محمد عارف: بالقلب وحده يمكن رؤية مشاريع علماء العراق
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
"بالقلب وحده يستطيع المرء أن يرى. فالشيء الجوهري لا يُرى بالعين". قال ذلك الأديب الفرنسي الطيار أنطوان دو سان أكزوبري. وهل بغير القلب يمكن رؤية كيف وصل 20 عالماً عراقياً إلى ما يُسمى "الملتقى الدولي التحضيري لإشراك المجتمع العلمي والتكنولوجي العراقي في تنمية بلادهم"؟ نظمت الملتقى، الذي عُقد الأسبوع الماضي في العاصمة الأردنية "المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا" بالتعاون مع "منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم" (اليونسكو)، ومختبرات "سانديا" للطاقة في الولايات المتحدة. قضى العلماء العراقيون 14 ساعة في الطريق البري من بغداد إلى مقر الملتقى في عمّان. دوّي انفجارات قذائف الهاون، وعربات هامر المتناثرة، و"وضعيات الانبطاح"، والهروب عبر الطريق الصحراوي، وتحقيق حرس الحدود الأردني مع نساء ورجال العلم العراقيين، وحجز جوازاتهم. هذه كلها "حلاوة"، حسب التعبير العراقي. وبالقلب وحده يمكن رؤية مشاريع العلماء والمهندسين والأطباء العراقيين في مُلتقى عمّان.
عناوين مألوفة لمشاريع قياس الضغوط النفسية بعد الصدمات والكوارث، ورصد التلوث، ومكافحة التصحر، وتقليل استخدام الأسمدة في الزراعة، وإدارة موارد المياه وتنقيتها من النفايات، ووضع معايير وطنية في الإنشاءات، وتأسيس قاعدة معطيات للتلوث الصناعي، وإنتاج نوعيات جديدة من المواد الإنشائية والهندسية، لكن جوهر المشاريع لا يُرى بالعين. فالعلماء القادمون من داخل العراق حملوا معهم إلى جانب مؤهلاتهم الأكاديمية الرفيعة تجارب غير مألوفة في بناء مشاريع تكنولوجية تحت النار، وإعادة إنشاء هياكل ارتكازية مرات عدة بعد تدميرها، وإدامة البحث العلمي، وتأمين استمرارية النشاط الأكاديمي في ظروف حصار دولي شمل حتى الكتب والمجلات العلمية والقرطاسية وأقلام الرصاص.
مصطفى منير فهمي الجراح، أستاذ هندسة "البلمرة" في جامعة بغداد، مدير عام سابق لصناعات استراتيجية عدة في العراق، كالبتروكيماويات، والمياه، وعضو هيئة المعايير والمقاييس الصناعية، واللجنة العليا لنقل التكنولوجيا. عدد بحوثه يربو على المائة، بينها 60 بحثاً منشوراً في مجلات علمية محكمة، وأكثر من 20 براءة اختراع. مشروعه العلمي، الذي عرضه في الملتقى يستخدم تقنيات "النانوتكنولوجيا"، التي تتحكم بالمواد على مستوى الجزيئات لإنتاج مادة تركيبية مبتكرة لإنشاء منازل قليلة الكلفة.
الحارث عبد الحميد الأسدي، أستاذ واستشاري طب النفس والأعصاب، ومدير عام مركز البحوث النفسية في جامعة بغداد تولى مسؤوليات علاجية ميدانية، كرئيس قسم الأعصاب والنفس في القوة الجوية العراقية، ومدير وحدة الأعصاب في مستشفى الكندي التخصصي، ونشر كتبا أكاديمية في علم النفس العلاجي والمعماري والتخاطري parapsychology الذي يُعنى بالخوارق النفسية. مشروعه العلمي في الملتقى مخصص لقياس صدمات ما بعد الحوادث لدى الأطفال والمراهقين وتشخيص طرق علاجها.
مقداد حسين علي الجباري، أستاذ الموارد المائية في جامعة بغداد، عمل نحو ربع قرن في اللجان الوطنية لدراسة نهري دجلة والفرات وديالى وسد حمرين. عدد البحوث العلمية المحكمة المنشورة للجباري يربو على 150، و6 كتب تدريسية، وبرامج بحثية في قياس ومعالجة تلوث المياه تحت الأرضية، وهندسة الأنهار والبحيرات والسدود. المشروع الذي عرضه في ملتقى عمّان يدرس مصادر تلوث المياه في 10 محافظات عراقية، بينها بغداد والبصرة، ويحدد الوضع القائم لنوعية المياه السطحية المتوفرة في العراق، ويطور الوسائل اللازمة لاستدامة موارد العراق المائية، وطرق الحفاظ عليها وصيانتها وتطويرها.
ناهي يوسف ياسين الركابي، أستاذ الطب، تولى تأسيس وإدارة مركز بحوث السرطان والأمراض الخَلقية منذ عام 1994، وأنشأ في المركز وحدة الخدمات الطبية وفحوص الأجنة لضحايا الأمراض الوراثية، ووضع برنامج الأبحاث الطبية في السرطان، وأسس دائرة الاستقصاءات الميدانية، ومعهد الدورات التدريبية في الوراثيات الخلوية. وأشرف الركابي على 37 رسالة ماجستير و24 دكتوراه في السرطان والأمراض الوراثية، واكتشف نسيلتين من خلايا سرطان المعدة وأورام الثدي. المشروع الذي حمله الركابي إلى الملتقى يطور عقاقير طبية نباتية لعلاج السرطان.
وعلماء العراق لم يأتوا إلى عمان بحثاً عن مساعدات وتبرعات، بل عن شركاء ومستثمرين في مشاريع هدمتها الحرب كانت تدر ملايين الدولارات حتى في ظروف الحظر والحصار. كوركيس آدم، أستاذ الكيمياء الصناعية في جامعة البصرة أشرف على 37 رسالة ماجستير، و17 دكتوراه، ونشر نحو 250 بحثاً محكماً، و7 كتب جامعية، وحمل معه إلى الملتقى خبرة إنشاء 40 مصنعاً. مشروعه العلمي يعيد إنشاء صناعة العوازل الحرارية المستخدمة في الإنشاءات ومعامل الحديد والصلب، التي تدر ملايين الدولارات. مصنع مماثل ساهم في إنشائه بالبصرة عام 2000 كان ينتج سنوياً ألف طن من هذه المواد ودمره الغزو وعمليات النهب التي أعقبته.
فداء صفاء محمد علي، الباحثة الأقدم في دائرة علوم المواد في وزارة العلوم والتكنولوجيا، ورئيسة فريق الفحص الآلي في المشروع البتروكيماوي المشهور، الذي قاده العالم النووي جعفر ضياء جعفر في منظمة الطاقة الذرية في العراق. عنوان مشروعها العلمي، الذي عرضته في الملتقى "مسبك تدوير المعادن"، وهو في الواقع مشروع استراتيجي متعدد الأهداف ينشئ صناعة المواد الهندسية عن طريق إعادة هندسة الخطوط الإنتاجية القديمة العاطلة عن العمل، أو غير الربحية، ويحول كميات ضخمة من نفايات المعادن والمعدات المستهلكة المتراكمة في العراق من كارثة بيئية وصحية إلى صناعات مربحة تدرّ الملايين، وتنشئ فرص عمل لآلاف العمال والتقنيين العاطلين عن العمل حالياً.
وكل مشروع من المشاريع المعروضة في الملتقى يشارك في تطويره علماء من الخارج، معظمهم أكاديميون عراقيون من بريطانيا وأستراليا وألمانيا والولايات المتحدة. ولم يجلب العلماء العراقيون، الذين يحتلون مناصب علمية مرموقة في الخارج خبراتهم العلمية فحسب في تطوير المشاريع، بل جاءوا بأول تمويل لها. ناصر البسّام، أستاذ ورئيس "المركز الدولي لبحوث الطاقة المتجددة" في ألمانيا جلب مليون ونصف مليون دولار لمشاريع الزراعة وتحسين التربة والموارد المائية التي ناقشها الملتقى.
وتحقق مشاريع العراقيين الهدف الاستراتيجي للمؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا. فالمبادرة العراقية هي أول برنامج عربي ميداني للمؤسسة، التي سعت منذ إنشائها عام 2000 في الشارقة بالإمارات العربية المتحدة إلى أن تصبح حلقة الوصل بين منتجي البحوث العلمية ومطوريها ومموليها والمستفيدين منها على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي. وتحدّت المؤسسة الظروف القائمة عشية الحرب على العراق حين أقامت أول ورشة لتجربة إدامة البحث العلمي في العراق ضمن ندوة البحث العلمي والتطوير التكنولوجي عام 2002. وملتقى عمّان هو الثالث في سلسلة لقاءات استهلتها المؤسسة باجتماعات وورشات داخل الجامعات ومؤسسات البحث العلمي من شمال العراق حتى جنوبه. وتعرض المشاريع النهائية في الملتقى الدولي لصناديق التمويل والمنظمات والشركات الاستثمارية العربية والعالمية، الذي يُعقد في سبتمبر القادم في أبوظبي. رئيس المؤسسة عبدالله عبدالعزيز النجار، وهو عالم فيزياء من الإمارات العربية المتحدة، ومدير مركز البحوث في جامعة الشارقة، يتوقع أن يحصل أكثر من نصف مشاريع العراقيين على الاستثمارات المالية اللازمة للبدء بالتنفيذ.