جريدة الجرائد

السعودية و«سقيفة» الحكم الجديدة

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك



مشاري الذايدي


بصدور "أمر" الملك عبد الله بن عبد العزيز بإنشاء هيئة البيعة، وفق قانون خاص يحكمها، واختصاص محدد تقوم به، هو ضبط عملية اختيار الملك وولي عهده، بما يكفل اتحاد الاسرة الملكية والمحافظة على البلاد، تكون الدولة السعودية قد وسعت مساحة الاطمئنان السياسي لدى الشعب، وأضفت مزيدا من الاستقرار الدستوري.

هذا أول انطباع يشعر به الإنسان السعودي، او يرصده المراقب لمشاعر الناس، فالآن، نستطيع الحديث عن "سقف" دستوري، مكتوب بوضوح، يحكم عملية انتقال الحكم من ملك الى ملك. صحيح أن النظام الاساسي للحكم الصادر 1992 في عهد الملك فهد تحدث عن هذا الجانب، لكنه كان حديثا مقتضبا، غير أن هذا النظام الجديد راعى في مواده الـ25، اكثر الاحتمالات، بل وانتبه حتى للاحتمالات النادرة الوقوع، مثل عجز الملك وولي عهده او وفاتهما في وقت واحد، ورأينا مصطلحات جديدة على القاموس السياسي السعودي، مثل مصطلح "مجلس الحكم المؤقت".

نعم، بات بمقدرونا الاطمئنان، أنه حتى في اسوأ السيناريوهات حدوثا، مثل أن يشتد الخلاف والاختلاف حول الحكم، فإن هناك مرجعية وآلية تضبط هذا الخلاف والاختلاف. فهناك مواد قانونية واضحة وشفافة تعالج اغلب الحالات المفترضة بلا حرج معتاد، حالات مثل العجز الصحي او عدم صلاحية الشخصية المقترحة لموقع الملك او ولاية العهد، فالفقرة (ب) من المادة السابعة لنظام هيئة البيعة تقول: "للملك في أي وقت أن يطلب من الهيئة ترشيح من تراه لولاية العهد. وفي حالة عدم موافقة الملك على من رشحته الهيئة، وفقا لأي من الفقرتين "أ" و"ب" من هذه المادة، فعلى الهيئة التصويت على من رشحته وواحد يختاره الملك، وتتم تسمية الحاصل من بينهما على أكثر الأصوات وليا للعهد".

والفقرة الحادية عشرة تقول: "في حالة توفر القناعة لدى الهيئة بعدم قدرة الملك على ممارسة سلطاته لأسباب صحية، تقوم الهيئة بتكليف اللجنة الطبية المنصوص عليها في هذا النظام، بإعداد تقرير طبي عن الحالة الصحية للملك".

وهكذا، نرى معالجة شفافة، تضع الحلول القانونية في حال اختلاف الهيئة مع ترشيح الملك، او في حال اقتناعها بوجود مانع يؤثر في صلاحية الحكم لدى الملك أو ولي عهده.

الوضوح والصراحة، قد يكونان محرجين، ولكنهما هما اللذان سينفعان حينما تحصل حالة من الحالات المحذورة او المتوقعة، وحينها لا تقع البلاد والدولة، أو يجب ان لا تقع، في المتاهة.

والحازم هو من يتوقع المشكلة قبل وقوعها، وليس من الضروري أن تقع، ولكنه إن واجهها، سيكون مسلحا ومستعدا لها.

هذا من حيث المبدأ العام. يبقى الآن الحديث عن بعض الهواجس، التي قد تثار بخصوص هذا النظام، حول الشرعية والسلامة المنهجية الفقهية.. ومإ الى ذلك، وهو "لغط" بدأ يظهر في بعض المساحات الهامشية، يخفي خلفه اسئلة مبطنة حول مفهوم "ولاة الامر"، وإشكالية العلاقة بين العلماء والامراء المعروفة في ميراثنا الفقهي والتاريخي، هواجس مثل أن "نظام هيئة البيعة" قد يكون إحداثا في الدين وبعدا عن الصراط ، والحق أن النظام الجديد لم "يخترع" شيئا على مستوى المفاهيم الاساسية في الحكم الاسلامي، كما نُظّر له ومورس من مئات السنين، وكذلك في الممارسة التاريخية للدولة السعودية.

كل ما جرى، على هذا الصعيد الشرعي، هو صياغة حديثة، لما كان يمارس أصلا، وايضا وعلى صعيد آخر، كشفا وشفافية وتقنينا لما كان يجري من مداولات داخل البيت السعودي حول الحكم.

شيء آخر، تدوين دستور مكتوب ينص صراحة على انحصار الحكم في سلالة معينة، عمل به قبل حوالي قرن ونصف القرن، والباحث الكويتي الدستوري احمد الديين يخبرنا في كتابه (السلف والخلف في وراثة العروش) عن القانون الأساسي العثماني الصادر في 14 ديسمبر 1876 الذي ينص في مادته الثالثة على: "أن السلطنة السنية العثمانية الحائزة الخلافة الكبرى الاسلامية تكون لأكبر اولاد سلالة آل عثمان، بحسب الاصول القديمة".

ويتحدث عن أقدم وثيقة دستورية عربية تتناول مسألة توارث الحكم في التاريخ العربي الحديث، وهي قانون الدولة التونسية الصادر في 26 ابريل 1861، إبان حكم البايات الحسنيين، حيث نصت المادة على: "أكبر هذا البيت الحسني هو الذي يتقدم لولاية المملكة عند انقضاء سلفه على عادة آله المقررة المألوفة، ولا يتقدم صغير على كبير الا بعذر يعجزه عن خدمة المملكة"، ثم يخبرنا الديين عن "أول" مملكة عربية تنص في دستورها على مبدأ التوارث، وهي المملكة العربية السورية، التي حكمها الملك فيصل بن الحسين الهاشمي. فقد نص دستورها على حصر الملك في الاكبر فالأكبر من أبناء فيصل الاول، متسلسلا على هذه القاعدة. وعلى المنوال ذاته نص دستور المملكة العربية الصادر عام 1925، التي حكمها ايضاً فيصل بن الحسين بعد خروجه من سوريا.

وأما تأطير مفهوم البيعة بصياغة قانونية حديثة، فهو فرع من مسألة أشمل، وهي تدوين الفقه الاسلامي قانونيا بشكل عام. ونحن نعلم أن الاحكام السلطانية هي فرع من الفقه، لكن لخطر شأنها أفردت بالبحث، فجزء إذن من مشكلة نظام البيعة الجديد، او الذين ستكون لهم مشكلة على هذا الصعيد، هي في جانب منها جزء من المشكلة مع مبدأ التقنين.

وبالعودة الى مسألة البيعة والتوريث، وانا هنا اتحدث عن تاريخ اسلامي مديد، يطالبنا كثيرون بالعودة إليه، والى مظلته بوصفها الحالة الشرعية، فنحن نعلم أن الفقهاء الاوائل تحدثوا عن مبدأ التوريث، حينما اصبح أمرا واقعا منذ ايام الامويين، ومضى التاريخ كذلك. وقد دافع الماوردي في الاحكام السلطانية (توفي 450 هـ)، كما يذكر عدنان اسمندر في كتابه (النبوة والخلافة والإمامة) عن فكرة ولاية العهد، مستدلا بتوجيه الرسول لقادة معركة مؤتة بالتعاقب على إمارة الجيش، اذا قتل احد منهم، وقال :"وإذا فعل النبي (ص) ذلك في الإمارة، جاز مثله في الخلافة". وقال: وقد عمل بذلك في الدولتين (يقصد الأموية والعباسية) من لم ينكر عليه أحد من علماء عصره. أي أن ولاية العهد تعطى لأكثر من واحد. (الأحكام السلطانية ص40).

والحقيقة أن نظام هيئة البيعة الجديد، هو جديد في التدوين والصياغة، لكنه يستند الى سوابق تاريخية كثيرة، قد تعود بنا الى لحظة "سقيفة بني ساعدة"، التي شهدت اول جدل سياسي حول شكل الحكم والدولة في الاسلام، بعد وفاة النبي مباشرة، حينما هتف ابو بكر الصديق في جموع الانصار والحاضرين محتجا بأحقية قريش بالحكم لأن: "العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش"! وهو هنا يحتج بحجة واقعية وعملية، معروفة للجميع. وحينما نتحدث عن الحالة السعودية فإن الجميع يعلم، بصرف النظر عن خلفية المراقب السياسية او الفكرية، واذا ما استعرنا عبارة الخليفة ابي بكر، بشكل يلائم مناسبة حديثنا، أن السعوديين، من الشرق للغرب، ومن الشمال للجنوب، لا يدينون إلا لهذا الحي من آل سعود.

أما، في الجانب الآخر، جانب المترددين في صلاحية مفهوم البيعة للزمن المعاصر، الذي هو محكوم بمفاهيم مختلفة في الفلسفة السياسية، ومعايير حكم نابعة من عصر جديد في الفكر السياسي، فرغم تعقيد هذا المسألة، لكني اتذكر هنا حوارا أجريته مع الدكتور رضوان السيد، المختص بالفكر السياسي في الاسلام، وصاحب المؤلفات المهمة فيه، حوار نشر في

"الشرق الاوسط" في اغسطس 2003، قلت له ما خلاصته: هل تعتقد أن فكرة "البيعة" تصلح كأساس لبناء عقد سياسي واجتماعي بين السلطة والشعب، أم نحن بحاجة لأساس جديد؟

فأجاب: "البيعة ليست تقليدا خاصا بالمسلمين، بل هي من تقاليد إتمام المشروعية في الأنظمة الملكية في العالم كله، والذي يجب الرجوع إليه الآن هو أصل الشورى المفضية لإسباغ المشروعية بالإجماع أو بالأكثرية. وإذا كنا لم نمارس الصيغ الانتخابية في صناديق الاقتراع في تاريخنا القديم، فالأمم الأخرى لم تمارسها كذلك، وهي تمارسها الآن، من دون أن يخل ذلك بأديانها. فالشأن السياسي، كما يقول سائر فقهائنا ليس شأنا تعبديا، فالاحتكام فيه للمصالح وأفضل أشكال التقدير والتدبير، والذين يتحدثون عن البيعة وعقدها اليوم، لا يفعلون ذلك في الحقيقة لأنهم يحبون التاريخ الإسلامي، (فهم يقولون إن الانحراف بدأ منذ أيام معاوية)، بل لأنهم يعتبرون الشأن السياسي جزءا من الدين، ولست ادري كيف يقول هؤلاء إن الشورى ملزمة (يعني أنها تملك سلطة)، ثم يريدون العودة للبيعة التي لا ترتبط بالشورى في تاريخنا كله؟" وهو تساؤل ذكي ومربك فعلا.

على كل حال، لست أشك في أن إصدار نظام البيعة في السعودية، خطوة كبرى في مسيرة البلاد الدستورية، وفي ظني أن ذلك سيطلق دورة "فضول إيجابي"، وزخم فكر سياسي جديد لدى المختصين والعموم، حول مفاهيم شرعية سياسية مثل: البيعة، أهل الحل والعقد، وأيضا مفاهيم حديثة مثل: الدستور.

هيئة البيعة، صحيح أنها محصورة في أبناء الملك المؤسس عبد العزيز، وممثليهم من الابناء، ومحصورة بوظيفة معينة حول تعيين الملك وولي العهد، إلا أنها هي "البرلمان الكامل" في البلد، لأنها تملك التأثير الحقيقي بأصواتها. ومجلس الشورى، مع الإقرار بتطوره وتقدمه، إلا أنه يظل مجلسا معينا، وقد تساءل البعض: هل ستنتقل "آلية" عمل هيئة البيعة، المتقدمة جدا، إلى مجالس وهيئات أخرى في البلد؟ في ظني أنها ستنتقل، ولكن ليس الآن، وبشكل تدريجي، فخير لنا أن نملك شروط النجاح في إجراء ديموقراطية حقة، بدل ان نمارسها من دون نجاح، والأنكى ان نمارسها ثم نلحق الضرر بأنفسنا بل وبها، عبر تهديم ما بني من انجازات، وبرغم كل ما يمكن ان يقال عنها، الا انها افضل من برلمان لا يشغله الا منع حفلات نانسي عجرم، وما شاكلها من قضايا.

وكما قال المفكر المثير جورج طرابيشي في آخر كتبه (هرطقات عن الديموقراطية)، صحيح أن: "الانظمة العربية لا تتحمل انتخابا حرا، ولكن المجتمعات العربية لا تتحمل رأيا حرا!". وأيضا: "الديموقراطية هي بالأساس ظاهرة مجتمعية، والمجتمع هو في المقام الاول نسيج من العقليات".

على كل حال، من يدري؟! قد تكون تجربة هيئة البيعة مرجعية، ومستندا لتجارب اخرى، من أجل سعودية اقوى واغنى بابنائها، وبذرة لثمرة يانعة، تقطف حين نضجها، وليست وهي بعد تنمو، والسعيد من اتعظ بغيره، ولم يستعجل! مرة اخرى، وكما يقول طرابيشي:

"الديموقراطية بذرة برسم الزرع وليست ثمرة برسم القطف".

وكل عام وانتم بخير..

mshari@asharqalawsat.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف