جريدة الجرائد

رجال الشرطة العراقية يتدربون في قاعدة أردنية

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

... ويختلفون حول «الارهاب» الذي سيكافحونه!


عمان - رنا الصباغ:

بين ليلة وضحاها، تحولت منطقة الموقر النائية في الصحراء الاردنية الي اكاديمية دولية لتدريب كوادر الشرطة العراقية على تطبيق القانون وحفظ الامن، في بلد فشل فيه الجيش الاميركي حتى الان في انهاء حال التمرد والمقاومة، التي باتت اكثر تنظيما وقوة مع مرور الزمن، مدعومة بقاعدة شعبية واسعة.

ومن المفترض أن يشكل هؤلاء المتدربون مع عناصر الجيش الجديد، استراتيجية اميركا للخروج من العراق تدريجا، بعد تدخل عسكري كلف حتى الان اكثر من 1700 جندي اميركي، ولم يحقق الكثير من وعود الاستقرار والديمقراطية.

المركز الاردني الدولي لتدريب الشرطة، والذي فتح ابوابه للتدريب في كانون الثاني (يناير) 2003، درب حتى الآن 18 ألف شرطي، ومن المنتظر ان يصل العدد في بداية السنة المقبلة الى 33 ألفاً، كجزء من خطة واشنطن لإعادة بناء قوات الأمن التي يحتاجها عراق ما بعد الحرب. وهو من بين سبعة مراكز مماثلة داخل العراق وخارجه، مسؤولة عن تدريب 230 الفا من قوات الجيش الأمن.

المتدربون يعرفون أن انضمامهم الى قوات الأمن يعني وضع حياتهم على كف عفريت. فالشرطة والجيش أصبحا هدفا يوميا للمتمردين. لكنها ضريبة العراق، وضرورة لخروج «المحتل» الذي يبقى في نظرهم المسؤول عن حال الفوضى التي وضعت العراق على مشارف حرب اهلية. وكلما تخرج فوج جديد من هذه الأكاديمية ( 40 كلم عن عمان)، تطفو على السطح مشاعر الفرح والأمل، الممزوج بالخوف والترقب.

«لا أستطيع الانتظار. نريد ان نضرب الارهاب بيد من حديد... نريد بناء عراق جديد وديمقراطي وحر وأمن»، بحسب ما قال المتدرب أياد (25 عاما) من محافظة الناصرية. ويشاطره الرأي زميله عبداللطيف (21 عاما)، من البصرة: «هذا بلدنا، ولن نرضى أن يحميه الأجنبي».

لكن مواقف عدد كبير منهم، خصوصاً القادمين من معاقل المقاومة التقليدية ذات الغالبية السنية في الفلوجة وديالا وتكريت وبابل، لا تدل على انهم حسموا امرهم بعد في تطبيق القانون في مواجهة اعمال المقاومة المتزايدة. وهم غير راضين عن هيمنة الشيعة، وعن تطبيق قانون اجتثاث البعث، وتشكيل الاجهزة الامنية على اسس المحاصصة. وتبقى الاعتداءات على القوات الأميركية، في نظرهم، مشروعة لأنها قوات احتلال. أما الاعتداءات على المدنيين، «فهي الإرهاب بعينه، وغالبية أبطاله ليسوا عراقيين، بل اصوليون عرب، بعضهم متعاون مع فلول جيش نظام البعث السابق، ومدعومون من دول مجاورة، يعتقد انهم يريدون إذكاء نيران فتنة طائفية».

وتتمثل حدة المشاعر هذه في شخصية عبد الله (33 عاما)، من الفلوجة، وهو أب لثلاثة أطفال، ويحمل بكالوريوس في العلوم العسكرية، وظل يبحث عن فرصة عمل منذ تسريحه من الجيش القديم حيث كان يحمل رتبة رائد. ويقول «لكي أكون جادا في عملي كشرطي، اعرف أن علي واجب تطبيق القانون وحماية حقوق المواطنين. لكن في حال وقع أي عمل ضد أميركي، ستتملكني المشاعر، وسأغض الطرف وأقول:هذا يدافع عن بلده، كيف سأطبق عليه القانون».

وقال نظمي من مدينة الصدر في بغداد: «سأضحي بنفسي مع العراقيين ضد الأميركيين»، فيما أكد نسيبه من الفلوجة انه « لن يحمي أي شخص محتل».

البعض متوجس من أن يتم استعماله «كوجه عراقي» لقمع المقاومة المشروعة، أو «كدروع بشرية» تعزل بين المقاومة والدوريات المشتركة، لتخفيف الاصابات الاميركية التي بلغت اكثر من 70 اميركيا الشهر الماضي مع 260 رجل امن عراقياً خلال الفترة نفسها.

خلف أسوار الأكاديمية الممتدة على مساحة 400 كيلومتر يعيش المتدربون شبه معزولين عن العالم خلال فترة تدريب تستمر ثمانية أسابيع. المرافق حديثة، جلها من الأبنية الجاهزة والمكيفة، من غرف محاضرات، وعنابر طعام واسعة ومنامة وصالة لياقة بدنية حديثة، وصالون حلاقة واسع، ومكتب بريدي، وطرق معبدة، وملاعب تستخدم للتدريب على اقامة الحواجز وتفتيش السيارات ودهم البيوت والرماية الحية. والعيب الوحيد حتى الان، بحسب مدربين، يكمن في عدم وجود مرام مخصصة للتدريب على التعامل مع «القنابل المصنعة يدويا»، ومخاطر التفجيرات التي باتوا يتعرضون لها يوميا مع اشتداد أعمال المقاومة وتطور وسائلها القتالية. حصل ذلك في ظل سيناريوهات وهمية افترضت أن العراقيين «التواقين إلى الحرية» سيستقبلون الأميركيين بالورود، وان الشرطة الجديدة لن تحتاج الى أكثر من دورات على أسس عمل الشرطة في ديمقراطية ناشئة لا تعاني من الانفلات الأمني، على غرار منهاج التدريب الدولي الذي اتبع في كوسوفو قبل أعوام.

وبعد عدة دورات، لاحظ المدربون ان العراقيين في حاجة الي تدريبات عملية اكثر من المحاضرات النظرية (75 في المئة)، وبدأوا بادخال مواد وتمارين جديدة اكثر ملاءمة للواقع المضطرب، في غياب اقرار الاستراتيجية الوطنية للامن، والتي ستحدد احتياجات العراق بصورة متكاملة، وتساعد تباعا على تحديد أهداف التدريب. (وما زالت الأنظار مشدودة نحو وزير الداخلية الجديد لاقرار الاستراتيجية التي يجري إعدادها بمساعدة من الأمريكيين).

وقال نائب مدير المركز الدولي للتدريب، ورئيس كادر التدريب، جون ويتكر، أن الأكاديمية ستطرح عطاء بكلفة 50 الف دولار أميركي لبناء ساحات معزولة تكون جاهزة في نهاية تموز (يوليو) الجاري، لادخال تدريبات للتعامل مع القنابل، وتكتيكات تفجيرية اخري يستعملها الانتحاريون. وتقدر كلفة التدريب وادارة المركز بصورة شهرية بـ10 ملايين دولار ، بحسب ما قال ويتكر لـ»ألحياة» في مكتبه داخل حرم الأكاديمية التي بلغت كافة إنشائها 50 مليون دولار، ويعمل فيها 300 مدرب من 16 دولة منها الأردن والعراق.

وأخيرا، أطلق المركز برنامجا منفصلا مدته ستة أسابيع لتدريب كوادر من الشرطة العراقية، بعضهم من الذين تخرجوا من الأكاديمية، ليصبحوا مدربين لغيرهم في العراق، وتخرج أول فوج قبل أسبوعين. وبعد الانتهاء من البرنامج الموجه للعراق مطبع 2006، هناك توقعات بأن تتحول الأكاديمية، إلى مركز إقليمي لتعليم مهارات محددة، لتساعد على تدريب قوات الشرطة في فلسطين والسودان مستقبلا، ضمن جهود أميركا لدعم السلام في الشرق الأوسط وأفريقيا.

وسيتقاضى كل عنصر من الشرطة العراقية المدربة راتباً يصل إلى 500 ألف دينار شهريا، وهو مبلغ مغر في بلد يعاني من تنامي الفقر والبطالة. وخلال فترة التدريب يتقاضى كل متدرب حوالي 200 ألف دينار ترتفع تدريجا.

يمر المشاركون في محاضرات نظرية (أربعة أسابيع) حول المنهج النظامي في الشرطة الحديثة، ومقاومة «الارهاب»، ضمن اسس تراعي الممارسات الديمقراطية وتحمي حقوق الانسان. وبعدها تجري تدريبات تطبيقية (أربعة أسابيع) حول طرق الدفاع عن النفس، واستعمال القيود الحديد والعصي، وتسيير الدوريات، وتفتيش المباني والسيارات. وقال أحد المتدربين في دورة منهج الشرطة النظامي: «لم اسمع في حياتي عن الديمقراطية، ولم اكن اعرف ان من حق الموقوف أن يطلب محام عند اخذ أقواله، أو حتى التزام الصمت التام... «.

وفي احدى جلسات التدريب على إقامة الحواجز وجمع المعلومات عن المركبات وركابها، قال مدرب إنكليزي عبر مترجمة عربية: « عند الحواجز، اظهر وداعة الحمائم، ولكن كن خبيثاً كالأفعى» لكي تحصل على المعلومات. وساند حاجزا طيارا أخر متدربين، بعضهم حمل أسلحة رشاشة مصنوعة من الخشب متأهبا، واختبأ بعضهم خلف مكب قمامة حديدي استعمل كبدل لسيارة.

وعلى رغم أن غالبية المتدربين امتدحت المكاسب المسلكية الاحترافية الجديدة التي وفرتها له الدورة، إلا أن الروح المعنوية لعدد من المتدربين والمدربين لم تكن عالية. فقبل أسابيع، تظاهر حوالي 200 من المتدربين، وكسروا زجاج أربعة مبان إدارية، وقلبوا بعض السيارات للتعبير عن استيائهم بسبب أوضاعهم المعيشية داخل المخيم المعزول، على خلفية إشاعات ان اثنين من زملائهم الذين لم يكملوا التدريب بسبب اصابتهم بكسور سيعادون الىالعراق عن طريق البر، مما سيعرض حياتهم للخطر، شأنهم شأن 16 من زملائهم السابقين قيل انهم لاقوا حتفهم أخيراً بعدما أعيدوا برا بسبب عدم تكيفهم مع البرامج التدريبية وإصابة بعضهم بجروح أثناء التمارين.

لكن الشكاوى، ومشاعر الإحباط، مستمرة بسبب «الضجر القاتل» في أوقات الفراغ، خصوصاً في نهاية الأسبوع. فقد طلبت الحكومة العراقية من ادارة المعسكر عدم السماح للمتدربين بالخروج من المعسكر لحين انتهاء الدورة. وازدادت حال الملل بعدما منعوا من مشاهدة نشرات الأخبار التلفزيونية لكي لا تثور المشاعر، كلما وقع حادث داخل العراق. وهذا ترك الباب واسعا أمام «بعض المندسين الذي لا يعرفهم احد والذين لا يريدون لهذا البرنامج التدريبي أن ينجح، ليطلقوا اشاعات عن وقوع حوادث في العراق، وليؤججوا مشاعر القلق والخوف».

وبسبب تلاعب محتمل في عملية انتقاء المرشحين في العراق، واللجوء إلى الواسطة، وقعت بعض الإشكالات لجهة وصول طلاب تحت السن القانونية للتدرب، وهو 18 عاما، او اميين لا يقراون ولا يكتبون، وفي حالة واحدة توافد احد القتلة المحكومين من الذين أطلق سراحهم من السجون على أيدي صدام قبل الحرب، وتمت اعادته الى العراق.

بعض الشكاوي الأكثر جدية جاءت من مدربين اعترفوا انه ولغاية نيسان (إبريل) 2005، كانت غالبية برامج التدريب منصبة على الجانب النظري، من دون أن يوفر ذلك الإمكانات التدريبية التي تساعدهم في انقاذ الارواح، ومواجهة تحدي الإرهاب، والعمليات التفجيرية. ومع انهم اقروا بان برنامج التدريب تحسن خلال الشهور الثلاثة الماضية، إلا انهم ما زالوا يشكون من غياب الوضوح حول نوعية التدريب المطلوب، والذي يحدد في بغداد – من القادة الأميركيين ومن السلطات العراقية. وآخرون اشتكوا من المحددات المادية التي قد تقف في وجه تطوير بعض المرافق التدريبية مثل إنشاء عمارات وهمية للمساعدة في التدريب على عمليات الدهم والتفتيش. وتساءل آخرون عن جدوى استمرار برنامج التدريب على أسس «شرطة مجتمع» بدلا من أسس «شرطة المدن»، اذ أن مجرد ظهور بعض من عناصر الشرطة في شوارع مدنهم يجعل منهم اهدافا سهلة.

لكن ويتكر، نائب مدير الأكاديمية، قال انه من غير الواقعي التفكير أن استراتيجية العراق للآمن الوطني، التي يجري تحضيرها الآن، كانت ستكون جاهزة بكبسة زر، وقبل بدء برامج الاكاديمية. وأشار الى انه يعلم أن هناك الكثير من الأمور التي في حاجة إلى تحسين، لا سيما أن الأوضاع في العراق لم تستقر بعد في عدد من الأماكن لتجعل الصورة اكثر وضوحا حول اولويات التدريب. وقال: «لدي فهم واضح للوجهة التي ينبغي علينا انتهاجها، وهي أن ندرب أسس الشرطة الديمقراطية واسس شرطة المجتمعات... وان يتوازن ذلك مع حاجة الشرطة للاستمرار في العيش لتطبيق مفاهيم الشرطة الديمقراطية». واضاف: «لذا، فنحن نحاول خلق توازن بين وجود الكفاءة التي تضمن لهم الاستمرار في ظروف مناطق معادية، ولكن عندما يطبقون مهماتهم، عليهم أن يتذكروا انهم في خدمة الشعب، وليسوا فقط ذراع للحكومة. لذا، سيبقى التركيز الآن على مقاومة الإرهاب فيما نعمل على غرس بذور مفهوم الشرطة في خدمة المجتمع».

وقال ويتكر: «اشعر بالسعادة لإننا على الطريق الصحيح خصوصا عندما أرى ان بعضاً من متدربينا مارسوا حق الانتخاب الحر للمرة الاولى في حياتهم لانهم فهموا أهمية التصويت واسس الديمقراطية، او عندما يعود الينا عناصر من الذين دربناهم كمدربين، او عندما يزورنا قادة أمنيون من كافة أرجاء العراق ويمتدحون برامجنا، وعندما تصلنا أخبار أن عددا اقل من العناصر التي تدربت هنا زهقت أرواحها».

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف