون ألوفا.
ولا فرق بين السياسة المباشرة، الحكم والمعارضة حول السلطة السياسية، والثقافة الشعبية وتحليل الخطاب في الحياة اليومية. فكلاهما كاشفان عن الأوضاع السياسية والاجتماعية سواء كان في ظاهر الحكم أو في باطن السلطة. فاللغة سلطة وثقافة. وقد تم تحليل ما يقرب من ثلاثين إعلانا لمعرفة لغتها ومفاهيمها ودلالتها على الأحوال العامة في البلاد التي يختلف فيها السياسي والثقافي في الثقافة السياسية التي تكشف عنها اللغة التداولية في الحياة اليومية. وهي ليست مجرد تأملات وملاحظات عابرة بل تقوم على تحليل دقيق للمضمون. ولا يفهم من ذلك دعاية لهذا أو نقد لذلك بل مجرد وصف للغة الإعلان كما هو الحال في الدراسات الإعلامية المعاصرة. والمفارقة هي كيف يكون الاتجاه السياسي العام معارضا للولايات المتحدة الأميركية واللغة التداولية في الحياة اليومية لغة الوجبات الأميركية السريعة مما يوقع في ازدواجية الشخصية بين القول والعمل، القول الأميركي والعمل الوطني؟

وظهرت ألفاظ معربة عن أنواع الأطعمة الأجنبية وطرق الطهي التي لا يوجد مقابل لها عند العرب. وأشهرها لفظ "برجر" وهو اللحم المفروم. يعرف العرب الشواء. وهو اللحم الطبيعي للشاة كلها دون فرمها. ويُضاف إليه ألفاظ أخرى معربة مثل "تشيز برجر" أي اللحم المفروم بالجبن، "تشيكين برجر" أي لحم الدجاج المفروم، "مشروم برجر" أي اللحم المفروم بعش الغراب. وأحيانا يتضاعف اللفظ ويصبح عبارة ثلاثية اللفظ مثل "دوبل تشيز برجر". وأحيانا لا يلتفت إلى الثقافات الشعبية. ففي الطعام لا يوجد حلال أو حرام إلا الطعم والحاجة مثل "هامبورجر" و"الهام" هو شرائح الخنزير. وقد تم تعبير لفظ "البيرة" من قبل. وأحيانا يصبح الأمر غير مفهوم ولكن له دلالة صوتية أنه غربي مثل "البوس برجر"، وبالإضافة إلى اللحوم هناك أيضا الحلوى مثل "كيك المفن". وقد يكون التعبير كله معربا لا عربية فيه مثل "سندوتش كانتوك"، "البيتزا تراديشونال" وما أسهل أن يقال الفطائر التقليدية، "روست بيف" أي اللحم البقري المحمر، "مشروم آند سويس" وهما عش الغراب وسويسرا ولا رابط بينهما إلا طريقة الطهي. "فيمس ستار برجر" وهو اللحم المفروم الكبير على شكل النجمة، "روست بيف آند شيدر" وهو اللحم البقري المحمر مع الجبن، "تشيكين فيليه" وهو شرائح الدجاج، "ميجا مشروم" أي عش الغراب الكبير، "ستار ناجتس" وهو غير معروف إلا نصفه الأول نجمة شيء ما. والمحشي هو "ستافت كراست"، والأجنحة المحمرة "فاير ونجز"، والبعض يتعلق بفواتح الشهية مثل "صوص الباربكيو" وهي صلصة الطماطم الحراقة، "صوص الببر مايونيز" وهي صلصة الفلفل بالخل والبيض.

وقد يكون اللفظ الأجنبي غير مفهوم مثل "وجبة الريزو" إلا أن جرس العبارة أفضل من "وجبة الفول" أو "وجبة الطعمية" أو "وجبة الكشري". فشتان بين الموروث والوافد، بين البلدي والمستورد، بين المحلي والعالمي، بين الشعبي والراقي. وسكر "الإيسنح"، والمعروف هو سكر التموين، وسكر القمع، وسكر البودرة. ويتحول اللامعقول العشوائي في اللغات الأجنبية إلى العربية ويتحول إلى مفهوم بالعادة والتكرار. بل إن بعض الألفاظ المعربة هي مجرد كلمات عادية في اللغة الإنجليزية وليست مصطلحات مثل "كول سلو كبير" أي "بارد وبطئ" أي سلطة الكرنب.

ومعظم أسماء محلات هذه الوجبات السريعة أجنبية وصندوق الطعام هو "باكت". وطريقة توصيل الطلبات "هوم ديليفري" أي التوصيل للمنازل، وأماكنها ميدان تريومف، في المدن الجديدة بيفرلي هيلز، وليس المدن الصناعية كمدينة العمال أو شبرا الخيمة. وما أسهل تعريب البعض منها مثل "سولت آند بيبر" وهما الملح والفلفل، ولكن الجرس الغربي يؤثر في الأذن العربية أكثر من اللفظين العربيين، فـ"داي آند نايت" أي "الليل والنهار". و"ويك إند" أي عطلة نهاية الأسبوع. وقد يُمصر أحد الأسماء الأجنبية مثل "تكا النيل" كما مصرت من قبل بعض وكالات العربات مثل "محمد موتورز"، "منصور شيفورليه" جمعا بين الموروث والوافد، بين المحلي والعالمي. وكل هذه الألفاظ المعربة أي المنقولة نقلا صوتيا من الإنجليزية إلى العربية لها ألفاظ عربية مقابل مثل "ميل" أي وجبة، و"سوبر" أي كبير، "سمارت" أي لطيف، "ميجا" كبير، "فاميلي" أي عائلة، "منيو" أي قائمة طعام. ومن ثم ظهرت تعبيرات مثل "سوبر ميل"، "سمارت ميل"، "ميجا ميل"، "فاميلي ميل"، "سمارت منيو ميل"، "كرسبي ستريس ميل". وقد يختلط المعرب بالعربي مثل "ميجا مطافي ميل". وقد يصبح الأمر خليطا غير مفهوم إلا أنه أجنبي. والناس تعشق الأجنبي في عصر الانفتاح مثل "زنجر سوبريم ميل" أو "السينا بارتس". لا يهم المعنى المفهوم بل المطلوب فقط اللفظ الأجنبي المنطوق.

وقد تعربت ألفاظ الطهي من قبل من الفرنسية والإيطالية وقت الاستعمار الفرنسي والإيطالي والبريطاني قبل الغزو الأميركي وذلك مثل "فيليه" في "دجاج فيليه"، وهو عرق اللحم الملفوف بالخيط، "بانيه" في "دجاج بانيه" وهو المقلي، "روست" أي المحمر. و"فيلتو" في "دجاج فيلتو" وهو لحم رقيق من الصدر من الألفاظ الإيطالية. كما دخلت أنواع الأطعمة وتعربت من قبل مثل "شيكولاته" بل وأصبحت كلمات شائعة في الأغاني الشعبية، و"بسكويت" وتستعمل أحيانا في الغزل. "كوكي" وهي المخبوزات الجافة الحلوة، "كيك" التي تحولت إلى كعك، كما عربت أنواع الأطعمة، "ماركات" الجبن في "جبنة امنتال" أو "موتزاريللا" في "دجاج موتزاريللا".

ويختلط التركي القديم مع الأميركي الجديد، وكلاهما يقص تاريخ العرب الحديث كما تعكسه اللغة العربية مثل "شيش طاووق". وقد دخلت من قبل أنواع الأطعمة الشرقية، الهندية مثل "الكاري" في "دجاج بالكاري".

وقد نقلت بعض التعبيرات حرفيا مثل "هوت دوج" وتعني الكلب الساخن، وهو ما لا يؤكل، دون مراعاة للثقافة الشعبية ومنظومة قيمها. مع أنه من السهولة وضع ألفاظ عربية وتعبيرات عربية، وأصناف مأكولات عربية مثل "كبده إسكندراني" حتى ولو كانت عامية مثل "لهاليبو"، فهي أفضل من "سبايسي" و"شيلي". وأفضل منها بعض العبارات مثل "عاوز تولعها"، "هاتقدر على الملهلب؟".

ونظرا لموسيقى اللغة العربية والتي بدأت في بعض المسرحيات التجارية وعباراتها النمطية بعد هزيمة يونيو 1967 "وشر البلية ما يضحك" مثل "العملية في النملية"، "الفاس في الراس"، مجرد إيقاع صوتي، ظهرت بعض مثل هذه العبارات في إعلانات الوجبات السريعة مثل "وجبة ذكية، سعر وكمية"، "عرض خطير.. من كومبو وصاية الكبير"، "وفر أكتر مع كومبو الأكبر". والغالب على ذلك العامية مثل "كل اللي تتمنوه... بسعر مش حتقاوموه"، "قطع دجاج مقرمشة... بصلصة سبايسي محبشة". وقد تختلط العربية بالألفاظ الأجنبية المعربة مثل "ميني فيليه... قول للكل عليه"، "حب استافت كراست مرتين... لأن المتعة بقت متعتين".

وتستعمل حضارة مصر القديمة كنوع من الدعاية للوجبات السريعة وكذلك حضارة أفريقيا التي مازالت قطب جذب وسحر للغربيين.

وعلى الوجه الآخر لورقة الإعلان الملساء الملونة هناك إما مسابقة يانصيب "عربيات" للكبار. فقد أصبحت العربة الفارهة هدفا ورمزاً. والأغلب عربات لعب للأطفال كلها تدل على القوة السحرية "هيليكوبتر بالريموت" القادر على الوصول إلى كل مكان. فقد تم غزو العراق بالريموت من البوارج والصواريخ الموجهة. والألعاب حربية، مدمرة وطائرة، مثل الطائر الناري، التورنايدي. حتى الفار هو "الفار جيري"، والسمكة "السمكة ميمو". كل ذلك مع "كارت الخربوشتين". ولا يهم ماذا يعني بل يدل فقط بصوته الأجنبي على الغرابة فيثير الخيال. وما دام أجنبيا فهو عظيم. وتستعمل أيضا بعض اللازمات الشعرية الإيقاعية مثل "لف لي البليدز الدوارة... مع كل وجبة أطفال جبارة".

هذه هي اللغة العربية وهذا هو مصيرها. وهو نفس مصير البلاد. واللغة إحدى مقومات الوطن تبعية للخارج في السياسة والثقافة دون مقاومة أو إبداع. لذلك أنشد شاعر النيل:

أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف