جريدة الجرائد

جرجس الخوري: ثلث عمري ضاع في غرفة تحت الأرض..

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

جرجس الخوري يروي لـ"النهار" تفاصيل معاناته اليومية طوال 11 عاماً و4 أشهر
لكنّي لن أستسلم - أطالب بإعادة المحاكمة كي نعرف من فجّر كنيسة سيدة النجاة'

تحقيق منال شعيا:

اتهم بتفجير كنيسة سيدة النجاة وسُجن 11 عاما واربعة اشهر في اقبية وزارة الدفاع في اليرزة. ثم خرج بقانون عفو وادلى باعترافه الاول في الكنيسة ذاتها ليقول للسيدة العذراء ان "جرجس الخوري لا يمكن ان يفجر الكنيسة او ان يكون له يد حتى في التفكير في اذيتها". فهل كان ثمة سيناريو محدد للتفتيش عن شخص مثل جرجس الخوري والوصول لاحقا الى "القوات اللبنانية"؟ واي سر او لغز يلف هذا الشخص الذي تحمّل بقوة الايمان ليعود ويخرج حرا طليقا، ويؤكد انه كان "كبش المحرقة" وبريئا بكل معنى الكلمة".

كم كان غريبا يوم الخميس في 21 الفائت حين نام جرجس للمرة الاولى بعد 11 عاما على سرير. فهو اعتاد النوم على الارض في غرفة تحت الارض، عرضها 130 سنتيمترا، والى جانبها حمام بعرض متر وعشرة سنتيمترات.

واللافت انه حين يحدثك، "تُذهل" بشخص متفائل لم تحطمه اعوام السجن، فيبدو انسانا مؤمنا زادته تهمة تفجير الكنيسة تصلبا في الايمان والصلاة، لانه لا يمكن ان يفكر في اذية كنيسة. دائم الابتسامة، حاضر الذهن، متماسك، وان كانت كلمته تخفي غالبا مرارة دفينة وتأثيرا وحسرة، يقول: "ثلث عمري ضاع في غرفة تحت الارض". ويتدارك: "المهم ان ضميري مرتاح"، فيصف لنا غرفته في السجن وكيف كان يمضي الايام لا بل الاعوام.

جرجس الخوري زارنا في "النهار"، رغم انه يخضع للعلاج ويجري فحوصات دورية. دخل المكتب برفقة شقيقه وسام وحاول توزيع نظره على كل شيء لحظة واحدة، ثم وقعت عيناه على صورة الصحافي الشهيد سمير قصير، فسأل "هو سمير قصير؟ حرام، عرفت انه قتل"، فتحاول ان تستوضع منه متى وكيف عَلمَ، فيجيب: "اعرفه صحافيا شجاعا، وادركت انه مات بعدما خرجت من السجن، فانا احاول اللحاق بكم ومعرفة كل ما فاتني. علمت ايضا ان هذه السنة حصلت حوادث كثيرة".

لكن سرعان ما يأخذك الكلام على حدث 27 شباط 1994، اي تاريخ تفجير الكنيسة، وتحتار من اين ستبدأ. فأنت امام "لغز محيّر" حُمّل الكثير، وارتبط اسمه بمسار تاريخي بدّل في الساحة السياسية اللبنانية، وقيل عنه الكثير وظهرت في محاكماته وقائع مثيرة تمّ تجاهلها، فعتم عليها كما مستندات كثيرة.

وتسأل الخوري: "لماذا قلت انك اكثر من "كبش محرقة؟" وبعفوية ممزوجة بهدوء، يقول: "ليست لدي اي معلومة حول التفجير. انا بالفعل كبش محرقة. ليست لدي اي معلومة صغيرة. يوم وقوع الحادث، كنت في رياضة روحية مع جماعة "الاخوة في روح القدس" في دير ام الله في عجلتون، وشهد اربعة اشخاص بذلك امام المحكمة. لم اعلم بوقوع الحادث الا في اليوم التالي. كما انه في القرار الظني ورد اني اجتمعت بآخرين في مبنى الاركان في 27/1/1994، الساعة 5:20 لتحضير العبوة، فيما اثبت انني كنت في المركز الثقافي الفرنسي في غدير في هذا اليوم ومن الخامسة الى السابعة. وثمة مستند بذلك قدم الى المحكمة".

وبتسلسل، يتابع: "ثمة سيناريو واضح ومحدد. كانوا يريدون التفتيش عن شخص يربط "القوات اللبنانية" باسرائيل، ليقولوا ان القوات دمرت الكنيسة، فيضربون بذلك صورتها عند المسيحيين. من هنا، كان اختيار تفجير كنيسة بالذات، وربطوا الأمر ايضا بالاعمال التي كانت قامت بها اسرائيل في الحرم الابرهيمي قبل ايام من التفجير. هكذا لا اكثر ولا اقل، كانوا يريدون تلك الحلقة التي توصل الى القوات، فكان جرجس الخوري، كنت اصعد الى اسرائيل لازور الاراضي المقدسة واشتري صنادل لجميع افراد جماعة "رسل الانجيل"، كنت اشتريها من مالي الخاص لانني كنت اعتقد انني اقوم بعمل خيري، فماذا كانت النتيجة. ان يصبح جرجس الخوري عميلا ومتهما في تفجير كنيسة!

"ممّ أخاف؟"

ولكن اذا كان الخوري شخصا قابلا للاستثمار في تصفية حسابات سياسية تهدف الى تطويق "القوات" في حينها لالف سبب وسبب، يتصل معظمها بالمرحلة السياسية منذ بداية التسعينات، فلماذا سلم نفسه في 15 آذار 1994 الى استخبارات الجيش في الزلقا؟ في ذلك اليوم، قالوا له: عشر دقائق سؤال وجواب ثم تعود الى منزلك. وما لبث ان نقل الى وزارة الدفاع، والدقائق العشر باتت 11 عاما، وتحول الخوري متهما رئيسيا في القضية وأحد خيوطها الاساسية.

يعلّق: "نعم سلمت نفسي طوعا لاني بريء. مم اخاف؟ كنت مدركا جيدا ان لا علاقة لي بالقصة، اذاً لماذا الخوف. سبق وقلت اني كنت في رياضة روحية في يوم التفجير، ولا اعلم بشيء عن هذه المسألة، فلم اخف من المواجهة".

لكن هذه المواجهة كلفته اهمالا سياسيا ودينيا، فيما هو قابع في اليرزة ولا ينفك يردد جملة واحدة لزواره القلائل: "اتهموني في قضية انا بريء منها تماما".

والسؤال، اي علاقة كانت تربط جرجس بـ"القوات اللبنانية" حتى يسهل الربط بين هذه التركيبة السياسية الامنية المعقدة؟

يوضح الخوري: "عملي بالقوات ينطلق من ايمان بالعقيدة والالتزام المسيحي. كنت مساعدا في نشر العقيدة القواتية بهدف الاعداد الفكري فقط. لم اعمل ميدانيا، بل اشتغلت في قسم المعلوماتية في جهاز الامن، وازور الاراضي المقدسة فيسهل القول اني على علاقة باسرائيل. وببساطة اذا اوقفت يصلون الى القوات ولا احد يسأل عني، يعني "مين بدو يشدّ في".

الغريب ان ثمة وقائع مثبتة في المحاكمات مع تواريخ ووثائق جرى التغاضي عنها بالكامل. لذا، طالب تقرير منظمة العفو الدولية الذي يصدر في تشرين الثاني 2004 بعنوان "سمير جعجع وجرجس الخوري: تعذيب ومحاكمة جائرة"، باعادة المحاكمة بعدما غاص في نقل الظروف المأسوية والمعاملة القاسية التي تعرّض لها. وفي هذا السياق، يقول الخوري: لا يريدون ان يعترفوا ببراءتي. كل الوثائق كانت صحيحة ولم يؤخذ بها. وحين سئل احد القضاة عن هذه المسألة، اجاب: هيدي شطارة".

"نعم، برّأت القوات"

في نظر عضو "لقاء قرنة شهوان" جان عزيز ان "جرجس كان ضحية مرحلة، وثمة قواتيون آخرون حوربوا مثله، ولم يتحملوا هذا الحمل، فيما دفع هو ثمنا باهظا. هو الذي لا علاقة له بالقوات. برأها وتحمل".

"نعم، برّأت القوات"، يقولها جرجس بحزم، ويشرح: "ضميري كميسيحي لا يسمح لي بأن اقول انا بريء لأدين الاخرين، حتى ولو خضعت للتعذيب ضميري مرتاح. هذا هو المهم".

ويردد: "كان يمكن ان اعدم، لكني لم ارغب في ان اسبب اي ذنب للآخرين، ولم أفكّر في ذلك للحظة واحدة. فاذا اتهمت اشخاصا ابرياء، هل سأعيش مرتاحا؟ نعم، تحملت وحملت صليبا، لكن ضميري مرتاح. واجهت ولماذا اخاف. هم الجبناء، كانوا يريدون ان يتملكني الخوف لكنهم لم ينجحوا".

وعندما تسأله عن شعوره حين دخل كنيسة سيدة النجاة بعد اطلاقه فورا، يهز برأسه ويبتسم متأثرا: "في الكنيسة صليت وسامحت. طلبت من الله ان ينور عيونهم وقلوبهم وان يوقظ ضمائرهم. وشكرت ايضا اهلي والبطريرك مار نصرالله بطرس صفير والمطارنة وكل المؤسسات والاشخاص الذين ساعدوني، وقلت للسيدة العذراء: "انا لا يمكن ان اؤذي كنيسة".

"هل يُعقل؟"

بمرارة وسخرية، يحدثك جرجس عن وضعه في السجن: "كنت في انعزال عن العالم. حرمت حقوقي كانسان، وحاجاتي الخاصة. كنت معزولا، انفراديا. انام على الارض، واضع غطاء تحتي ومنشفة تحت رأسي. لا اتكلم. ومع من سأتكلم؟".

وعن التعذيب، يقول: "في الاعوام الثلاثة الاولى كان هناك تعذيب جسدي". وبعدما تعاود السؤال، يجيب "يعني ضرب بكل الوسائل، كل ما يمكن ان تتخيلي، ولكن بعد الاعوام الثلاثة، توقف التعذيب الجسدي واستمرت المعاملة السيئة والتعذيب النفسي. اما في العامين الاخيرين فتحسن الوضع".

وبعد صمت، يتابع ضاحكا: "كنت سجينا وادفع لهم مالا هل يعقل؟ ففي عام 1999، طلبت كرسيا لان الغرفة كانت صغيرة جدا وفارغة، كنت اريد كرسيا لأجلس، فجلبوا لي واحدة بلاستيك بيضاء ودفعت ثمنها 6 دولارات. كنت اتناول الاكل على قدمي، مرتين في اليوم، وكان اخي وسام يترك لي المال في الامانات ليجلبوا لي الاكل. كان الطعام في الغالب جبنة وبندورة ولبنة، وفنجان شاي او مياهاً ساخنة. واحيانا كنت اطلب بعض السندويشات فتجلب لي، ولكن كنت اشعر ان كل شيء ناشف. اشتقت كثيرا الى الطبخ والتبولة".

وبوصف دقيق، يتحدث "السجين العائد"، عن غرفته وكيف كان يمضي يومه، "مساحة غرفتي متران ونصف المتر، لا نور، ولا هواء. ثمة بابان مصفّحان حديديّان وطاقة صغيرة جدا من فوق. استفيق في الصباح. اصلي اولا حوالى ساعتين ثم اشرب فنجان شاي، ثم اصلي سبحة الوردية. بعدها، يأتي وقت الغداء، ولاحقا اقرأ كتبا دينية وروحية، ثم يخرجونني لاتمشى وانا مقيد مع عسكري وممنوع من الكلام. كنت اشعر بذلّ، وكانت الصلاة الوسيلة الوحيدة للمقاومة. بقوة الايمان واجهت كل شيء".

كان يعرف الوقت او الساعة من موعد الغداء، وكان يحسب الايام انطلاقا من كل ثلثاء وخميس، موعد زيارة اخيه الذي كان يعايده ايضا بالميلاد والفصح والاعياد الاخرى.

ورغم انه كان معزولا عن اي اتصال بالعالم الخارجي، الا انه كان يقرأ بعض المجلات الفنية ويحلل بين الاسئلة والسطور ليكتشف حوادث سياسية محلية او دولية مهمة. يخبرنا جرجس مثلا انه عرف بحوادث 11 ايلول حين شاهد في احدى المجلات الفنية صورة البرجين والطائرة تخرقهما، ولم يكتب اي معلومة او عنوان في الصفحة، ولكن ادرك ان ثمة صفحة اخرى تابعة جرى تمزيقها، فحلّل ان ثمة حدثا ما. ولاحقا، وفي اعداد متتالية كان يقرأ ان نشاط الفنانين تأثر بسبب احداث 11 ايلول، وان بعض الفنانين الغوا حفلاتهم الى الولايات المتحدة فتأكد ان هناك حادثة كبيرة وقعت.

هو الان يحاول التأقلم مع حياة جديدة وخصوصا ان تحولات عدة طرأت خلال 11 عاما على الصعيد التكنولوجي والمعلوماتية، ولا يريد ان يغلب عليه اليأس او الاستسلام ويصر على اكمال حياته في شكل طبيعي، وينطلق من ركيزة روحية قوية. يقول: "سأتابع دراستي في برمجة الكومبيوتر واريد ان اعمل في هذا المجال، ايضا سأكمل حياتي في شكل عادي اي ان اتزوج وابني عائلة".

وقائع واثباتات

واذا كان جرجس الخوري لغزا محيرا، فان قضية التفجير هي اللغز في ذاته. وفي هذا السياق، يورد عزيز الكثير من الوقائع.

اولا: وقائع بعد التفجير، يفصّلها كالاتي.

"في 27 شباط 1994 (اي يوم وقوع الحادث)، صدر كلام خطر عن مدعي عام جبل لبنان طربيه رحمه يفيد ان لدى الاجهزة معلومات عن تحضيرات لتفجيرات في بعض الكنائس وعن وجود موقوفين. وسرعان ما كذب هذا الكلام المدعي العام العسكري نصري لحود. لكن المفاجأة الكبرى كانت في عظة البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير في اليوم التالي للانفجار وخلال ترؤس القداس على نية ضحايا التفجير يقول فيها "انذرنا باحتمال وقوع الحادثة قبل اسبوعين وثمة موقوفون في القضية". ولكن عتم على هذا الشق من القضية كليا وفق عزيز، وخصوصا حين قيل في احدى المحاكمات ان الموقوفين اللذين كانا في مديرية المخابرات وهما نبيل ضيا (مصري الجنسية) ومرسي علي اعطيا معلومات خاطئة للاستفادة من الجنسية اللبنانية. فيما ثبت في المحاكمة ان علي عنصر في الجيش وكان على علاقة بـ"حزب الله". والفضيحة الكبرى ان الافادات الاولية لهذين الموقوفين سحبت تماما من ملف القضية، اذ لا يمكن العودة اليها، حتى للتاريخ".

ويتابع عزيز العودة الى مرحلة ما بعد التفجير ليشير الى "جو الرعب" الذي شهدته البلاد حينها وشبهه بالحالة التي سادت بعيد محاولة اغتيال النائب مروان حماده لجهة البلبلة الامنية والتوترات، اذ "كثر الحديث عن وجود عبوات بعد حادثة كنيسة سيدة النجاة، وافيد عن اكتشاف عبوة امام المركز الثقافي الفرنسي في غدير. وعلى الفور صدر بيان امني يكشف توقيف شخصين قيل انهما كانا من "القوات اللبنانية"، وحتى اليوم لا احد يعرف من هما. هكذا، ووسط جو من الترهيب اتجه الاتهام نحو المعارضة". من هنا، يورد عزيز وقائع اخرى: "في 3 اذار 1994 صدر اول اتهام لـ"القوات اللبنانية" على لسان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، جاء فيه "لا يمكننا الا ان نربط بين مجزرة الكنيسة ومتفجرة الصيفي ومحاولة اغتيال الرئيس الياس الهراوي (اتهمت القوات بهاتين الحادثتين) وبين ارباب التقسيم والفيديرالية". كان هذا التلميح الاول للقوات، لتصدر بعده احدى الصحف (9 آذار 1994) بمانشيت تعلن بداية اكتشاف خيوط الجريمة واتجاه الى حل حزب القوات. وفي 10 اذار، طوقت غدراس بهدف البحث عن بعض المطلوبين في قضية تفجير الكنيسة، يعتقد انهم لجأوا الى غدراس". ويشدد عزيز على ان "جرجس الخوري لم يكن البتة في الصورة في هذه الفترة، ولم يأت احد على ذكره، لنعود ونكتشف ان الخوري سلم نفسه في 15 آذار 1994 بعد توقيف والده واخويه".

واذا كانت وقائع بعد التفجير تدل، وفق عزيز، على ان "نظرية اتهام القوات لم تستند الى رواية جرجس الخوري، بدليل انها سربت الى الاعلام قبل اسبوع على الاقل وحوصرت غدراس قبل خمسة ايام من تسليم الخوري نفسه، مما يؤكد بوضوح ان ثمة شيئا مركبا في القضية".

ويتابع عزيز سرد وقائع اخرى سبقت التفجير، وهي ان الاباتي انطوان صفير الذي ترأس القداس عند وقوع الحادثة في كنيسة سيدة النجاة اكد في المحاكمة انه لم يشر في افادته في المستشفى حيث نقل بعد التفجير، الى اي علاقة بين الرهبانية المريمية التي كان يرأسها ورهبان "رسل الانجيل"، بل ان احد الامنيين الذي اخذ افادته سأله هل تعرف جماعة الرسل؟ فأجابه: نعم. ثم سأله مجددا عن العلاقة بين الرهبانية وهذه الجماعة، فرد الاباتي: ثمة مشكلة بيننا تتعلق بدير شويا. من هنا، كان الربط الاول بين الرهبانية والجماعة فأوقف رهبان "رسل الانجيل"، وبينهم انور شقيق جرجس، والذي امضى 72 يوما في وزارة الدفاع".

الى هذه الوقائع، ثمة ما يعزز الربط بين خلاف الرهبانية وجماعة "رسل الانجيل" وتفجير الكنيسة. يشرح عزيز ان "الجماعة كانت تشغل دير مار الياس شويا التابع في جزء منه للرهبانية المريمية المسؤولة عن كنيسة سيدة النجاة. وفي 1991، طلبت الرهبانية من الجماعة اخلاء الدير بسبب خلافات، والح افراد الجماعة على الحصول على مبالغ كانوا انفقوها على الدير، فرفض الطلب وادعي عليهم امام النيابة العامة. وبسبب الادعاء، لجأ المسؤول عن جماعة "رسل الانجيل" موريس بشوتي الى احد القواتيين لاستئجار دير آخر فاختير مقر بيت الكتائب في عشقوت فحلت النيابة العامة الدعوى، فكان الربط بين هذه الجماعة والقوات. من هنا، وقع الانفجار بالذات في كنيسة سيدة النجاة، لنعود عبره الى الرهبانية فالى جماعة الرسل فالى القوات والى جريس الخوري".

ويجزم عزيز ان "هذه الوقائع ظهرت في جلسات المحاكمة ولم يستند اليها. عناصر المسألة كانت جاهزة وكان ينقص التوقيت السياسي المناسب لتنفيذها. واللافت ان خلال التفجير، كان جرجس الخوري ملتحقا بحزب الكتائب برئاسة جورج سعادة، اي في ذروة الصراع بين الاخير وجعجع، وبالتالي لم يكن للخوري اي علاقة بالقوات، الا كونه حلقة في سلسلة توصل الى القوات".

وبناء عليه، قدم عزيز في نيسان الفائت اخبارا الى النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا يتصل بثلاث وقائع:

- "اولا: مساء 27 شباط 1994، اي ليل حادثة تفجير كنيسة سيدة النجاة، عقد قائد "القوات اللبنانية" حينها الدكتور سمير جعجع مؤتمرا صحافيا تحدث فيه ان هناك دولتين: دولة السياسيين العاجزين عن ادارة البلد، ودولة الاجهزة الامنية. وفي اليوم التالي، ابلغني جعجع انه تلقى اتصالا من العقيد في ذلك الوقت جميل السيد الذي بادره القول: "معك دولة الآخرين على الخط"، وابلغه تهديدا واضحا في ما يتعلق بتفجير الكنيسة.

- ثانيا: في احدى جلسات المحاكمة، اعلم جعجع رئيس المجلس العدلي فيليب خيرالله انه تلقى اتصال تهديد من مسؤول كبير في الدولة وطلب الاختلاء بخيرالله لاخباره التفاصيل لكن خيرالله رفض الطلب. وبقيت هذه الوقائع مكتومة.

- ثالثا: اواخر آذار 2001، اخبرني احد النواب انه تلقى اتصالا من المدير العام للامن العام اللواء جميل السيد، قبيل اعلان "لقاء قرنة شهوان" وتمهيدا لاستقبال البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير الذي كان عائدا من جولته في اميركا وكندا، ووفق هذا النائب ان السيد قال له: "اذا لم توقف هذه التحركات، انتظروا تفجير كنيسة ثانية وثالثة".

وارفق عزيز الاخبار الى القاضي ميرزا بثلاث طلبات، في حينه، هي:

"1 اصدار الرئيس اميل لحود مرسوم عفو خاص وفوري يشمل جعجع والخوري، في انتظار صدور قانون العفو العام.

2 المبادرة الى فتح ملف تفجير الكنيسة واعادة المحاكمة.

3 اصدار قرار فوري بمنع المشبوهين من السفر تمهيدا لمساءلتهم في هذه القضية".

"أحلى عمر"

... وبعد. "احلى فترة من عمري راحت". هكذا يجيب جرجس الخوري، "كان عمري 25 عاما حين دخلت السجن. ثلث عمري ضاع داخل غرفة تحت الارض"، ويتابع "لن استسلم".

ولكن ماذا تعلّم من السجن وهل ترك شيئا مكتوبا في تلك الغرفة او على الحائط؟ يقول: "ممنوع ان اكتب. ولم يكن معي اصلا قلم. في الاونة الاخيرة، اعطوني واحدا. هناك، في سجني، تعلمت ان ثمة الكثير من الخبثاء. لم اكن اعرف ذلك من قبل. هم يبيعون ضمائرهم ليحاكموا الابرياء ظلما وباسم الله. هذه قمة النذالة والكره والحقد، اي ان يصلوا الى حدود الدين".

والسؤال الكبير يبقى: مَن فجّر الكنيسة؟ صحيح ان البعض خرج بقانون عفو عام، الا ان اعادة المحاكمة واجبة جلاء للحقيقة، ويقول الخوري: "نعم، اطالب باعادة المحاكمات كي يوجهوا اصابع الاتهام الى من يجب".

قد يكون ذلك الاسلوب الوحيد لنزع الكثير من الاقنعة ولتبرئة من يستحق فعلا البراءة.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف