سياسيون يكتبون: بريماكوف. حواتمة. المهدي
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
ثلاثة سياسيين يكتبون: بريماكوف. نايف حواتمة. الصادق المهدي
* يفغيني بريماكوف: حدث في موسكو.. في التاسع من مايو!
التقى الرئيس الأميركي جورج بوش اثناء وجوده بموسكو، للمشاركة في احتفالات الذكرى السبعين للنصر على الفاشية في الحرب العالمية الثانية، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وكما توقع الكثيرون فقد كان الوضع في الشرق الاوسط احد المواضيع الرئيسية لدى تبادل الآراء بينهما. وبودي ابراز أمرين من الاتفاق الذي توصل اليه الرئيسان الروسي والأميركي.
اولهما «قضى بضرورة الالتزام بدقة بتسوية ازمة الشرق الاوسط على أساس «خريطة الطريق». وثانيهما، ان من الواجب تعزيز العنصر الأمني لدى القيادة الفلسطينية، الساعية الى عزل من يحاول احباط عملية المفاوضات مع اسرائيل. والمقصود بالأمر تدريب كوادر قوى الأمن الفلسطينية، وتجهيزها بالسلاح اللازم.
والى ذلك تم بموسكو في 9 مايو، وعلى اساس هذه الاتفاقات، لقاء «الرباعي» الذي يمارس وظائف الوساطة في عملية التسوية الفلسطينية ـ الاسرائيلية. وشارك في اللقاء سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي، وكوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية، وخافيير سولانا المفوض الاعلى للاتحاد الاوربي لشؤون السياسة الخارجية، وكوفي أنان السكرتير العام لهيئة الامم المتحدة. ولعلي أذكر هذه الاسماء خصيصا لكي يستوثق القارئ بأكبر قدر من مدى أهمية البيان الذي اصدرته هذه الشخصيات السياسية الهامة جدا. وسأورد مقطعا من هذا البيان. بعد التأكيد على الأهمية الحيوية «لجهود الطرفين في مجال تأمين انسحاب اسرائيل من غزة والقسم الشمالي من الضفة الغربية بنجاح» اعتبر «الرباعي» ذلك «بصفته اجراء يتوخى بعث حياة جديدة في «خريطة الطريق». وبحث اطراف «الرباعي» موضوع انسحاب اسرائيل التام والنهائي من قطاع غزة» بالاقتران مع تنفيذ «خريطة الطريق» بصفته «خطوة هامة في طريق تحقيق فكرة وجود دولتين ديمقراطيتين ـ اسرائيل وفلسطين». وأكد «الرباعي» على ان الهدف من مفاوضات التسوية، يجب ان يكون احلال السلام الوطيد، وانهاء الاحتلال الذي بدأ في عام 1967. ودعا «الرباعي» الطرفين الى القيام بالخطوات لتنفيذ جميع التزاماتهما بموجب «خريطة الطريق».
وتقديري ومن وجهة نظري بأن هذا الأمر يتسم بأهمية خاصة وبصورة أكثر خصوصية ما جاء فيه: «بضرورة ان تكون الدولة الفلسطينية الجديدة قادرة على البقاء، وان تكون مترابطة ولاتنفصم في اراضي الضفة الغربية، ويذكر «الرباعي» جميع الاطراف المعنية بأن دولة تتألف من اجزاء غير مترابطة من الاراضي لن تكون ذات مقومات كاملة كدولة، كما يؤكد على وجوب عدم قيام اي طرف بأفعال وحيدة الجانب من شأنها ان تحدد مسبقا معالجة مسألة الوضع النهائي».
في الوقت نفسه دعا «الرباعي» الى «ضرورة مواصلة جهود المجتمع الدولي بدون توقف، في مجال دعم السلطة الوطنية الفلسطينية لتحقيق هذه المهام، وبضمانها استعادة قدرات أجهزة الأمن الفلسطينية». وفي هذا الصدد رحبت الاطراف الاربعة في مهمة الوساطة في بيانهم «بالتدابير الملموسة التي اتخذها الرئيس محمود عباس أخيرا والرامية الى اصلاح الاجهزة الأمنية الفلسطينية».
وتتسم جميع هذه الامور التي تم التأكيد عليها في البيان اليوم بأهمية اولية، خاصة في ضوء تعالي أصوات في الفترة الأخيرة حاولت الزعم بأن «خريطة الطريق» التي حددت مراحل التحرك نحو اقامة الدولة الفلسطينية، واعتمدت على صيغة «السلام مقابل الارض» قد اصبحت شيئا قديما ولى عهده. كما انهم يزعمون ان الاحداث تتطور ليس وفق «خريطة الطريق»، وينبغي ان تؤخذ الواقعيات الجديدة بنظر الاعتبار، وهم يقصدون بـ«الواقعيات الجديدة» تنفيذ خطة شارون بشأن سحب القوات الاسرائيلية، واجلاء المستوطنات اليهودية من قطاع غزة، وكذلك سحب القوات من بعض المدن الكبيرة في الضفة الغربية، علما بأن القيادة الفلسطينية والرأي العالمي قد ايدا بحق تماما مثل هذا الاجلاء. بيد ان جميع من ايد الانسحاب يعتقد بأن التدابير التي يتخذها شارون هي جزء لا يتجزأ من «خريطة الطريق».
لكن، وفي المقابل، لا يأخذ بهذا الرأي جميع من في اسرائيل. وكما هو معروف فان جزءا من المجتمع الاسرائيلي يعارض عموما اجلاء المستوطنات اليهودية من الاراضي المحتلة. ويمرر شارون خطته عبر مقاومة هذا الجزء لها. لكن هل يعني ذلك السعي الى تنفيذ «خريطة الطريق» حتى النهاية؟
لست واثقا البتة تجاه هذا الشأن، وانا لا استثني احتمال ان يعتبر من يؤيد خطة شارون في داخل اسرائيل كونها بمثابة بديل لـ«خريطة الطريق»، وانهم يريدون ايقاف عملية السلام مع الفلسطينيين في ختام خطة شارون. ومما يدل على ذلك ان عملية توسيع المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية لا تتوقف يوما واحدا خلافا لأحكام «خريطة الطريق».
ومعروف ان اسرائيل تبدي استياءها من بعض خطوات الفلسطينيين فيما يتعلق بالاراضي. ورد الفعل هذا مفهوم تماما. وانا لا اتحدث طبعا عن الغلو في ردود الافعال، وعن ان كل فعلة كهذه تعتبر امرا لا يجوز السماح به، وتقود الى ايقاف المفاوضات. لكن اسرائيل تعارض في الوقت نفسه ان تتعزز قوى الأمن الفلسطينية القادرة على السيطرة على الوضع، في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، فيما عارض القادة الاسرائيليون بصراحة تقديم وارسال السلاح الى قوى الأمن الفلسطينية لدى اجتماعهم في القدس مع الرئيس بوتين، الذي لم يوافقهم على ذلك. والآن بات واضحا ان من الممكن القول بأن المجتمع الدولي بأسره لا يوافقهم على هذا ايضا. ولعله ومن هنا اعتقد بأن من الصعب التقليل من أهمية البيان الصادر بموسكو في 9 مايو الحالي.
* رئيس وزراء روسيا السابق
خاص بـ«الشرق الأوسط»
* نايف حواتمة: الصهيونية... و صناعة الكارثة
ستون عاماً على انتهاء الحرب العالمية الثانية، حقق فيها الصهاينة الكثير من الانتصارات، وعلى وقع احتفالاتهم السنوية (لاحياء تألم ألم الكارثة) أقاموا دولتهم ووسعوها على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، وأرضه ووجوده وحقه في الحياة, ستون عاماً من المجازر والكوارث الاسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، وما تزال اسرائيل والصهيونية العالمية قادرتين على تسويق (آلام الكارثة) واعادة صناعتها, ولا يخجل غلاة الصهاينة من المجاهرة بأن اسرائيل القوية والمهابة «بنيت على رماد ضعفاء اليهود»، الذين سيقوا (كالخراف الى المذابح وأفران الغاز) في ألمانيا الهتلرية، وبأنه لولا (الكارثة) لما ولد جيل المقاتلين الاسرائيليين الأشداء, فلا غرابة اذن أن نجد الخطاب الاسرائيلي يتمحور حول (الكارثة)، ويقدمها كـ «أحد معجزات يهوه حامي شعبه المختار»، هنا انتهى فصل من التاريخ بالسقوط الأخلاقي لأوروبا الاستعمارية والانسانية جمعاء، وبدأ تاريخ آخر عليه أن يبرر أفعال محاربي اسرائيل، التي تقف فوق الحق والأخلاق والشرعية الدولية.
ستون عاماً على انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتحرير معتقلي المعسكرات النازية، وما يزال الخطاب الاسرائيلي المنطلق من السردية التاريخية الصهيونية الملفقة يقدم (كارثة يهود أوروبا) فرادة في التاريخ، جاعلاً منها المقياس الوحيد على أخلاقية البشرية، رافضا مقارنتها بمجازر مشابهة سبقتها أو جاورتها أو جاءت من بعدها زمنياً, وبرأيهم فان المجازر التي ارتكبت بحق الهنود الحمر، وشعوب المستعمرات الأوروبية، والأرمن، والغجر، والروس، والفيتناميين والكمبوديين,, الخ ما هي الا «أفعال قتل عظيمة الأبعاد لشعوب خاضعة للاحتلال و لأقليات قومية تصحب التاريخ الانساني على طوله الى أيامنا هذه»، كما تقول المؤرخة الاسرائيلية عنات بيري، لكن أفعال القتل هذه لا يمكن أن ترقى الى مستوى (كارثة يهود أوروبا)، وبالتالي يمكن فهم سياقها التاريخي بعيداً عن البعد الأخلاقي, أما (الكارثة) فهي «واحدة ووحيدة» تخص اليهود، وممنوع اطلاق هذا المصطلح على أي من المذابح الأخرى التي ارتكبت بحق الشعوب، لأن ذلك يمس بالصورة النمطية لليهودي في أوروبا الذي يقدم كضحية, وهذا ما يعتبره المؤرخ الأميركي ديفيد ستنارد «تعبيرا عن الأيديولوجية الأوروبية ـ الأميركية للعنصرية البيضاء», وغني عن القول بأن الفهم الذي تقدمه المؤرخة عنات بيري يسحبه أكثر المؤرخين الاسرائيليين على المجازر، التي ارتكبت وترتكب ضد الشعب الفلسطيني.
ان ما يسمى بـ «التأريخ الاسرائيلي ـ الصهيوني للكارثة» يمثل أكبر عملية تزييف مفضوح ومقصود في وقائع التاريخ الحديث, فلقد تمت اعادة كتابتها وتقديمها مرات عديدة بشكل متناقض، دون أن تنسخ أي من هذه الكتابات سابقاتها، أو تفقدها قيمتها التعبوية, ففي الخطاب الاسرائيلي ـ الصهيوني الموجه لأوروبا يتم التركيز على المسؤولية الأخلاقية الأوروبية عن المجازر النازية بحق اليهود، واغفال المجازر النازية بحق الشعوب الأوروبية، التي ذهب فيها أضعاف أعداد الضحايا اليهود، وهنا ليس المقصود التقليل من قيمة الضحايا اليهود, ورغم ما سبق فان تحميل أوروبا الرأسمالية المسؤولية الأخلاقية، لا يحول دون أن يقدم الخطاب الاسرائيلي ـ الصهيوني نفسه كجزء من الخطاب المركزي الأوروبي، بغية تحقيق جملة من الأهداف, فما يريده الخطاب الصهيوني ـ الاسرائيلي من تحميل أوروبا للمسؤولية الأخلاقية هو استمرارها في لعب دور الراعي الكولونيالي لاسرائيل، لما تدعيه اسرائيل بأنها نموذج مصغر عن الديمقراطية الرأسمالية الغربية, وهذا يحقق لاسرائيل في آن تبرير كل سياساتها الدموية والعنصرية ضد الفلسطينيين، بتقديمها الفلسطينيين كـ «شعب متخلف»، ما يزال خارج زمن الحداثة، يحتاج الى عملية «ترقية» على يد الاحتلال الاسرائيلي، الذي يقوم بهذا الدور الاستعماري الذي قامت بها الدول الاستعمارية الأوربية، وبنيت عليه الثقافة المركزية الأوروبية، وتبعاً لذلك يتم تقديم مقاومة الشعب الفلسطيني كتعبير عن «ثقافة وحشية خاصة تم تطويرها فوق أرض مهجورة، هي نوع من الثقافات الوطنية التي غذتها أخلاق الصحراء وعقيدة الحرب والانتقام», وبالتالي لم تقدم الأدبيات الصهيونية بشكل حاسم الصراع الفلسطيني الاسرائيلي كصراع بين «قوميتين» الا في مرحلة متأخرة جداً على أبواب الحقبة الأوسلوية، دون أن يترتب على ذلك الاعتراف بالحقوق القومية للفلسطينيين.
أما الخطاب الاسرائيلي الصهيوني حول (الكارثة) والموجه الى الداخل الاسرائيلي، فانه يعتمد على مقولة مختلفة جوهرياً مع الخطاب الموجه الى أوروبا, ُتحملُ اليهود الألمان مسؤولية تاريخية في الظروف التي شكلت تربة خصبة لتفشي النزعات القومية الألمانية المتطرفة ضدهم، فحسب رأي صحيفة (هابوئيل هاتساير) الناطقة بلسان حركة اعادة النظر (غابوتنسكي) فان «اضطهاد اليهود الألمان يعتبر عقاباً لهؤلاء الذين حاولوا الاندماج في المجتمع الذي لا ينتمون اليه»، ودفعوا ثمن رفضهم التهجير الى فلسطين، للمساهمة في بناء دولة اسرائيل, والعبرة المستقاة من ذلك ضرورة الانتماء الى دولة اسرائيل فقط، واليهود الناجون من أهوال الكارثة الذين يقدمون كأبطال خارقين أمام العالم، ما هم في واقع الأمر في الخطاب الداخلي الاسرائيلي سوى (خراف) ساقهم (جبنهم) الى أتون المحرقة النازية، وهذا الهراء أحد مقومات التربية العنصرية الصهيونية في المناهج التعليمية الاسرائيلية، والثقافة الاسرائيلية عموماً,
ان التناقض الذي يحمله تقديم الخطاب الاسرائيلي الصهيوني لنفسه كجزء من الثقافة المركزية الأوروبية، وانتمائه الأخلاقي لها، وتقديمه لنفسه كضحية لهذه الثقافة بتعبيراتها القومية الشمولية المتطرفة في آن، قد تم حله بطريقة انتهازية، تعبر عن حقيقة المواقف غير الأخلاقية للصهيونية، فالقول بأن «اسرائيل تشكل نقطة الاستناد الوحيدة التي تنتمي لأوروبا، وستنتمي لها دائماً»، ربطاً مع الخطاب الداخلي الاسرائيلي لتفسير أسباب اضطهاد اليهود في أوروبا، يجعل كما ذكر سابقاً من الادانة الأخلاقية لأوروبا ليست ادانة من حيث المبدأ، بل لأنها استهدفت بشكل خاطئ اليهود الأوروبيين، الذين يشكلون الجسم الرئيسي لليهود المندمجين عضوياً في الثقافة المركزية الأوروبية, وبالتالي فان تصحيح هذا الخطأ التاريخي الشنيع، يكون بمواصلة الدعم الأوروبي لـ (اسرائيل اليهودية)، وهو ما يشكل جزءاًَ من المصالحة والمراجعة الذاتية التي قامت بها أوروبا، كخلاصة لتجربة وأهوال الحرب المريرة, وهذه المقولة أدركها الخطاب الصهيوني باكراً، فهو مع أوروبا المنتصرة أياً كانت هويتها الثقافية والأيديولوجية.
ما سبق عبر عنه في أربعينيات القرن الماضي الارهابي ابراهام شترن ـ سميت منظمته الارهابية على اسمه ـ حين ميز بين عدو ومُضطهِد ( بكسر الهاء )، فالفلسطينيون ـ حسب ما رآه شترن ـ عدوا همجيا، أما هتلر فهو ليس الا مضطهِدا قويا ( بكسر الهاء ), وحتى لا يكون أي لبس في المعنى الذي ينصرف اليه القول السابق فان برنامج منظمة شترن الارهابية ينص بالحرف: «ليس من الضروري أن تكون هناك أكثرية لأن العالم مقسم بين أجناس مقاتلة ومهيمنة من جهة، وأجناس منحطة من جهة أخرى», وهذا يؤكد مرة أخرى الموقف الحقيقي للخطاب الصهيوني من (الكارثة) بادانتها لأنها طالت (شعباً متبلوراً ومتجانساً) وفق النماذج القومية التي دعت لها الثقافة المركزية الأوروبية ومندمجاً فيها، حتى قبل أن تقام دولة اسرائيل.
ويدل الكثير من الوثائق التاريخية أن موقف فصائل الحركة الصهيونية من النازية (وخصوصاً المعتمدة على مبدأ اعادة النظر ـ غابوتنسكي ـ) قد جاهر بعدائه للنازية، فقط بعد أن تأكدت هزيمة ألمانيا الهتلرية، «ففي العام 1941 اقترح قادة منظمة شترن الارهابية على الزعماء الوطنيين الاشتراكيين الألمان (النازيين) اقامة تحالف معهم بقصد النضال المشترك ضد الانكليز، و حمل الاقتراح الارهابي اسحاق شامير»، وهذا ما فضحه عمانوئيل رايتي في كتابه (محاربو اسرائيل )، بل وأكثر من ذلك فان «نص أنقرة» الاسم الشائع للاقتراح الذي عرضه المبعوث السري لمنظمة شترن ( الارهابي لوبتشك) في العام 1941 على ألمانيا، والداعي الى اقامة حلف بين شترن وحكومة الرايخ الألمانية يحدد نقاط التلاقي بين الصهاينة والرايخ في ثلاث نقاط أساسية : (هناك مصالح مشتركة بين نظام أوروبي جديد مبني على المفهوم الألماني، وبين الطموحات الوطنية للشعب اليهودي، وكما تدافع عنها شترن, هناك تعاون ممكن بين ألمانيا الجديدة، وبين جماعة يهودية متجددة ومموَّلة, ان اقامة الدولة اليهودية على أسس وطنية وشمولية، واشراكها بمعاهدة الرايخ الألمانية يساهم في تقوية الوجود الألماني في الشرق الأوسط),
أما منظمة الهاغاناة الارهابية فقد أبقت على علاقة منظمة ودائمة مع المخابرات الألمانية، سهلت من خلالها تهجير اليهود الألمان الى فلسطين,
موقف شترن والهاغاناة المذكور تشترك معهما فيه معظم تيارات الحركة الصهيونية، بما في ذلك تلك التي تسمي نفسها بالمعتدلة، ففي العام 1933 رفض مؤتمر الصهيونية العالمية اقتراحاً بالعمل ضد هتلر، بأغلبية 240 صوتاً مقابل 43 صوتاً فقط، وتبعاً لذلك وقع هتلر اتفاقاً مع البنك الانكليزي ـ الفلسطيني، الذي كان يمول كل النشاطات الاستعمارية الصهيونية في فلسطين، وهو ما دفع الحركة الصهيونية الى الغاء مقاطعتها للنظام النازي .
ان نظرة فاحصة للخطاب الاسرائيلي الصهيوني الراهن، تؤكد بأن هذا الخطاب لم يتغير جوهرياً بعد سبعة وخمسين عاماً من اقامة دولة اسرائيل، دلالة على استمرار المنطلقات الأيديولوجية العنصرية للحركة الصهيونية، رغم كل المنعرجات التي مر بها الصراع الفلسطيني العربي ـ الاسرائيلي، والتغيرات الكبيرة التي طرأت على النظام العالمي, فالبنية المجتمعية الاسرائيلية ما زالت محكومة الى نظام اضطهاد مركب يعيد انتاج نفسه، اضطهاد احتلالي استعماري استيطاني يمارس ضد الفلسطينيين ويطال بأطماعه الهيمنية العرب عامة، واضطهاد قومي ضد فلسطينيي مناطق 1948على أساس عرقي وقومي وديني، واضطهاد اثني وعرقي وثقافي يمارسه «الأشكناز» على اليهود الاسرائيليين الشرقيين «السفارديم»، لأنهم حسب الخطاب المركزي الأوروبي المؤسس عليه الخطاب الصهيوني، يشتركوا مع الفلسطينيين في النظرة اليهم كـ (متخلفين عن العصر الحديث، تجب ترقيتهم )، والسفارديم بدورهم يشكلون رأس حربة في اضطهاد الفلسطينيين, ان هرمية الاضطهاد الاسرائيلي المركب تولدها طبيعة المجتمع الاسرائيلي، بسبب من استمرار سعيه لتكريس نفسه كمجتمع كولونيالي ـ عرقي، كما دعت وتدعو الأيديولوجية الصهيونية، أنتج وينتج ذات الأفكار القومية الشوفينية التي برر فيها النازيون جرائمهم ضد الانسانية، وتمارسها اليوم اسرائيل بحق الفلسطينيين, وهذا يغلق الباب أمام مراجعة تاريخية حقيقية وجذرية وضرورية للسردية التاريخية الصهيونية وخطابها التلفيقي، ويبدو أن اعتراف الصهيونية بمسئوليتها عما حاق بيهود أوروبا في الحرب العالمية الثانية، وعن مسؤوليتها بما يحيق بالفلسطينيين من كوارث، ما يزال بعيد المنال، لأنها باقية على وظيفتها التي خلقت من أجلها، انتاج الكوارث لا منعها.
* الأمين العام للجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين
* الصادق المهدي: .. والرياضة ليست لعبا..!
ذكرت في المقالة قبل الماضية حاجات الإنسان العشر ومن ضمنها الحاجة الرياضية.
قيل إن العقل السليم في الجسم السليم. وإذا استرجعت أيام الصبا وفترة الدراسة، تذكرت عددا كبيرا من الشباب وهبهم الله جسما سليما، وبعد عشرين سنة قابلت بعضهم، فإذا بالجسم الصحي تحول إلى سلة أمراض، والكرة التي كانوا يحاورون بها في رشاقة الغزال انتقلت إلى بطونهم!. المقولة الصحيحة: الجسم السليم في العقل السليم. جاء في الأثر: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه»، و«البطنة تذهب الفطنة»، و«حسب بن آدم لقيمات يقمن أوده»، و«المعدة بيت الداء والحمية أصل الدواء». وفي دراسة أجراها مختصون على ستة آلاف شخص ثبت أن الإنسان إذا التزم بالفطور بانتظام، وبألا يدخل الطعام على الطعام، وبالنوم ست ساعات يوميا، وبالمحافظة على وزنه في المستوى المحدد طبيا، وبممارسة الرياضة بانتظام، وبألا يشرب الخمر، وألا يدخن التبغ، فإنه يبطئ شيخوخته لأكثر من عشرة أعوام.. ومن هنا فضبط المطعومات والمشروبات وممارسة الرياضة ضرورات للجسم السليم يحرص عليها العقل السليم.
فكرة أن السمين صحته جيدة فكرة خاطئة وخطيرة، ووهم ينبغي طرده وإعلاء مفهوم أن الإنسان الرشيق هو صاحب الصحة الجيدة:
كميش الإزار بارز نصف ساقه
خلـي مــــن الآفات طلاع أنجد!
هنالك قيم جمالية تحسب السمنة جمالا، وكثيرون يحبسون المرأة لدى الزواج «يعلفونها»، وفي بعض الأدب العربي إشادة بالسمنة:
غـــــراء فـــرعاء مصقـــول عوارضها
تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل
هذه سيدة معوقة يبطئ تحركها ألم المفاصل من السمنة!.
في كل خطاباتي لأبنائي وبناتي أثناء فترات الغياب الطويلة بالمنافي والسجون كنت أوصيهم على ثلاثة: الصلاة ـ الدراسة ـ والرياضة، باعتبارها ثالثة ثلاثة مطلوبة للفلاح، والنجاح، والصلاح واتخاذها واجبا مستمرا، فالرياضة لا تخص مرحلة حياتية معينة، ولا تخص الرجل من دون المرأة. إنها واجب حياتي مستمر للأطفال، والصبيان، والشبان، والكهول، والشيوخ، نساء ورجالا من المهد إلى اللحد. والاهتمام بالرياضة ينبغي ألا يقف عند حد تشجيع الفرق الرياضية بل ممارستها للجميع بانتظام طول حياتهم.
بعض الفقهاء قبل الرياضة على مضض للذكور مع منعها للنساء، وهذا خاطئ فللنساء حاجة للرياضة تعززها الظروف الخاصة بهن، فهن يحتجن لتمارين رياضية معينة أثناء فترات الحمل وما بعد الولادة، كما تزداد الحاجة لديهن للتمرين لزيادة كثافة العظام للتأثيرات السالبة لفترة انقطاع الطمث على ترسيب الكالسيوم في عظامهن.
للتمارين الرياضية المنتظمة فوائد صحية وقائية وعلاجية خاصة للقلب، والشرايين، والرئتين. فهي تساعد على زيادة الكلسترول الحميد HDL الذي يقوم بطرد الكلسترول الخبيث LDL من الشرايين، وتساعد على زيادة طاقة الجسم التنفسية بتوسيع الرئتين وتقويه عضلات المسك والتفريغ فيهما، ولها أثر حميد على كافة عضلات الجسم الأخرى، وعلى المفاصل ومرونتها، وعلى كثافة وقوة العظام والتقليل من مخاطر الحوادث والكسور، كما أنها مفيدة للمصابين بمرض السكر.
للرياضة أيضا فوائد نفسية مشهودة، فهي مطلوبة لكسر الملل، وداعمة للصحة العقلية، وللوقاية من الاكتئاب، والتخلص من التوتر النفسي، وتحقيق النشوة والسعادة. ولها فوائد اجتماعية كثيرة: تبث التعاون بين الناس، وتهذب التنافس بروح رياضية. وتنمي روح الفريق تناصرا وتعاونا ومشاركة في تحقيق الأهداف المشتركة، وانضباطا في التعامل مع الهزيمة، وهي تمتص المشاعر العدوانية الغضبية الكأمنة.
إن للإنسان ثلاثة أعمار: عمر إحصائي يسجل تاريخ المولد، وعمر فسيولوجي يعتمد على الصحة والمرض، وعمر نفسي إذ قد يتقدم عمر الإنسان ولكن حالته النفسية تكسبه نضارا وفتوة. وللرياضة دور كبير في العمرين الفسيولوجي والنفسي إنها روشتة ضد الشيخوخة.
بعض الأديان نافية للعالم ترى نجاة الإنسان في الخلاص من دنياه. الإسلام دين أخروي ودنيوي معا يقر الفطرة الإنسانية ويعمل على إشباعها بصورة محيطة وموزونة. ولذلك فإن السيرة النبوية وسير الصحابة تؤكد الاهتمام برياضة الجسم: كان النبي (ص) يشجع السباق بين صحابته، ويدعو لتعليم الرماية وعدم تركها لمن تعلمها، وكان الصحابة يرمون مرانا أي تدريبا، وأخرج الترمذي وأبو داود أن النبي (ص) صارع أحد الصحابة وصرعه، وقال عمر رضي الله عنه: «علموا أولادكم السباحة والرماية ومروهم فليثبوا على ظهور الخيل وثبا»، كما أخرج أحمد وأبو داود خبر السيدة عائشة ومسابقتها النبي (ص) فسبقته مرة وسبقها مرة وقال لها «هذه بتلك»، وكان (ص) يضمر الخيل يسابق بها، ويعطي السابق مكافأة، وقال (ص): «الخيل معقود على نواصيها الخير إلى يوم القيامة»، وكان المقاتل يعطي سهما لنفسه وسهمين لجواده في الغنائم. والجواد من بين سائر الحيوانات رياضي بطبعه، يربط ذلك مع أخلاق: المروءة، والنجدة، والإقدام، والكرم، والكرامة. أخلاق استمدها الفرنجة من اتصالاتهم بالحضارة العربية وسموها أخلاق الفروسية chivalry الأدب العربي قرأ هذه الصفات في الخيل لذلك ما سماها إلا ببعض تلك الصفات: فالجواد من الجود، والحصان من الحصانة، والخيل من الخيلاء. وقد خلد أبو الطيب هذه المعاني:
ومــــا الخيــل إلا كـالصديق قليلة
وإن كثرت في عين من لا يجرب
إذا لــم تشاهد غير حسن شياتها
وأعضائها فالحسن عنــك مغيب
لقد نشأنا مع الخيل ونشّأنا أولادنا مع الخيل فكانت الخيل خير معين على التربية. كما كنا نمارس الرياضة في طفولتنا عبر الألعاب الشعبية: شليل، وكركعت، وحرينا وغيرها. ولعب الأطفال هو رياضتهم وله منافع بدنية ونفسية واجتماعية كثيرة. ولم نحظ بلعب الأطفال المصنوعة المنتشرة الآن بل كنا نصنع وسائل اللعب بأيدينا كالترتار، وكرة الشراب، وأعمال الخلوة التي تقوم على الاعتماد على النفس والتصنيع الذاتي، واحتلت العلاقة بالحيوان مساحة كبيرة من طفولتنا.
وقد استمر هذا الاهتمام بالرياضة معي في الحل والترحال، والسجن والمنفى، ومهما بلغ الانشغال، وكان ذلك من بين أسباب تهجم محققي الأمن الجهلة علي، قائلين إن اهتمامك بالرياضة وأنت رئيس الوزراء يدل على عدم الجدية!!
اسفنجة جــاءت لشـرب بحــر
وشمعة ضـــاءت لشمس ظهـر
(وهؤلاء.. في مجال الفكــــر)
ثلاثـة مضحكـة لعمـــري!!!
الانطباع الشائع في مجتمعاتنا والقيم السائدة في ثقافتنا المعاصرة تتعامل مع الرياضة كشيء كمالي أو ثانوي أو خاص بالتلاميذ في المدارس. وحتى في المدارس فإن الرياضة نشاط هامشي. هذه المفاهيم والانطباعات ينبغي محوها.
ختام قولنا إن الجدية تحتم على العقل السليم أن يصنع جسما سليما، فالرياضة ليست مجرد لعب أو عبث فارغ.. إنها مطلوبة للجميع في مجال إشباع حاجات الإنسان الفطرية ضمن توازن مطلوب يحقق الوسط الذهبي فكل فضيلة هي وسط بين رذيلتين.
* رئيس وزراء السودان السابق