جريدة الجرائد

فيليب بورينغ: سنغافورة وماليزيا: الصديقان اللدودان

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

السبت: 13 . 08 . 2005

في مثل هذا الاسبوع قبل اربعين عاما، أقدم عبد الرحمن رئيس وزراء ماليزيا على إخراج سنغافوره من الاتحاد الذي كان قائماً مع دولته. والسبب في ذلك ان عبد الرحمن اعتقد ان اشتباكات لي كوان يو رئيس وزراء سنغافورة، كانت تنشر العداوة بين الشعبين. وقد كان ذلك صدمة "للشاب لي، الذي كان قد قاد قبل عامين اثنين سنغافورة للاتحاد الفيدرالي مع ماليزيا في وجه معارضة قوية من جانب القوى السياسية في بلاده. لكن لي والسنغافوريين كانوا اهلا للتحدي الذي فرض عليهم. وكذلك ايضا الماليزيون واجهوا ذاك التحدي المستجد بنجاح. فقد ازدهرت ماليزيا وبقيت موحدة وقوية، رغم شكوك الماليزيين المسلمين في اقليمي صباح وساراواك اللذين يحتويات على كثرة غير مسلمة. وهكذا فما بدا للبعض بأنه كارثة، ومصدر جديد للتوتر في جنوب شرق آسيا، المحيط الذي كان ما يزال غاصا بالتمردات الشيوعية ومواريث الحرب الباردة، انتهى نهاية سعيدة. والواقع ان الانفصال كان تدريجيا، فقد بقيت عملة البلدين، واحدة حتى العام 1973. ومع مضي الوقت انتهى المشترك القائم بينهما والمتمثل في النخب البريطانية التي بنت البلدين. وبقي البلدان متجاورين طبعا فضلا عن التجربة التاريخية المتقاربة، لكن التطور المختلف طوال الأربعين عاما الماضية، ما حال دون بقاء العلاقات الوثيقة والفاعلة. وسأحاول القيام ببعض الملاحظات العشوائية التي تلقي اضواء على هذه التجربة الفريدة في البلدين، وفي العلاقات بينهما رغم الانفصال غير البشوش.
الملاويون في ماليزيا يستطيعون الان، وبعد اربعين عاما، ان ينظروا لتجربتهم بفخر، وبدون عقد الدفاع، التي تحكمت بهم عام 1965. وغير الملاويين في البلاد، والذين بلغت اعدادهم انذاك 40% تراجعت ارجحيتهم العددية بسبب ارتفاع نسبة المواليد بين الملاويين. ثم ان الماليزيين ترتفع اعدادهم بشكل عام مقارنة بأعداد السنغافوريين، الذين ينمون ديموغرافيا بأبطأ النسب في العالم. وقد تكون نسبة النمو في ماليزيا اقل ارتفاعا منها في سنغافورة. لكن الملاويين يؤدون الان دوراً رئيسياً في اقتصاد كان الصينيون والاجانب يسيطرون عليه حتى الثمانينات من القرن الماضي.
لكن، اذا كان الملاويون قد اكتسبوا شعورا بالثقة، فانهم ازدادوا ابتعاداً عن غير الملاويين في بلادهم، بالتساوق، ولنفس الأسباب التي انفصلوا من اجلها عن سنغافورة. لقد استوردوا عادات وأعرافا دينية من البلاد العربية وإيران من مثل غطاء الرأس للنساء والذبح الحلال وقواعد اجتماعية اخرى، وهي امور غيرت وجه ماليزيا. وقد توارت وراء المظاهر الجديدة عادات الحب والجنس الموروثة من قبل دخول الاسلام، وصارت سرية، بعكس ما حدث في المجتمع الاندونيسي الاكثر رحابة وتعددية. وبذلك فان العلمانية الطهورية في سنغافورة ميزتها عن ماليزيا التي صارت أكثر إصغاء للتقاليد المحافظة.
على ان ماليزيا تستطيع ان تكون فخورة لناحية الانفتاح السياسي، والاحزاب السياسية المزدهرة، ودرجة الديموقراطية السائدة من داخل الحزب الحاكم، وكل ذلك مقارنة بسنغافورة التي تسودها السياسات المضبوطة، والتعامل الامني مع الشخصيات المعارضة. وقد حصل افتراق بين غير الملاويين بماليزيا، ونظرائهم في سنغافورة. ففي حين يجري تشجيع لغة الماندارين الرئيسية بالصين بين صينيي سنغافورة، فان الهوكية والكانتونية ما تزالان سائدتين بين صيني ماليزيا. ويشكو صينيو ماليزيا من وجوه الغبن في التجارة والتعليم، والتي عانوا منها تحت اسم المساواة العرقية، والتي تختلط أحياناً بالفساد.
ورغم وجوه التمييز هذه والتي لا وجود لها في سنغافورة طبعا، فان صينيين كثيرين بعد العام 1969 يجدون انهم يستطيعون تحقيق ثروات ونجاحات في ماليزيا اكثر من سنغافورة، بعد ان يدفعو الملاويين انصبتهم، في حين يهمسون بسنغافورة العلمانية لصالح المحظيين من جانب النخبة الحاكمة، ومن جانب الشركات العالمية التي تحصل على امتيازات "ضريبية" بالبلاد. فالروح التجارية الصينية لصينيي ما وراء البحار تجد متسعا لها في ماليزيا اكثر من سنغافورة، حيث للشهادات المهنية والخبرة فرص اكبر ونجاحات.
لقد ضحت ماليزيا ببعض ارقام النمو من اجل إعادة توزيع الثروة بين عناصرها الاثنية. أما سنغافورة فقد ضمت ببعض الحرية الاقتصادية من اجل برامجها للتوفير القسري، وذلك على مذبح النمو الموجه من جانب الشركات المملوكة للدولة. وفي كلا الحالتين، في البلدين، انتهى الامر بوجود بورصات ضخمة تسودها اسهم الشركات العربية من السلطات. وقد قلدت ماليزيا سنغافورة في كثير من افكارها التنموية، وبذلك رفعت من مقدرتها على المنافسة، باستجواب الشركات العالمية، وبالاقتدار على التجارة البحرية والجوية. وفي الوقت نفسه اضطرت سنغافورة للادراك ان ازدهارها تابع لنجاح جارتها، مثل نجاحها على الاقل، في الاسواق المالية العالمية والالكترونيات.

"هيرالدتريبيون"

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف