جريدة الجرائد

د. رضوان السيد: الخيارات بعد الانتخابات

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

الإتحاد: الأحد: 19 ـ 06 ـ 2005

يعتبر المراقبون للانتخابات اللبنانية أن الجنرال عون صار سيّد الجبل المسيحي، وأنه انتصر سياسياً في دائرة بعبدا/عاليه، وسياسياً وانتخابياً في دائرة المتن الشمالي، ودائرة كسروان/ جبيل. وبذلك عادت الثنائية المارونية-الدرزية، التي غيبتها السيطرة السورية على لبنان منذ أكثر من عقدين. بيد أن الذي حيّر المراقبين الأجانب ويحيّر كثيراً من المرشحين المسيحيين الخاسرين، اعتبار الجمهور المسيحي في سائر المناطق الجبلية، أن الجنرال المنفي لحوالى خمسة عشر عاماً يمثلهم أكثر مما يمثلهم جعجع السجين، وقواته اللبنانية، وتحالف قُرنة شهوان. ثم إن هذا الجمهور مستعد لغضّ النظر عن تحالفات الجنرال مع ميشال المر، النصير المسيحي المهم لسوريا في لبنان، ومع سليمان فرنجية، الذي ينافس المرّ بل ويتقدم عليه في تبعيته لسوريا.

وقد كان معروفاً من قبل مقتل الرئيس الحريري أن هناك نزعتين حيويتين مسيحيتين: النزعة العولمية، والنزعة القواتية. لكن بدا أن القواتيين مستعدون للمساومة مع السوريين، ومع أنصارهم، من أجل إطلاق سراح الدكتور جعجع. وبدا من ناحية ثانية أن عوناً المنفي البعيد، ليس مستعداً للمساومة، لا مع السوريين، ولا حتى مع البطرك الماروني.

أما ما حصل في الانتخابات الجبلية، وما يوشك أن يحصل في بعض مناطق الشمال (البترون والكورة مثلاً) فله من وجهة نظري تفسير آخر، هو السبب في خروج الجنرال عون سيد فرسان ذاك الشوط، أو تلك المرحلة من مراحل الوعي المسيحي في لبنان. فقد كان الانطباع السائد عموماً أن السيطرة السورية هي السبب الرئيسي في تغييب النفوذ المسيحي الذي كان سائداً قبل الحرب الأهلية. ثم انسحب السوريون بعد اغتيال الحريري، وتصاعُد الضغط الدولي من خلال القرار 1559، فانكشف المشهد عن امتدادٍ سُنيٍ هائل في مناطق انتخابية ثلاث هي بيروت والشمال وثلثا البقاع، وحضور معتبر في طرف الجبل ، والجنوب. أما الشيعة فيحضرون بغلبة كبيرة في جنوب لبنان، وفي البقاع الشمالي، ويؤثرون في ساحل الجبل.

وبذلك تبلور لدى الجمهور المسيحي الذي تتضاءل أعداده في لبنان عموماً، إنه محاصر في ثلثي منطقة الجبل. وقد شهد الشهران اللاحقان على اغتيال الحريري والانسحاب السوري بروز تحالفات بين آل الحريري وجنبلاط والقوات وقرنة شهوان في مواجهة البقايا السياسية السورية، والتكتل الشيعي: أمل/حزب الله. على أن تحولاً حدث قبل الانتخابات مباشرة قاده جنبلاط وتمثل بالتقرب من حزب الله ثم من حركة أمل. وقد انتظر المسيحيون أن تتغير مواقف القوات وقرنة شهوان من جنبلاط وآل الحريري، بسبب العودة للتقارب مع الشيعة، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث. ولهذا فقد أقبل المسيحيون في الجبل على الجنرال عون باعتباره الملاذ الحائل دون مزيدٍ من التضاؤل السياسي وليس الانتخابي فحسب. فالقوات وقرنة شهوان حتى لو حصلا على أكثرية التمثيل المسيحي، لن يكونا غير شريكٍ صغير في تحالف يقوده وليد جنبلاط محاورهما التقليدي، وخصمهما في الوقت نفسه.

ما حدث إذن، والذي لن تغير انتخابات الشمال من معالمه الرئيسية، أن الأقليات الثلاث القوية في لبنان لجأت إلى عصبياتها: الشيعة والدروز للحفاظ على المكاسب التي قبضا عليها في فترة الحرب والهيمنة السورية. والمسيحيون من أجل اكتساب قدر من المناعة في وجه الكثرة العددية والسياسية الإسلامية. ومن هذه الأحاسيس "الأقلوية" أفاد كلٌ من رئيس الجمهورية، وآل المر، وسليمان فرنجية. ويضافُ لذلك لجوء السوريين -من خلال بقايا أجهزتهم- للتظاهر بمساعدة حلفائهم القُدامى والجدد، ليس من أجل إفادتهم، بل للتعطيل والخربطة وإظهار أنهم يستطيعون الإضرار بآل الحريري وبجنبلاط وبقُرنة شهوان، وهم خصومهم الفاعلون في الحقيقة.

ما هي التكتيكات المنتظرة بعد الانتخابات، وهل يستطيع الجنرال عون بخطابه "الوطني" تجديد المشروع المسيحي بلبنان فعلاً؟

إذا بدأنا بالخطاب الوطني العوني، فإنه حتى لو كان حقيقياً، لا حواملَ له خارج الصفّ المسيحي، ذلك أن خطاب جنبلاط والقُرنة وحتى الشيعة إلى حدٍ ما، لا يقلُّ وطنية وشمولية عن خطاب عون ظاهراً. فكل الأطراف تتحدث عن الاستقلال والحرية والوحدة الوطنية والعيش المشترك. بل إن السيد حسن نصرالله تحدث في خطابه عشية انتخابات الجبل راداً التحية بأحسن منها للسيدة ستريدا جعجع: لبنان الـ10452 كلم مربعا. اما النقطة الحسّاسة الباقية، وهي التي جمعت الجمهور المسيحي من وراء الجنرال عون: الدستور واتفاق الطائف, فالمعروف أن أطرافاً مسيحية معتبرة رأت فيه منذ حصوله عام 1989 مظهراً من مظاهر الغلبة الإسلامية، إذ الاتفاق يجعل السلطة التنفيذية في مجلس الوزراء الذي يرأسه سنّي، والتشريعية في مجلس النواب الذي يرأسه شيعي. أما الجنرال عون فكان وما يزال ضد الطائف، وقد قال ذلك عشية الانتخابات عندما جعل من رئيس الجمهورية (الذي يطالب جنبلاط وحلفاؤه بإزالته) كبش فداء؛ إذ لا صلاحيات ولا سلطات له، وكلام عون غير صحيح بالنصوص والوقائع. وإذا تجاوزنا جدالات النصوص، فإن وقائع السنوات السبع الماضية تفيد أن الرئيس لحود كان صاحب السلطة الأول في سائر مؤسسات الدولة، تارة بالسيطرة عليها (الجيش والأجهزة الأمنية)، وطوراً بتعطيلها (مجلس الوزراء ومجلس النواب). إنما المهم في هذا الصدد ليس النصوص والوقائع، بل الوعي. والوعي المسيحي يعتبر الدستور الآن المظهر الرئيسي للمتغيرات لغير صالحه، ولا أفق له غير الشخصية الكارزماتية والطُهرانية للجنرال، لأن الأميركيين والفرنسيين مهتمون بالانتخابات، وبتطبيق الدستور بعدها.

هناك مشكلات محددة، وقضايا عالقة بعد الانتخابات. أولى المعضلات رئيس الجمهورية. فدستور الطائف أقام فصلاً كاملاً بين السلطات، بحيث لا تستطيع سلطة أن تحل أخرى. ورئيس الجمهورية لا يمكن إقالته إلا باتهامه بالخروج على الدستور، واتفاق ثلاثة أرباع مجلس النواب على ذلك. ويستطيع عون وحلفاؤه الآن الحصول على الثلث المعطّل، فلا تسهل إقالة الرئيس. ثم إنه ليس مضموناً دخول حزب الله وحركة أمل بسهولة في لعبة إقالة الرئيس. لكن قبل الحديث في الإقالة هناك تشكيل الحكومة، وإذا رشح سعد الحريري نفسه لرئاستها فعنده معضلة لحّود الذي لا علاقة معه إلا علاقة العرّاب، ولذلك فقد يكون الممكن الآن عودة ميقاتي لرئاسة الحكومة، وهو ما تدعمه أطراف دولية وعربية، بحجة حؤول سعد الحريري عن تجرع الكأس المرّ بالتعايش مع لحود، وبمواجهة الملفات المستحيلة.

وهكذا يكون محكوماً على أكبر كتلتين في البرلمان (30 نائباً للحريري، و15 لجنبلاط) أن تتقبل مرشحاً سنياً من خارج صفوفها، وصاحب علاقة سرية وعلنية جيدة بسوريا! وليست هناك مشكلة في عودة نبيه بري لرئاسة مجلس النواب، لأنه لا مرشح شيعيل حقيقيل غيره بعد فوزه الكاسح بتمثيل الطائفة الشيعية، وسائر نواب الطائفة معه، وكذلك نواب جنبلاط ومعهم نواب الحريري الذين لا خيار لهم إلا تجرع هذا الكأس، رغم العلاقة السيئة بين رفيق الحريري وبري في الشهور الأخيرة من حياة الأول.

ويعود الإنقسام العلني، ويصبح إسلامياً-مسيحياً في سائر الملفات الأخرى: قانون الانتخاب حسب الطائف ينص على المحافظة المعدّلة إدارياً، وهناك إجماع مسيحي على القضاء. وسلاح حزب الله لا يتقبله المسيحيون وبخاصة عون المؤيد للقرار 1559، بينما يعتبره جنبلاط والشيعة طبعاً (وكتلة الحريري ضرورة) ملفاً داخلياً. ويمكن أن يحصل توافق على سلاح المخيمات الفلسطينية، لكن هذا موضوع جانبي، ولن يحسّن التوافق عليه الأجواء في الحياة السياسية.

وتبقى هناك إمكانيات للتهدئة والتواصل في الحياة السياسية بعد الخروج السوري: الاعتدال المسيحي وعلى رأسه البطرك، وآل الحريري وكتلتهم الكبيرة وثلثها من المسيحيين. أما الاعتدال المسيحي فهو مضروب بسقوط أقطاب من قُرنة شهوان في الانتخابات، وعون لا يتردد في مواجهة الملاحظات العلنية للبطرك، ويلقى استحساناً من الشباب المسيحي. وأما السنة وآل الحريري فإمكانياتهما أكبر، لحضورهما القوي في مجلس النواب، وفي الحكومات، ولرصيد الحريري الأب لدى سائر الأطراف.

لكن السنة لا قيادة لهم الآن، رغم فوز آل الحريري بالانتخابات. فسعد الحريري جديد على الساحة السياسية، ويتعرض لضغوط متناقضة، وهو لن يكون في الغالب في موقع رئاسة الحكومة المهم في عمليات التفاوض والتواصل. ولذلك فالمنتظر أن تظل الحكومات مؤقتة، والملفات- وبخاصة الملف الاقتصادي الحارّ- مؤجلة، كما سيزداد نفوذ الأميركيين بعد انكفاء الفرنسيين. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف