جريدة الجرائد

من غوريو الأب لبلزاك إلى عمارة يعقوبيان للأسواني - البناية الأمة

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


جهاد الزين


في تاريخ التشكل المعماري لمدينة برلين، ارتبط نمط العمارة السكنية المتعددة الطوابق في القرن التاسع عشر ومعظم النصف الاول من القرن العشرين... ارتبط بتعددها الطبقي، اي بكونها تضم مزيجا من الفئات المتفاوتة الدخل والاصول. لذلك يعتبر العديد من مؤرخي الهندسة المعمارية البرلينية، ان البناية السكنية التقليدية في برلين تشبه "الامة الالمانية". فهي متعددة الطوابق والطبقات ضمن بناء واحد. علامة منتصبة على تنوع وتماسك "الامة الالمانية" في آن معا.

لا تزال الاحياء القديمة من برلين (خصوصا الشرقية) تحفل بهذا النوع من الابنية، البناء يقوم على واجهة خارجية تظهر منها على الشارع الطوابق والشقق الاوسع والاغلى سعرا لانها - حسب منطق الهندسة المعمارية، كما يقدمه بعض نقاد ومؤرخي وفناني المدينة - تتعرض لأشعة الشمس وبالتالي فهي مضيئة اكثر. اما الشقق الداخلية التي تتوزع عادة حول الفناء الخلفي (Hinterhof) الذي يشكل جزءا لا يتجزأ من البناية البرلينية وامتدادا للجزء الخارجي فهي مسكونة بفئات اقل يسرا بسبب سعرها الادنى، ايجارا او ملكية.

لدي في منزلي لوحة مائية صغيرة اشتريتها مرة من برلين لبناية برلينية يظهر في مدى النظر بهوها الداخلي كما زرتُ مرة فنانا وفنانة المانيين داخل استديو اقاماه بعد توحيد برلين في واحدة من هذا النوع من العمارات. لكن لا يحضر في ذاكرتي عمل روائي الماني محوره واحدة من هذا النمط من البنايات التي ازدهرت في العهد البسماركي الذي واكب تبلور الشخضية القومية الالمانية كعصر للتماسك التوحيدي والتنوع الصراعي للامة الالمانية في عاصمتها برلين والعهد الهتلري كعصر للتوحيد القسري الاحادي الذي انتهى... بالنكبة الالمانية في الحرب العالمية الثانية.
العمل الادبي "التأسيسي" من حيث الاسبقية التاريخية الذي يستحق ان نطلق عليه "البناية - الامة" يمكن ان يكون رواية "أونوريه دي بلزاك" "غوريو الأب" التي كتبها في الربع الثاني من القرن التاسع عشر؟ (طبعت للمرة الاولى عام 1835).

نـــجـــاح روايـــة "عمارة يعقوبيان" السريع، كتابا وفيلما سينمائيا للروائي المصري علاء الاسواني هو الذي يثير هذا السؤال المرجعي عن النوع الادبي الذي تنتمي تاريخيا اليه روايته.
في "غوريو الأب" يعتمد بلزاك نزلا تملكه سيدة عجوز في باريس وتدور احداث الرواية التي اعتبرها بلزاك نفسه جزءا مما سماه لاحقا "الكوميديا الانسانية" حول الشخصيات المقيمة في هذا النزل السكني، والتي - اي الشخصيات - تنتمي الى فئات اجتماعية مختلفة.

لا اريد ان اقيم مقارنة مفتعلة. فجَوّا الروايتين يُقارنان ولكن قطعا لا يتشابهان الا حيث المكان الواحد للعيش الذي يضم شخصيات متنوعة المشارب والميول والمصائر. انها "البناية - الأمة". وفي حالة رواية الاسواني انها مصر. شيء ما يتخطى حتى المجمع المديني الذي هو هنا القاهرة في استقبالها للوافدين وفي اعادة تشكيل مصائرهم وفي تبلور او انهيار مصائر القاهريين الاصليين فيها (من هم الاصليون فعلا في اية مدينة حيوية؟ كما سأل مرة مؤرخ بريطاني لمدينة برلين واعتبر ان لا برلينيين في برلين: الكل وافد والفارق زمني. فهذه هي المدينة الحيوية. بينما يرفض طبعا هذا الامر "الباريسيون" اي سكانها الاصليون فيها وطبعا "البيارتة" في لبنان و"الشوام" في دمشق!...).

"قاهرة" علاء الاسواني حتى وهي قاهرية جدا بطبقاتها القديمة والجديدة، كما هي القاهرة المتحولة دائما في روايات نجيب محفوظ واحسان عبد القدوس ويوسف السباعي، هي ليست ايضا "قاهرة" هؤلاء. انها هنا في "عمارة يعقوبيان" العريقة والمتآكلة، المتنوعة والهشة، الفاسقة والعنيفة، الراقية والمبتذلة، المثقفة والامية، الحقيرة والنبيلة، المتدينة اجتماعيا، والمتدينة سياسيا هي اكثر من ان تكون القاهرة فقط، انها كل مصر... في "لحظة" تعب متراكمة للمجتمع المصري.

"عمارة يعقوبيان" على تنوعها، وعلى اتصال بعض شخصياتها المباشر بالسلطة السياسية، هي رواية بناية في ذروة هامشيتها بشرا وحجرا. حتى التاجر الغني فيها، يأتيها في الجزء "الهامشي" من حياته.

طبقات "عمارة يعقوبيان" الاجتماعية مثل طوابقها معظمها متعب وقلق وفاقد للامان. من فقراء - بل معدمي "فوق السطوح" مسلمين واقباطا، الى الاريستوقراطي العجوز الى المثقف المثلي، الى الزوجة الثانية الممنوعة من الانجاب الى وكيل السيارات الذي تُذكّره "السلطة" فورا عندما يحاول ان "يستقل" بانه "تاجر مخدرات"... شرائح اجتماعية متعبة في بناية بورجوازية المنبت، تحتضن بورجوازيين "ضعفاء" وفقراء تحت خط الفقر... من كل الاصول، نساء ورجالا.

هل هذا التوصيف لشرائح اجتماعية مختلفة ومتفاوتة ومتعبة يضعف فكرة "البناية - الامة" في تصنيف النوع الادبي الذي تنتمي اليه رواية "عمارة يعقوبيان"؟
ينبغي ان نذكّر هنا - خصوصا لمن لا يعرف القاهرة الحالية - ان اختيار "عمارة يعقوبيان" في منطقة وسط القاهرة "القديم" الذي هجرته البورجوازية الجديدة منذ الستينات، هو بذاته اختيار لمجمع عريق، متحول، متعدد، متراجع بصورة ما، من مجاميع المجتمع المصري وتحديدا القاهري. بالتالي "عمارة يعقوبيان" اطار ناقص بالضرورة. انه هنا اطار كبير وشديد الدلالة لهذه الاجزاء المتعبة إن لم تكن المطحونة من المجتمع المصري. لكن قوة "البناية - الامة" انها المكان الواحد الذي يضم دفعة واحدة كل هؤلاء "الممثلين" عن ملايين القاهريين والمصريين.

تلك المنطقة من القاهرة هي ايضا - وهنا لست بالضرورة "داخل" الرواية كوقائع - علامة على اهتراء زمن اصيل كان واعدا ومتقدما من ازمنة الحداثة المصرية. فمن حيث الهندسة المعمارية ليست "عمارة يعقوبيان" فريدة في احياء اقيمت ذات يوم على نمط ارقى الاحياء الباريسية ووضع مخططاتها واشرف على بعض مبانيها مهندسون فرنسيون شهيرون. كانت تلك بالتوازي من الربع الاخير من القرن التاسع عشر الى اربعينات القرن العشرين - زمن ابداعات النخبة الثقافية الليبرالية المصرية ومع نهايتها مع الاسف ظهر السقوط المريع لليبرالية السياسية الذي تولد عن العجز عن امساك الدولة امام عواصف الصراع العربي - الاسرائيلي المندلع مع تأسيس اسرائيل.

هنا، كما يظهر للسائح العابر من "ميدان التحرير" نحو "طلعت باشا" ومتفرعاتهما ان ثمة اعادة تجميل لمباني المنطقة ربما تساهم رواية علاء الاسواني والفيلم السينمائي الناجح الذي نتج عنها في اعادة الاعتبار التراثي والثقافي... لهذا الشاهد العمراني "المتعب" على عظمة حقبة الليبرالية السياسية والثقافية في العالم العربي... انطلاقا من مصر.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف