د. سيّار الجميل: شكيب أفندي
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يمر لبنان اليوم وبعد 150 سنة بالضبط على متغيراته التاريخية التي عاشها في العام 1845 بتحولات تاريخية بعدما عاش في كل من التجربتين بين الامس واليوم ضراوة في التناقضات السياسية التي فجرتها مشكلات اثنية وطبقية ودينية داخلية اذكتها تدخلات الاخرين الخارجية. ويعتبر لبنان دوما ساحة حقيقية للمزاحمات السياسية التي تقوي التناحر واذكاء الخصومات ومزامنة التناقضات. وكم عاش لبنان جملة من المآسي واعمال الابادة الجماعية وخصوصا بين اطياف سكانه من الطوائف. ووصل الامر بالعثمانيين الى ان طريق لبنان مسدود بجملة تعقيداته فانقسم قائمقاميتين اقطاعيتين محليتين احداهما للدروز والثانية للموارنة وابعدت الاسرة الشهابية عن حكم لبنان الى الابد.
فكان ان اندلعت حرب اهلية قاسية قادت الى المذبحة الشهيرة في العام 1845 بسبب المناطق المختلطة. واشتعلت انتفاضة تطورت الى حرب ابادة بين الفلاحين. لقد اثار انقسام لبنان خلافات واسعة داخل كل بنية اجتماعية طائفية. وتدخلت فرنسا لدى الباب العالي طالبة الغاء تقسيم الجبل واعادة الشهابيين الى الحكم ولم توافق بريطانيا ولا الباب العالي على قيام امارة موحدة في لبنان. لقد وجدت فرنسا ان الحل يكمن بالغاء التقسيم والعودة الى نظام الامارة الموحدة، واصر العثمانيون على رأيهم او العودة الى الحكم المركزي المباشر، وصدر الفرمان بتنصيب وزير الخارجية العثماني شكيب افندي، فأوضح للدول الاوروبية مهمته وصلاحياته وبراءة ذمة الدولة العثمانية من مجازر لبنان وردها الى اثر التدخلات الاجنبية في بيروت وشؤون البلاد.
دور شكيب افندي
وصل شكيب افندي الى بيروت وطلب من القناصل الاوروبيين عدم التدخل مطلقا في شؤون لبنان وامرهم باستدعاء رعاياهم من الجبل حتى يبدأ العمل بنظم جديدة في ادارته. وأمر بنزع السلاح فاعترضت فرنسا عليه بشدة، وقام بحجز رؤساء الطوائف وابلغهم مقترحاته بهدف توطيد السلام الدائم والعادل، كما امر بتوقيف قادة المقاطعجية الذين اشبعوا لبنان دمارا وحربا واقتتالا، فاعترضت بريطانيا ولكنه لم يلتفت بل اجرى ترتيباته الضرورية واعلن مساواة الدروز والمسلمين والمسيحيين في الجبل بكل القضايا التشريعية.
لقد عرف شكيب افندي بنظامه واوجد مجلسا اداريا وقضى بذلك على توريث المناصب وحرم سلطات الامراء شبه المقدسة، ووقف على رأس المجلس يعاونه اعضاء منتخبون في الادارة والحكم والاستشارة. لقد قضى على النظام الاقطاعي القديم، بابطاله امتيازات المقاطعجية وخلق نظاما لبنانيا جديدا تطورت من خلاله الادارة على اسس حديثة. لقد ولد لبنان على نحو جديد قبل غيره من البلاد العربية اذ اعطاه شكيب افندي اهمية بارزة بعد ان استعصت مشكلاته طويلا وكان ساحة مفتوحة لتدخلات الاوليغاريات الاقليمية التي عبثت به زمنا طويلا. لقد وجه نظام شكيب افندي ضربة ماحقة للتقاليد السائدة وقضى على السلطات والتحزبات والرؤوس الكبيرة ليجد لبنان نفسه في حالة جديدة، اذ تنامى الولاء الوطني والسياسي وجرت تحولات ديموغرافية وانحسرت القوى المتشرذمة لمصلحة الاكليروس والمؤسسات الدينية. صحيح ان الطائفية قد تكرست مع نظام شكيب افندي ولكن عرف لبنان القانون الاساسي لأول مرة وعرف تأسيس " المجالس " على اساس الانتماء الطائفي في اختيار المرشحين لعضويتها.
تحولات لبنان الحقيقية
هنا أود التوقف قليلا لأسجل ملاحظة طالما غفل عنها المؤرخون ذلك ان لبنان هو الاول الذي عرف "المجالس" المنتخبة ولم يمض على صدور "خطي شريف كلخانة" عام 1839 الا ست سنوات فقط، وصحيح انه عرفها بواسطة شكيب افندي الا انه اوجدها بعد مأساة من التدخلات السياسية والحرب الاهلية وعهد الاحتدامات الطويل بين مختلف القوى. واذا كانت الطائفية السياسية قد خُلقت منذ ذلك التاريخ في لبنان، الا انها بوجودها افضل بكثير من الطائفية المتصارعة. فالاولى يمكنها ان تبقي على لبنان موحدا ولكن الثانية كادت تمزق لبنان في الماضي والحاضر. واذا اراد اللبنانيون ان يحافظوا على بيتهم الجميل، فلابد من ثمن تاريخي يدفعونه من اجل تكوين لبنان وتجديده في كل مرحلة زمنية تفرض قوى اقليمية وخارجية عليه اجندتها بحكم موقعه الجيو استراتيجي وما يتمتع به من مجال حيوي نادر الوجود. فهو نافذة آسيا الحقيقية ازاء العالم كله. واذا كان شكيب افندي قد وضع الاسس الحقيقية لولادة لبنان جديد في القرن التاسع عشر، فان الولادة الحقيقية قد تبلورت في العام 1861 اذ ارتكز لبنان على "النظام الاساسي" بمواده السبع عشرة، وتبلورت شخصيته السياسية والادارية بالرغم من ازدحاماته الاجتماعية وتنوعات اطيافه السكانية.
لبنان يمشي نحو المستقبل
واليوم، هل ان لبنان بحاجة الى شكيب افندي ولكن من نوع جديد وبعد 150 سنة بالضبط على ولادة الاصلاحات فيه؟ هل سيولد لبنان جديد في القرن الحادي والعشرين؟ هل سينجح اللبنانيون المعاصرون في استعادة القوة السياسية وامتلاك الارادة الوطنية وبناء الهوية الحضارية من جديد؟ وهل سيتمكن لبنان من التخلص من كل رواسب الماضي الاليم وبقايا وجود الاخرين على ترابه الوطني لعقود من السنين؟ هل سينجح اللبنانيون في تطوير حياتهم الدستورية بعد ان عرفنا ان لبنان هو اول من عرف نظام الانتخاب وعرف نظام الشراكة السياسية وتمرس على نظام التعايش الاجتماعي بين مختلف فصائله واطيافه وتنوعات طوائفه التي تشكل قوى حقيقية على الارض؟
نعم، سيولد لبنان جديد واعتقد بأنه سوف لن يخلو من كاريزما او اكثر كما عودنا دوما يندفع لينجز مهمة صعبة وعسيرة بحيث ينجح في القضاء على الاثار والتداعيات المريرة التي خلفتها السنوات العجاف الطويلة، وان تبدأ حياة تاريخية جديدة في لبنان على امتداد سنوات مقبلة كي نجد بلادا تستعيد دورها الحضاري وقوتها السياسية بعدما اجهدتها سنوات الحرب الاهلية وسنوات النفوذ الآخر وسنوات صراع الارادات الاقليمية. انني اتفاءل دوما بالاخوة في لبنان العزيز كونهم يمتلكون على غرار العراقيين تاريخا مثقلا بالالام والمآسي والاحزان. وهم متنوعون على اجمل ما يكون التنوع. وهذا ما سيسجله المستقبل القريب وعند ذاك سيصفق الجميع بعد انتهاء مهازل القرن العشرين!
مؤرخ عراقي