توماس فريدمان: الحمض النووي الأميركي
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
الإتحاد الإماراتية: الخميس: 02 ـ 06 ـ 2005
منذ سنوات قليلة، شاركت ابنتي الصغرى في برنامج اسمه "يوم التاريخ الوطني" لتلاميذ الصف الثامن. كان موضوع البرنامج ذلك العام هو " نقاط فاصلة في التاريخ" وبموجبه تمت دعوة تلاميذ الصف الثامن في المدارس الأميركية في مختلف الولايات لتقديم مشروع بحثي يلقي الضوء على أي نقطة من النقاط الفاصلة في التاريخ. كان المشروع الذي قدمته ابنتي هو "كيف قادت سبوتنيك إلى الإنترنت؟"، وكان يتعلق بالطريقة التي استجبنا بها في أميركا لقيام السوفيت بإطلاق المركبة الفضائية "سبوتنيك"، وكيف أن ذلك قد انعكس في شكل تحسين لشبكات مراكز بحوثنا العلمية، مما أدى فيما بعد لدمج تلك الشبكات الأولية والمبكرة فيما يعرف الآن بشبكة الإنترنت.
وإنني أخشى أن يقوم بعض تلاميذ الصف الثامن بعد عشرين عاما من الآن بعمل مشروع مماثل لمشروع يوم التاريخ الوطني الذي أعدته ابنتي عن موضوع: كيف أدى الحادي عشر من سبتمبر دون قصد إلى تآكل العناصر الجوهرية للهوية الأميركية؟. ولكن ما الذي أثار مثل تلك الأفكار السوداء لديّ أثناء رحلتي بالجو من لندن إلى نيودلهي في الأساس.
ما أثار تلك الأفكار ليس سببا واحدا ولكنها عدة أسباب: الأول، هو الحواجز الرهيبة التي تحيط الآن بمبنى السفارة الأميركية في ميدان جروفنر في لندن، والتي دفعت "كيت جونز" الوكيلة الأدبية البريطانية التي غالبا ما تمر في طريقها على السفارة الأميركية لأن تقول:"لقد أصبحت لديهم الآن تلك الأقفاص التي تحيط بالسفارة من جميع الجهات، وهناك أيضا تلك الكتل الخرسانية الضخمة والرسالة التي يريدون توصليها لك من كل هذا هي: اذهب بعيدا!"...
وتواصل كيت:"هذه هي الطريقة التي ينظر بها الناس إلى أميركا حاليا وهي طريقة تبعث على الحزن في الحقيقة". السبب الثاني، هو المناقشات التي أجريتها مع أصدقاء لي في لندن، ومنهم مناقشة مع أستاذ في جامعة أوكسفورد، وأخرى مع مصرفي استثماري وكلاهما تحدث عن الإجراءات المزعجة، وعن بصمات الأصابع، وعن التكاليف التي يضطرون إلى تحملها من أجل الحصول على تأشيرة للولايات المتحدة.
السبب الثالث، هو تلك الدردشة التي دارت بيني وبين مسؤولي شركة "إنتل" عن الصعوبات التي واجهوها عند محاولتهم الحصول على تأشيرة لبعض الشبان المسلمين من باكستان وجنوب أفريقيا، ممن وصلوا إلى التصفيات النهائية للمسابقة العلمية التي أجرتها شركة "إنتل" هذا العام. السبب الرابع، هو المناقشة التي أجريتها مع علماء معهد ماساشوستس للتقنية حول القيود الجديدة المفروضة على عقود البحوث التابعة للبنتاغون من ناحية جنسيات الباحثين الذين يمكنهم المشاركة في تلك البحوث، ودرجة السرية المطلوبة، والتي كانت تحد من قدرتهم على تقديم أبحاث متميزة وفارقة في بعض المجالات.
ذهبت منذ مدة لمشاهدة مسرحية" بيلي إليوت" في لندن. وخلال الاستراحة اقترب مني رجل وسألني:"هل أنت السيد فريدمان؟"، وعندما رددت على سؤاله بالإيجاب، عرفني على نفسه وقال لي إن اسمه عماد تيناوي وإنه أميركي من أصل سوري يعمل لدى شركة "بوز آلان"، وإنه على الرغم من عدم اتفاقه مع بعض ما أكتب، إلا انه يحتفظ بمقال كنت قد كتبته من قبل عنوانه:"حيث لا تطير الطيور".
تذكرت أنني قد كتبت هذا العنوان، ولكنني لم أتذكر مضمون المقال ذاته. وعندها قام تيناوي بتذكيري قائلا: لقد كان المقال يدور حول القنصلية الأميركية الجديدة التي تم بناؤها في أسطنبول عقب الحادي عشر من سبتمبر، والتي كانت تبدو كسجن من تلك السجون التي تطبق فيها إجراءات أمنية قصوى إلى درجة أن أحد الإرهابيين الأتراك الذي تم القبض عليه قال إنه بعد أن فكر هو وأصدقاء له في مهاجمة القنصلية الأميركية في إسطنبول، فإنهم توصلوا في النهاية إلى خلاصة مؤداها أن المكان حصين جدا، وأن الطيور ذاتها لا تستطيع الطيران هناك. وبعد ذلك تبادلت أنا والسيد تيناوى انطباعاتنا عن الأثر الضار لمثل تلك القيود الأمنية على نظرة الأجانب إلى أميركا، ثم انصرفنا.
وفي نيودلهي علق الكاتب الهندي "جورشاران داس" على تلك القيود قائلا إنه في كل زيارة قام بها إلى أميركا في الآونة الأخيرة، كان يتم إجباره من قِبل مسؤولي الحدود على شرح الأسباب التي دعته للقدوم إلى أميركا. وأضاف "داس":"إنهم يجعلونك الآن تحس بأنك شخص غير مرغوب فيه على الإطلاق... لقد كانت أميركا دولة تقوم دائما بإعادة اختراع ذاتها لأنها كانت دولة تقوم بالترحيب بالبشر من كافة الجنسيات والألوان... وهذه الروح الرائعة من الانفتاح هي التي مثلت دائما مصدر إلهام للعالم بأسره".
خلاصة الأمر: إننا بحاجة ماسة إلى لجنة وطنية تتولى النظر في سائر التغييرات الصغيرة التي قمنا بإجرائها كرد فعل على الحادي عشر من سبتمبر بدءا من سياسات التأشيرات إلى تمويل الأبحاث إلى الطريقة التي قمنا من خلالها بالإغلاق المحكم لمبانينا الفيدرالية، إلى الأحكام القانونية التي أصدرناها بشأن أسرى الحرب، على أن نسأل أنفسنا بعد ذلك سؤالا محددا هو: على الرغم من أن كل تغيير من تلك التغييرات لم يكن حاسما في حد ذاته.. فهل يمكن أن تتجمع تلك التغيرات معا بطريقة تجعلنا نكتشف بعد عشرين عاما من الآن أن بعض عناصر الجوهر الثقافي والقانوني لأميركا أو بمعنى آخر "الحمض النووي لأميركا" قد تعرض للتشويه والتمزيق؟
لو حدث ذلك، فسيكون بمثابة مأساة بالنسبة لنا في أميركا وبالنسبة للعالم أجمع. لأن - وكما قلت من قبل - المكان الذي لا يمكن أن تطير فيه الطيور؛ لا يمكن أن يختلط فيه الناس، ولا يمكن أن نقوم فيه بإطلاق شرارة الأفكار، ولا تكوين الصداقات، ولا تحطيم الأكليشيهات، ولا ترديد أصداء الحرية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"