رمضان ..زمن للاستبشار بالخير وليس للتبشير بالشؤم!
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
غسان تويني
"كل عام وأنتم بخير أيها اللبنانيون".
فآمنوا بالخير وتفاءلوا به تجدوه.
نقول ذلك لأننا، بكل صراحة، بل وقاحة، سئمنا نعيق "البوم" وبقية وجوه الشؤم و"تبشيرهم" بزوال لبنان، وهرولتهم لإقفال كل نافذة يمكن ان يتسرّب منها بعض النور والأمل في تجاوز مآسينا التي نعرفها (وهم ليسوا منها براء!) وكأنما زوال لبنان "كان مقدراً".
في الزمن الذي وصفته سحر بعاصيري (مقالها أول من امس) بزمن "الازدحام الالهي" (وهي تعلّق مستهزئة على ادعاء بوش ورامسفيلد وشركائهما انهم يقررون حروبهم التعيسة بوحي الهي!) - في هذا الزمن يحسن بنا ان نقرأ مقالاً (ليتها كانت قد قرأته قبل ان تكتب) يقول فيه أحد رؤساء تحرير النيويورك تايمس (18 تشرين الأول) ان جورج دبليو بوش سيسجل التاريخ اسمه وذكراه على أنه الرئيس الذي سرق من الاميركيين تفاؤلهم... "التفاؤل الذي كان يبثه رؤساء عظام كفرنكلين روزفلت فيجعلونه القوة الكبرى التي توحّد الشعب حول مثلٍ عليا تمكّنهم من التغلّب على أخطر الصعاب والانتصار في أعظم المعارك، ثم ابتكار أعظم الاختراعات".
وكان أحرى بالكاتب الاميركي ان يذكر الرئيس جون كينيدي الذي استشهد في خطبة القسم التي القاها عند تسلمه الرئاسة بكلام لجبران خليل جبران في هذا الاتجاه بالذات، عن العزم والتصميم والثقة كمصادر قوة من المواطن للحكم الذي يمثله وأبعد، كمصدر قوة للوطن والأمة قائلاً للمواطن لا تسألني ماذا سيعطيك الوطن، بل ماذا في وسعك انت ان تحييه به.
bull; bull; bull;
نتذكر الرئيس كينيدي واستشهاده بالمفكر اللبناني النهضوي الأكبر لنقول ان الإرث الذي منه تنبت الثقافة الطبيعية للبنانيين ليس ارث شؤم ولا هي ثقافتنا "ثقافة الموت"، بل ثقافة الحياة والايمان بالحياة. وتلك هي كذلك الاديان التي حملنا رسالتها الى العالم: اديان رجاء وفرح، لا أديان يأس وشؤم و... أنبياء شؤم.
bull; bull; bull;
أما بعد، يقودنا هذا السرد الى كلمة كتبها روائي روسي معاصر، نستشهد بها لا للتوازن بالطبع، بل لأنها ربما كانت تصلح منطلق سلوكنا طريقاً لمعالجة ازماتنا بافضل من القنوط واليأس:
قال: "ندّعي دائماً ان الحقيقة الى جانبنا. فلماذا لا نحاول، عوض ذلك، ان نكون نحن الى جانب الحقيقة؟".
لعلنا اذا حاولنا - انما معاً وبعقلانية وصفاء واحترام متبادل واحدنا لرأي الآخر - البحث عن الحقيقة في كل قضية وكل موقف، نتمكن اذذاك من التوافق على استلهام الحقيقة، بل الوقوف الى جانبها طبعاً "معاً" والتوصل الى ما يصفونه باللغة السياسية العامية، بـ"جوامع" (لا "قواسم") مشتركة تمكننا من التفاؤل ببلوغ الحقيقة والوقوف الى جانبها بدل التقاتل باسمها، وهي في تقاتلنا الضحية؟
نقول ذلك كله متوجهين الى انبياء ثقافة البؤس والموت المقدّر، والذين لا يبغون انتصاراً الا بالاستقتال... لعلهم لا يزالون يقرأون، فيفهمون ويرتدعون.
ثم نتوجه بذلك كله الى الأنظمة التي "يهتدي" هؤلاء بعقائدياتها البدائية فنقول لها - للأنظمة ولأسيادها ولو كانوا مستنقعين في جهالة بائسة - ان الدور الذي يطمحون الى فرض الاعتراف بحقهم فيه...
هذا الدور يعود اليهم اذا هم توسّلوا البناء بدل الهدم والتهويل بالخراب والدعوة الى الاغتيال.
تنعم شعوبهم اذذاك بدورها في اشاعة الاستقرار بدل العيش باستمرار في حالات نزاع مفتعل طمعاً بصفقات دولية خرافية لا تطعم خبزاً ولا تحقق امناً ولا سلاماً.
bull; bull; bull;
نحلم (وهل الحلم ممنوع؟) نحلم، نعم، بثقافة وأنظمة ديمقراطية كنا فيها شركاء من أقدم العصور (بالإذن من أميركا وديمقراطيتها المجوقلة التي تستنزل وحي آلهة الحرب الزائفين لإشاعة السلام)...
نحلم، ثم يجب ان نخطط لمثل الديمقراطية التي كان خير نموذج لحكامها بيريكليس، باني حضارة اثينا في القرن الخامس قبل الميلاد وقال عنه المؤرخون انه "كان اذا وجد المواطنين في حال زهوٍ من غير حق، ايقظ فيهم الشعور بالمسؤولية وادراك الخطر. أما اذا كان المواطنون في حال احباط وخوف، فكان يعرف كيف يستنهضهم ويقودهم الى النصر والعمران".
نحلم؟ وهل الحلم ممنوع؟
وماذا يبقى لنا من الحياة اذا هجّرنا منها أحلامنا والتفاؤل والطموح الى الحق والخير، بل الجمال والالتزام بالايمان لقيم الحياة الفضلى؟