جريدة الجرائد

حوار الباطنيين لا يُثمر

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

سركيس نعوم


صار واضحاً ان "العيدية" الوطنية التي وعد بها رئيس مجلس النواب وزعيم حركة "امل" نبيه بري اللبنانيين هي انعقاد اجتماع غير اجتماعي طبعاً بين الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله وزعيم تيار "المستقبل" النائب سعد الحريري. لكن صار واضحاً في الوقت نفسه ان هذه العيدية قد تتأخر عن موعدها الطبيعي. وقد أكدت ذلك معلومات الزميلة "السفير" صباح السبت الماضي في اشارتها الى طلب الحريري موعداً للقاء نصرالله عبر وسيط موثوق به والى تريث الاخير في التجاوب بحجة ان مناقشة واسعة تدور داخل الحزب حول الوضع الداخلي برمته وتشابكاته الخارجية الذي لا بد ان يكون محور البحث الجدي والعميق بين الزعيمين.

هل يمكن ان يؤدي تأخر "العيدية" الى صرف النظر عنها؟

لا أحد يستطيع اعطاء جواب حاسم وجازم عن هذا السؤال. لكن المواقف السياسية التي يطلقها قادة "حزب الله" منذ مدة والتي يطلقها قادة الاكثرية النيابية والحكومية التي يشكل "المستقبل" ركناً اساسياً فيها لا يبدو انها تسهل عقد اجتماع الزعيمين الا اذا كان الهدف منه اشاعة بعض اجواء الطمأنينة والهدوء في الشوارع اللبنانية المتنوعة والمتناقضة وليس التوصل الى تسوية تزيل التوتر والاحتقان من هذه الشوارع وترسي اسس اعادة بناء الدولة والوطن بموافقة ابنائه كلهم وبتعاونهم.

ابرز المواقف السياسية المذكورة يتعلق بحكومة الوحدة الوطنية. فـ"حزب الله" اكد اكثر من مرة في الفترة الاخيرة اصراره على قيامها منسجماً بذلك مع حليفه المسيحي القوي "التيار الوطني الحر" بزعامة "الجنرال" ميشال عون ومع حلفائه الآخرين وحلفاء سوريا في الوقت نفسه. وآخر هذه الدعوات كان يوم الجمعة الماضي اثناء الاحتفال بـ"يوم القدس" على لسان نائب الامين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم الذي أصرّ على الحكومة المذكورة باعتبار انها بند أول في الدستور اللبناني المنبثق من اتفاق الطائف والذي رفض ان يكون لأي جهة في البلاد أو طرف حق قيادة لبنان في اتجاه معين او الى مكان معين بخلاف رغبة الاطراف الآخرين. أما فريق الأكثرية فان قادته وسياسييه لا ينفكون يرفضون هذه الحكومة اقتناعاً منهم بأنها ذريعة للاستيلاء على البلاد وتعطيل استحقاقات كبيرة مقبلة وتهيئة اجواء اعادة لبنان الى السيطرة السورية التي لا بد ان تشارك فيها هذه المرة وبقوة كبيرة الجمهورية الاسلامية في ايران عبر "حزب الله" الذي تعتبره طهران قبل غيرها وفي أدبياتها والكتب الصادرة عنها "فلذة كبد" هذه الجمهورية رغم لبنانيته التي لا يستطيع أن يشك فيها أحد على الاطلاق.

وفي ظل مواقف كهذه لا يمكن اللقاء ان ينجح، وان بين زعيمين كبيرين كنصر الله والحريري الا اذا توصل كلاهما الى استنتاج ان الصراع بينهما ومن يمثلان وصل الى الذروة وان اياً منهما لن يكون في استطاعته حسمه لمصلحته وان الاستمرار فيه يتسبب بتدمير البلاد وبايقاع شعبها أو بالأحرى شعوبها في الفوضى والفتنة التي هي أشد من القتل. ولذلك فان التساؤل المشروع الذي تثيره التطورات الحالية في البلاد هو: هل صار الزعيمان المذكوران ومع من يمثلان سواء في الداخل أو في الخارج جاهزين للقاء مثمر على الصعيد الوطني؟ والجواب الاولي عنه هو: كلا، الا طبعاً اذا فاجأ هؤلاء جماهيرهم بحكمة حقيقية وبأجندة واضحة وظاهرة محلية وخارجية وتخلوا عن الباطنية التي جعلتهم أو على الاقل جعلت معظمهم يعلن شيئاً يطلبه اللبنانيون كلهم في حين ان ما يضمره هو شيء آخر فئوي في احسن الأحوال. والدافع الى الجواب السلبي المشار اليه هو الممارسة منذ انتهاء الحروب في لبنان وعليه عام 1990، فيومها وعلى مدى 16 سنة رفض الافرقاء المسيطرون بفعل شعبيتهم وبفعل الوجود السوري ومنهم "حزب الله" فكرة حكومة الوحدة الوطنية او الوفاق الوطني معتبرين ان ذلك تؤمنه المناصفة في الحكومة بين المسلمين والمسيحيين. وادى ذلك الى أمرين. الاول، انسحاب الفاعليات المسيحية وعلى رأسها بكركي من الدولة وحكوماتها واداراتها وتالياً اضعاف الدور السياسي للمسيحيين في البلاد.

والثاني، ادخال قائد "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع عام 1994 السجن بتهمة تفجير كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل والتي ثبتت براءته منها وان لعدم كفاية الدليل. وكانت تلك رسالة الى الجميع للتخلي عن فكرة الوحدة الوطنية الفعلية وحكومتها وخصوصاً عندما تمسك جعجع بمبدأ الثلث المعطل في الحكومة. وكان الدافع الفعلي في تلك المرحلة للمطالبة المسيحية المفصلة اعلاه اقتناعهم بأن هناك نية لتهميشهم وخصوصاً بعد خسارتهم الحرب. اما اليوم فان المطالبة نفسها تتكرر، ولكن من جهات شكلت الاكثرية طوال سنوات السيطرة السورية على البلاد، وهي تخاف اليوم من التهميش وخصوصاً بعد خسارتها الاكثرية عام 2005 وخسارتها الاقليمية بخروج سوريا من لبنان في 26 نيسان من العام نفسه بطلب شعبي لبناني عارم مواكب بطلب ملح من مجلس الأمن.

لذلك كله على كل الافرقاء اللبنانيين المنضوين منذ 14 شباط 2005، تاريخ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، في معسكرين واحد يحمل اسم "14 آذار" وآخر يحمل اسم "8 آذار" ان يكفوا عن الاستخفاف بعقول الناس عبر ادعاء ان مواقفهم السياسية تنبع من عوامل وطنية وقومية وان يصارحوهم بحقيقة دوافعهم وان لا يخجلوا منها، رغم انها قد تكون مدعاة للخجل في القرن الحادي والعشرين، ولا سيما منها المذهبية والطائفية وأحياناً كثيرة الشخصية والمتصلة باستراتيجيات تتجاوز البلاد. فالمصارحة العاقلة وغير التحريضية هي التي تنقذ البلاد، وخصوصاً اذا رافقتها نية صادقة لانقاذ لبنان. اما استمرار الباطنية واستمرار كل فريق في اتهام الآخر بما هو فيه كذلك لن يضعا البلاد الا على سكة الخراب. فإبعاد لبنان عن الحوار الدولي لا يكون بالارتماء في احضان محور اقليمي معاد له. بل يكون بتعزيز استمرار لبنان جزءاً من الأمة العربية، وترسيخ بناء دولته المستقلة القوية العادلة. والمحاور اياً تكن هوياتها لا تؤمن ذلك.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف