جريدة الجرائد

فصل من رحلة إلى الشرق للامارتين مترجماً إلى العربية

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

لم أعرف شعوراً مماثلاً وأنا أنظر الى مشهد جبال لبنان
التي لها طابع مميز لم أره لا في "الألب" ولا في "طورس"


من ضمن الكتب التي أصدرتها "مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري في دورة "شوقي ولامارتين" في باريس، الاسبوع الفائت مختارات من "رحلة الى الشرق" للامارتين، ترجمة د. جمال شحيد وماري طوق ومراجعة واختيار د. علي عقله عرسان ود. الهام كلاب.
هنا فصل من الكتاب يصف لامارتين فيه زيارته لبيروت.
***

بيروت 6 أيلول 1832، الساعة التاسعة صباحاً
كنا أمام بيروت، إحدى أكثر المدن كثافة على ساحل "سوريا"، كانت في الماضي تدعى "بيريت" (Beryte)، ثم أصبحت مستعمرة رومانية في عهد الإمبراطور "أوغسطوس" (Auguste) الذي لقبها بـ"جوليا السعيدة" (Felix Julia). لقد أعطيت لها صفة السعيدة بسبب خصوبة أرجائها، ومناخها الذي لا شبيه له، وعظمة موقعها. وتمتد المدينة فوق هضبة جميلة تنحدر بشكل لطيف باتجاه البحر، في حين تتقدم بعض الرؤوس وبعض الصخور داخل الأمواج لتحمل بعض التحصينات التركية التي تترك انطباعاً جميلاً، ويغلق الخليج لسان من الأرض يحمي البحر من الرياح الشرقية. وتغطي هذا اللسان الترابي وكل الهضاب المجاورة نباتات غنية، وقد زرعت أشجار توت الحرير في كل مكان، وارتفعت فوق الجلول الاصطناعية، في حين كانت أشجار الخروب ذات الخضرة الداكنة والاستدارة المهيبة، وأشجار التين، والدلب والبرتقال والرمان والعديد من الأشجار أو الشجيرات الغريبة التي لا تنبت في مناخاتنا، كانت تنشر الشراع المتجانس لأوراقها المتنوعة، فوق كل أجزاء الساحل المجاور للبحر، وفي البعيد، على أول المنحدرات الجبلية رأينا غابات الزيتون وهي تلامس المشهد بأوراقها الرمادية المفضضة، وعلى بعد فرسخ تقريباً من المدينة، تمكنّا من مشاهدة سلسلة جبال "لبنان" الشاهقة وهي تنتصب وتفتح شعابها العميقة التي يضيع فيها البصر وينأى في الظلمات البعيدة، لتصب فيها سيولها الواسعة التي غدت أنهراً، وتمضي في اتجاهات عديدة، يذهب بعضها باتجاه "صور" (Tyr) و"صيدا" (Sidon)، وبعضها الآخر باتجاه "طرابلس" و"اللاذقية" (Latakie)، وتشبه قممها المتفاوتة التي ضاعت بين الغيوم أو ابيضت بسبب انعكاس الشمس، تشبه جبال "الألب" في بلادنا التي يغطيها الثلج الأزلي.
وكان رصيف بحر "بيروت" الذي يغسله الموج بلا انقطاع ويغمره بالزبد في بعض الأحيان، مليئاً بجمهرة من العرب المزدانين ببهاء ثيابهم الساطعة وأسلحتهم. ورأينا هنا حركة ناشطة تشبه حركة الأرصفة في مدننا البحرية الكبرى، كانت عدة سفن أوروبية راسية في الخليج على مقربة منا، والزوارق المحملة ببضائع "دمشق" و"بغداد" تذهب وتعود بلا توقف بين الساحل والسفن، وكانت منازل المدينة ترتفع وتتجمع بشكل فوضوي، وأسطح بعضها قد غدا بمثابة شرفات لبعضها الآخر. هذه المنازل ذات السقوف المسطحة، لبعضها درابزونات محززة، وهذه النوافذ المتعددة الأقواس، وهذه الدرفات المصنوعة من الخشب المطلي التي تغلق بإحكام مثل حجاب للغيرة الشرقية، ورؤوس أشجار النخيل هذه التي تبدو وكأنها نبتت وسط الأحجار، والتي تعلو وترتفع فوق أسطح المنازل لتحمل بعض الخضرة لعيون النساء المسجونات في الحرملك. كل هذا كان يخطف بصرنا وينبئنا بالشرق: وسمعنا صرخات بدو الصحراء الحادة وهم يتنازعون على الأرصفة، وأنين الجمال الحاد والحزين التي كانت تصرخ من الألم عندما تثنى ركبها لكي يحمل فوقها المزيد من الأثقال. لقد شغلنا هذا المشهد الجديد والآسر للعيون، حتى أننا لم نفكر بالنزول في وطننا الجديد. بينما كانت راية "فرنسا" تخفق فوق قمة سارية موضوعة على سطح أحد منازل المدينة الأكثر ارتفاعاً، وبدت وكأنها تدعونا للذهاب وللاستراحة في ظلها، بعد إبحارنا الطويل والشاق.
لكن عددنا كان كبيراً ولدينا متاع كثير، لذلك لم نغامر بالذهاب قبل أن نتعرف على البلد وأن نختار منزلاً، إن استطعنا إيجاد منزل. تركت زوجتي "وجوليا" واثنين من أصحابي على ظهر السفينة، وطلبت أن يوضع الزورق في البحر لكي أذهب للاستكشاف.
وخلال دقائق معدودة قذفت بي الى الرمل موجة جميلة مسطحة وفضية، وحملني بعض الأعراب الذين كانت سيقانهم عارية، على أذرعهم الى مدخل شارع معتم وسريع يقود الى قنصلية "فرنسا". ولم يكن القنصل "غي" (Guys) الذي كنت أحمل له بعض الرسائل، والذي تعرفت اليه سابقاً في "مرسيليا" قد وصل بعد. ووجدت مكانه السيد "جوريل" (Jorelle)، مدير القنصلية وترجمان "فرنسا" في "سوريا"، وكان شاباً ينبئ محياه الجميل والعطوف بحسن خصاله، وقد بررت أفضاله الكثيرة علينا خلال إقامتنا الطويلة في "سوريا" الانطباع الأول الذي تركه في نفوسنا. قدم لنا جزءاً من بيت القنصلية لنسكن فيه مؤقتاً، ووعدنا أن يبحث لنا عن منزل في الضواحي لكي نحط فيه رحالنا. وخلال ساعات قليلة، انتهت زوارق سفن عدة وحمالو "بيروت" تحت إشراف عساكر القنصلية، من تفريغ عالمنا بأكمله ومؤننا المختلفة، وقبل حلول الظلام كنا جميعاً على اليابسة، في مسكننا المؤقتة، ننعم بفضل وعناية السيد والسيدة "جوريل". يا لها من لحظة ممتعة، فما إن تصلالى بلد غريب بعد رحلة طويلة وعاصفة، حتى تنظر من فوق شرفة معطرة وضاحكة الى البحر الذي تركته أخيراً لمدة طويلة، والى السفينة التي حملتك عبر العواصف، والتي ما زالت ترقص في الخليج الهائج، والى الريف الظليل والهادئ الذي يحيط بك، والى كل مشاهد الحياة فوق اليابسة التي تبدو جميلة جداً بعد أن حرمت منها لمدة طويلة، إن في انطباعات الساعات الأولى والأيام الأولى التي تقضيها على اليابسة بعد الإبحار ما يشبه الشعور بالنقاهة والتعافي بعض مرض طويل. لقد استمتعنا بسهرتنا كلها. إن السيدة "جوريل" هي شابة صغيرة امرأة رائعة ولدت في "حلب" (Alep)، واحتفظت بزي النساء العربيات الغني والنبيل، أي العجار، والسترة المطرزة، والخنجر في الخصر. لم نتوقف عن تأمل زيها الرائع الذي كان يظهر بشكل أكبر أيضاً جمالها الشرقي.
وفي المساء قدموا لنا عشاء على الطريقة الأوروبية، ونحن نجلس في صالة تطل نوافذها العريضة والمشبكة على المرفأ، إذ كان فيها هواء المساء المنعش يداعب لهب الشموع. فتحت صندوقاً من نبيذ فرنسا وأضفته الى وليمة الضيافة هذه، وقضينا الأمسية بالحديث عن البلدين، البلد الذي تركناه والبلد الذي نسعى اليه: وسؤال عن "فرنسا" كان يجيب على سؤال عن "آسيا". كانت "جوليا" تلعب بضفائر بعض النساء العربيات الطويلة، أو بضفائر بعض الإماء الزنجيات، اللواتي جئن لزيارتنا، كانت تتأمل هذه الملابس الجديدة بالنسبة لها، وكانت أمها تضفر خصل شعرها الطويل الشقراء وهي تقلد طريقة نساء "بيروت" أو تلف شالها فوق رأسها على شكل عجار. لم أر في حياتي وجهاً أكثر روعة، من بين كل وجوه النساء اللاتي اختزنتهن ذاكرتي، من وجه "جوليا" وهي تعتمر العجار الحلبي، مع القلنسوة المطرزة بالذهب التي تتدلى منها حبال اللؤلؤ وقطع النقود الذهبية، وضفائر شعرها المتدلية على كتفيها، وهذه النظرة المندهشة التي تحطها على أمها وعليّ، وهذه الابتسامة التي كأنها تقول لنا: "استمتعوا، وانظروا كم أنا جميلة أيضاً".
بعد أن تحدثنا مئة مرة عن الوطن، وذكرنا أسماء كل الأماكن والأشخاص التي تجمعنا بهم ذكريات مشتركة، وبعد أن أعطونا كل المعلومات التي يمكننا الإفادة منها، بدأنا بالحديث عن الشعر: رجتني السيدة "جوريل" أن أسمعها بعض مقاطع من الشعر الفرنسي، وترجمت لنا بدورها بعض قصائد من الشعر الحلبي. قلت لها إن الطبيعة تكون دائماً أكثر شعرية من الشعراء، وإنا الآن في هذه اللحظة، وفي هذه الساعة، وفي هذا الموقع الجميل، وفي ضوء القمر هذا، وهي ترتدي هذا الزي الغريب، وتمسك هذا الغليون الشرقي بيد والخنجر ذا القبضة المرصعة بالألماس في خصرها، إنها أجمل من كل المواضيع الشعرية التي استعرضناها في ذاكرتنا. وبما أنها أجابتني بأنه يسعدها الحصول على تذكار من رحلتنا لترسله الى والدها في "حلب"، في بضعة أبيات مكتوبة من أجلها، انسحبت لبرهة من الزمن وعدت اليها بالأبيات التالية التي لا قيمة لها الا بسبب المكان الذي كتبت فيه وشعور العرفان الذي ألهمني اياها:
ومنها:
يا أنت التي تطلبين مني بخور الشعر!
أنت، فتاة الشرق، التي ولدت في هواء الصحراء!
زهرة حدائق حلب التي اختارها البلبل
لكي يضنى ويصدح فوق كأسه المفتوح!
أنعطي الرائحة للعطر الذي تفوح منه؟
انعلق الثمار على أغصان أشجار البرتقال؟
هل نعير الفجر الشرقي أنواره،
أو النجوم الذهبية لسماء الليالي اللامعة؟
(...)
لم نستطع الانسحاب من أول مشاهد هذه الحياة العربية. سنرتاح أخيراً، وللمرة الأولى بعد ثلاثة أشهر، في اسرة، وسوف ننام دون أن نخاف الأمواج. كانت ريح عنيفة تجأر فوق البحر، وتهز جدران الشرفة العالية التي ننام تحتها، وتجعلنا نستمتع بشكل أكبر أيضاً بقيمة هذه الاقامة الهادئة بعد ذلك الاهتزاز الطويل. فكرت في ان "جوليا" وزوجتي أصبحتا أخيراً، ولمدة طويلة، بمنأى عن الأخطار، وكنت في سهري أعد كل السبل لتأمين إقامة مريحة لهما، بينما أتابع بنفسي مسار رحلتي في هذه الأماكن التي وطأتها قدمي أخيراً.
7 أيلول 1832
استيقظت مع طلوع النهار، وفتحت المصراع المصنوع من خشب الأرز، وهو الوسيلة الوحيدة لاغلاق الغرفة التي كنا ننام فيها في هذا المناخ الجميل. ألقيت نظرتي الأولى على البحر وعلى سلسلة الشواطئ اللامعة التي تمتد وتستدير من "بيروت" الى رأس الـ"بترون" (Batroun)، في منتصف الطريق الى "طرابلس".
لم أعرف شعوراً مماثلاً وأنا أنظر إلى مشهد الجبال. ان لجبال "لبنان" طابعاً مميزاً لم أره لا في جبال "الألب" ولا في جبال "طوروس": إنه مزيج من سمو الخطوط والقمم المهيب، بالاضافة إلى جمال التفاصيل وتنوع الألوان؛ انها جبال وقورة مثل اسمها، إنها جبال "الألب" تحت سماء "آسيا"، جبال تغوص قممها الهوائية في السكينة العميقة للروعة الأبدية. يبدو وكأن الشمس ترتاح إلى الأبد فوق زوايا قممها المذهبة: ويمتزج البياض الناصع الذي تطبعها به، بالثلوج التي تستمر، حتى منتصف الصيف، فوق القمم الأكثر ارتفاعاً. وتمتد الجبال أمام العين مسافة ستين فرسخاً على الأقل، ابتداء من رأس "صيدا" (Saide) التي كانت "صيدون" (Sidon) في الماضي، وحتى "اللاذقية" تقريبا، حيث تبدأ عندها بالانحدار لتسمح لجبل "طوروس" ان يلقي بجذوره في سهول "الاسكندرون".
وأحياناً ترتفع سلسلة جبال "لبنان" بشكل عمودي تقريباً فوق البحر، مع قراها وأديارها الكبيرة المعلقة فوق مهاويها؛ وتبعد أحياناً أخرى عن الساحل فتشكل خلجاناً كبيرة، تترك آثاراً خضراء أو حدوداً من الرمل الذهبي الذي يفصلها عن الأمواج. وتجتاز الأشرعة تلك الخلجان وتنزل من المراسي الكثيرة التي تزين الشاطئ. ويتراوح لون البحر فيها من الأشد زرقة الى الأشد قتامة؛ وعلى الرغم من وجود الرياح الشديدة، فان الموجة الكبيرة والعريضة تتدحرج في ثنيات واسعة فوق الرمال وتعكس صورة الجبال مثل مرآة صافية. وتلقي هذه الامواج في كل انحاء الشاطئ، همهمة صماء، ومتجانسة، ومبهمة ترتفع حتى تصل الى ظلال الكروم وأشجار الخرنوب، وتملأ الريف حياة وأصواتا. وينخفض ساحل "بيروت" على يساري؛ وهو عبارة عن سلسلة من الالسنة الترابية المغطاة بالخضرة والتي يفصلها عن الموج خط من الصخور ومن الارصفة الصخرية التي تغطي اغلبها اوابد قديمة. وعلى بعد مسافة قريبة، رأينا تلالا من الرمل الأحمر الذي يشبه رمل صحراء "مصر" تتقدم مثل رأس، وهي نقطة علام بالنسبة الى البحارة؛ وفي اعلى الرأس شاهدنا قمما عريضة على شكل مظلة مؤلفة من اشجار الصنوبر الايطالي، ينزلق البصر بين جذوعها المبعثرة ويذهب ليرتاح على سفوح سلسلة جبلية أخرى من جبال "لبنان" حتى يصل الى رأس عال متقدم في البحر يحمل فوقه مدينة "صور" (TYR.
وعندما نظرت الى الجهة المقابلة للبحر، رأيت مآذن المساجد العالية مثل اعمدة متفرقة، وهي تنتصب في هواء الصباح الأزرق والمتموج؛ ورأيت الحصون العربية التي تسيطر على المدينة، والتي تسمح جدرانها المتشققة بنمو غابة من النباتات المتسلقة، والتين البري، والمنثور، ثم رأيت حزيات الدفاع البيضوية في الأسوار؛ ثم قمم الأرياف المسطحة والمزروعة بأشجار التوت؛ ورأيت هنا وهناك السطوح المستوية وجدران منازل الريف البيضاء أو أكواخ الفلاحين السوريين؛ وأخيراً في الأفق البعيد، رأيت مروج هضاب "بيروت" المستديرة التي تحمل كل المباني الجميلة، والأديار اليونانية، والأديار المارونية، والمساجد أو مزارات الأولياء، وكانت مغطاة بالأوراق الخضراء، وبالمزروعات مثل اكثر هضاب "غرونوبل" (grenoble) أو "شامبيري" (Chambery)خصوبة. وكان "لبنان" خلفية لكل هذه المشاهد: "لبنان" الذي يأخذ الف استدارة، ويتجمع في كتل هائلة، ويلقي بظلاله الكبيرة أو يغطي بثلوجه اللامعة العالية مشاهد هذا الأفق بأكملها.
التاريخ نفسه
قضيت النهار بأكمله وأنا أتجول في ضواحي "بيروت" للبحث عن مكان مريح أتخذ منه منزلاً لي.
استأجرت خمسة منازل تشكل مجموعة واحدة، وتتصل في ما بينها بأدراج خشبية وأروقة وفتحات... ويتألف كل منزل هنا من قبو يستخدم كمطبخ، ومن غرفة تنام فيها العائلة بأكملها مهما كان عدد أفرادها. ان المنزل الحقيقي في مناخ كهدا، هو السطح الذي يبنى ليكون شرفة. وهنا تقضي النساء والاطفال معظم ايامهم، ولياليهم في أغلب الأحيان. ويبني العربي امام المنزل. بين جذوع بعض اشجار التوت، موقداً بثلاثة احجار؛ وهنا تحضر له زوجته الطعام. ويلقون بحصيرة من القش فوق عصا تمتد من الجدار حتى اغصان الشجرة. وتحت هذا الملجأ تجري الحياة المنزلية بأكملها. تقضي النساء والفتيات نهارهن وهن جالسات القرفصاء ومنهمكات في تسريح وتجديل شعورهن الطويلة، وتنظيف مناديلهن، واطعام دجاجاتهن، أو في اللعب والحديث مع بعضهن، كما تفعل الفتيات صباح الاحد في قرانا في وسط "فرنسا" حيث يتجمعن أمام أبواب الأكواخ.
التاريخ نفسه
قضيت النهار بأكمله وأنا أتجول في ضواحي "بيروت"، للبحث عن مكان مريح اتخذ منه منزلاً لي.
استأجرت خمسة منازل تشكل مجموعة واحدة، وتتصل في ما بينها بأدراج خشبية وأروقة وفتحات. ويتألف كل منزل هنا من قبو يستخدم كمطبخ، ومن غرفة تنام فيها العائلة بأكملها مهما كان عدد افرادها، ان المنزل الحقيقي في مناخ كهذا، هو السطح الذي يبنى ليكون شرفة. وهنا تقضي النساء والأطفال معظم ايامهم، ولياليهم في اغلب الأحيان. ويبني العربي امام المنزل، بين جذوع بعض اشجار التوت، موقداً بثلاثة احجار؛ وهنا تحضر له زوجته الطعام، ويلقون بحصيرة من القش فوق عصا تمتد من الجدار حتى أغصان الشجرة. وتحت هذا الملجأ تجري الحياة المنزلية بأكملها. تقضي النساء والفتيات نهارهن وهن جالسات القرفصاء ومنهمكات في تسريح وتجديل شعورهن الطويلة، وتنظيف مناديلهن، ونسج حريرهن، واطعام دجاجاتهن، أو في اللعب والحديث مع بعضهن، كما تفعل الفتيات صباح الاحد في قرانا في وسط "فرنسا" حيث يتجمعن أمام أبواب الأكواخ.
التاريخ نفسه، مساء
مر النهار بأكمله في تفريغ السفينة وحمل متاع مخيمنا من المدينة الى منزلنا الريفي، سيحصل كل واحد منا على غرفته الخاصة، بينما يمتد حول المنازل الخمسة المجتمعة، حقل واسع من اشجار البرتقال والتوت، فيسمح لكل منا بالسير قليلا امام بابه ويعطيه بعض الظل ليتنفس. اشتريت حصراً مصرية وبسطاً دمشقية لكي تكون لنا بمثابة أسرّة وآرائك. ووجدت نجارين عربا نشيطين وأذكياء جدا وقد بدأوا بالعمل ليصنعوا لنا النوافذ والابواب؛ وسنذهب هذا المساء للنوم في مسكننا الجديد.
8 أيلول 1832
لا اجمل من الاستيقاظ بعد ليلتنا الاولى في منزلنا. طلبنا احضار الفطور الى اوسع شرفاتنا، وتعرفنا بأبصارنا على كل المناطق المحيطة بنا.
كان المنزل على بعد عشر دقائق من المدينة، ولنصل اليه علينا المرور في دروب تظللها اشجار الصبار العملاقة التي تصل ثمارها الشائكة الى رؤوس المارين. ثم نسير بمحاذاة بعض القناطر القديمة وبرج مربع عملاق بناه "فخر الدين" (Fakardin) امير الطائفة الدرزية وهو يستخدم اليوم كبرج مراقبة لعدة كتائب في جيش "ابراهيم باشا"(librahim pacha)، ومن هنا تتم مراقبة الريف بأكمله. نمر بعد ذلك من بين جذوع اشجار التوت لنصل الى مجموعة من البيوت المنخفضة التي يحيط بها بستان ليمون وبرتقال. ان هذه البيوت غير منتظمة، والبيت الذي في الوسط يرتفع مثل برج مربع، ويرتفع على شكل هرم جميل فوق البيوت الأخرى. وتتصل كل سطوح هذه البيوت بواسطة بعض الدرجات الخشبية، وتشكل مجموعة ملائمة جداً للضيوف الذين قضوا اياما عديدة بين سطحي سفينة تجارية.
ويتقدم البحر في الارض على بعد مئة خطوة منا، وعندما نراه من هنا، من فوق رؤوس اشجار الليمون الخضراء وأشجار الصبار، يبدو لنا مثل بحيرة داخلية جميلة، أو نهراً واسعاً لا نبصر الا جزءاً منه. وترسو فيه بعض المراكب العربية، وتتأرجح بتراخ فوق الامواج الخفيفة. واذا صعدنا الى الشرفة العلوية تتحول هذه البحيرة الجميلة الى خليج واسع، يسد احد اطرافه قصر "بيروت" العربي، بينما تغلق طرفه الاخر سلسلة الجبال التي تنحدر باتجاه "طرابلس" مشكلة جداراً هائلاً وقاتما. لكن الأفق يتسع أمامنا بشكل أكبر: فيبدأ بالركض فوق حقل من الحقول المزروعة بشكل رائع وجميل والمحفوفة بالأشجار التي تحجب التراب تماماً، وتتوزع هنا وهناك بعض المنازل التي تشبه منزلنا، وترتفع أسطحها مثل أشرعة بيضاء فوق محيط من الخضرة؛ ثم يعود الأفق فيضيق بين هضبة مرتفعة وجميلة تحمل فوق قمّتها ديراً يونانياً يظهر بجدرانه البيضاء وقبابه الزرقاء؛ وعلى ارتفاع أكبر، تحلق بعض قمم أشجار الصفصاف فوق قباب الدير نفسه. وتنحدر الهضبة بواسطة جلول تدعمها جدران من الأحجار، وتحمل على سفوحها غابات من أشجار الزيتون والتوت. ويأتي البحر ليبلل آخر المدرجات السفلية؛ ويبتعد بعد ذلك، ليبدأ في البعيد سهل آخر بالاستدارة، ثم ينحفر ليسمح لنهر قد جرى طويلاً بين غابات البلوط الخضراء، بأن يصب في الخليج الذي اصفرّت مياهه على الجوانب. ولا ينتهي هذا السهل إلا على سفوح الجبال الذهبية. إن هذه الجبال لا ترتفع دفعة واحدة؛ بل تبدأ بهضاب كبيرة تشبه كتلاً ضخمة، بعضها مستدير وبعضها مربّع تقريباً؛ وتغطي بعض النباتات قمم هذه الهضاب، وكل واحدة منها تحمل ديراً أو قرية تعكس ضوء الشمس وتشدّ إليها الأبصار. ويلمع القسم الأسفل من الهضاب مثل الذهب: إنها جدار من الحجر الرملي الأصفر الذي كسّرته الزلازل، وكل قطعة منه تعكس النور وتُرسله. وفوق هذه الجبال الأولى تمتد مرتفعات "لبنان"؛ هناك هضاب تبلغ فرسخاً أو فرسخين: هضاب متفاوتة، محفورة، مثلومة، تتخللها السيول، وجاري السيول العميقة، والشعاب المعتمة التي يضيع البصر فيها. ثم تعود الجبال العالية للانتصال بشكل عمودي تقريباً بعد هذه الهضاب؛ ورأينا أحياناً بعض الخمائل السوداء الجميلة المكوّنة من أشجار الأرز والصنوبر؛ وبعض القرى المجهول ةالتي تبدو وكأنها تميل فوق الهاوية. وفوق أكثر قمم السلسلة الثانية حدّة، لمحنا أشجاراً باسقة شكّلت ضفيرة نادرة فوق رأس أصلع. وشاهدنا من هنا قممها المسننة والمتفاوتة الارتفاع، والتي تشبه الحزّيات الموجودة على رؤوس القلاع.
ويرتفع "لبنان" الحقيقي أخيراً خلف هذه السلسلة الثانية؛ ونستطيع أن نميّز إذا ما كانت السفوح شديدة أو خفيفة الانحدار، وإذا ما كانت عارية أو مغطاة بالنباتات: لكن المسافة كبيرة جداً. وتمتزج هذه السفوح، لشفافية الهواء، بالهواء نفسه التي يبدو وكأنها جزء منه: فلا نرى في الجو إلا انعكاسات نور الشمس الذي يلفّها، وقممها المشتعلة التي تمتزج بغيوم الصباح القانية، والتي تحوم مثل جزر نائية في أمواج السماء.
فإذا نزلت أبصارنا من أفق الجبال المهيب، فإنها لا تجد محطاً لها إلا فوق باقات النخيل العظيمة التي زرعت هنا وهناك في الريف وبالقرب من المنازل العربية، وفوق التموجات الخضراء لرؤوس أشجار الصنوبر التي زرعت على شكل باقات صغيرة في السهل أو على سفوح الهضاب، أو على سياج التين الهندي، أو بعض النباتات اللحمية الأخرى التي تتدلى أوراقها مثل زخرفات حجرية، وفوق الجدران الاستنادية التي تحمل الشرفات. إن هذه الجدران نفسها بنبات الحزار المُزهر، وباللبلاب الأرضي، والكرمة البرية، والنباتات البصلية ذات الأزهار المتنوعة الألوان، والعناقيد المتنوعة الأشكال والتي نكاد لا نميّزها عن الحجارة التي بُنيت منها هذه الجدران، ما هي إلا أسوار من الخضرة والورود.
وأخيراً على مقربة منّا منزلان أو ثلاثة منازل شبيهة بمنزلنا، مغطاة تقريباً بقبة من أشجار البرتقال المزهرة والمثمرة، والتي تمنحنا المشاهد الحية والبديعة التي هي حياة كل المشاهد الطبيعية. كان بعض الرجال العرب يدخنون وهم جالسون فوق الحصر على أسطح المنازل. وتنحني بعض النسوة من النوافذ لرؤيتنا أثناء مرورنا، ثم يختبئن عندما يرين أننا ننظر إليهن. وتحت شرفتنا نفسها، عائلتان عربيتان؛ الآباء والإخوة والنساء والأطفال، يتناولون الطعام تحت شجرة دلب صغيرة أمام عتبة منزلهم؛ وعلى بعد خطوات من هنا، تحت شجرة أخرى فتاتان سوريتان فائقتا الجمال، ترتديان ملابسهما في الهواء الطلق، وتزينان شعورهما بالأزهار البيضاء والحمراء. وكان لإحداهما شعر طويل وكثيف يغطي جسمها بالكامل، مثلما تغطي أغصان شجرة الصفصاف جذع الشجرة من كل النواحي: وعندما كانت تحرك شعرها الغزير كنّا نرى فقط جبهتها الجميلة وعينيها المشرقتين بالسعادة البسيطة واللتين كانتا تخترقان للحظة هذا الحجاب الطبيعي. وبدا أنها تستمتع بإعجابنا بها؛ فألقيت بها بحفنة من الغوازي، وهي قطع نقدية صغيرة من الذهب تصنع منها النساء السوريات الأطواق والأساور بعد أن يجمعنها بواسطة خيط من الحرير. جمعت الفتاة راحتيها ورفعتهما فوق رأسها لتشكرني ثم دخلت الى الغرفة المنخفضة لتري الغوازي لأمها وأختها.
12 أيلول 1832
كان "حبيب بربارة" (Habib-Barbara)، وهو رومي سوري يسكن في "بيروت" ويقيم بالقرب منّا، يتولى مهمة الترجمة بالنسبة لنا. لقد عمل كترجمان في قنصليات فرنسية عدة، وهو يتكلم الفرنسية والإيطالية؛ إنه من أشد الرجال الذين التقيتهم في أسفاري لطفاً وذكاء: ولولا مساعدته ومساعدة السيد "جوريل" لعانينا الكثير من المشاق في إقامتنا في "سوريا". لقد زوّدنا بالعديد من الخدم، بعضهم من الروم وبعضهم من العرب؛ اشتريت في البداية ستة خيول عربية غير أصيلة، ووضعتها كما يفعل أهل البلد في الهواء الطلق، في حقل أمام الباب، وقد رُبطت أقدامها في حلقات حديدية، وثُبّتت في وتد مزروع في الأرض. ثم نصبت خيمة بالقرب من الخيول من أجل السائسين. وهؤلاء الرجال هم لطفاء وأذكياء! أما بالنسبة الى الحيوانات فقد باتت بعد يومين تعرفنا وتشمّ رائحتنا مثل الكلاب. لقد قدّمنا "حبيب بربارة" الى زوجته وابنته التي سوف تتزوّج بعد ذلك بأيام عدة ودعانا الى عرسها. كنا نتشوّق لمشاهدة عرس سوري، فقبلنا الدعوة وبدأت "جوليا" بتحضير هداياها الى الخطيبة. أعطتها ساعة ذهبية أحضرتها على سبيل الاحتياط من أجل مناسبات كهذه؛ وأضافت إليها سلسلة من اللؤلؤ. امتطينا الخيول لنتعرّف على أنحاء "بيروت": كان حصان السيدة "جوريل" حصاناً عربياً رائعاً؛ سرجه من المخمل الأزرق المزيّن بالفضة؛ مع حزام من المعدن المنقوش نفسه، يخفق مثل الضفائر ويجلجل فوق صدر هذا الحيوان الجميل. لقد باعني السيد "جوريل" أحد أحصنته كي تركبه زوجتي؛ وأوصيت أن تُصنع لي سروج وألجمة من أجل أربعة عشر حصاناً.
على بعد نصف فرسخ من المدينة، من جهة الشرق، زرع الأمير "فخر الدين" غابة من الصنوبر فوق هضبة رملية تمتد من البحر الى سهل "بغداد"، وهي قرية عربية جميلة في سفح "لبنان"؛ ويقال أن الأمير قد زرع هذه الغابة ليصنع سوراً يقابل تلال الرمل الأحمر الهائلة التي ترتفع بالقرب من هنا والتي تهدّد بابتلاع "بيروت" ومزروعاتها الغنية. لقد غدت الغابة بديعة: وتراوحت جذوع الأشجار من ستين الى ثمانين قدماً دفعة واحدة، وهي تمد من شجرة الى أخرى رؤوسها العريضة والثابتة، وتغمر بالظل منطقة واسعة؛ وتنزلق تحت جذوع أشجار الصنوبر دروب رملية، وتقدّم المسار الأكثر نعومة أمام أقدام الخيل. ورأينا من بين أعمدة جذوع الصنوبر كثبان الرمال البيضاء والحمراء التي تحجب البحر من جهة؛ ومن الجهة الأخرى رأينا سهل "بغداد" ومجرى النهر في هذا السهل، وشاهدنا جزءاً من الخليج يشبه بحيرة صغيرة، لأنه محاط بالحقول بشكل كامل، ولمحنا الاثنتي عشرة أو الخمس عشرة قرية عربية المتناثرة فوق آخر سفوح "لبنان"، وأخيراً رأينا مجموعات "لبنان" نفسه التي تصنع ستار هذا المشهد. إن النور واضح جداً، والهواء نقي لدرجة أننا على ارتفاع فراسخ عدة، ميّزنا أشكال أشجار الأرز والخرّوب فوق الجبال، أو أجنحة النسور الكبيرة التي تسبح في محيط الأثير من دون أن تحرّك أجنحتها. لا شك في أن غابة الصنوبر هذه هي أجمل موقع رأيته في حياتي. السماء، والجبال، والثلوج، وأفق البحر الأزرق، وأفق صحراء الرمل الأحمر والجنائزي؛ ومجاري الأنهار المتعرّجة؛ ورؤوس السرو المعزولة؛ وعناقيد النخيل المتفرقة في الأرياف؛ وجمال منظر الأكواخ المغطاة بأشجار البرتقال والكرمة التي تسقط فوق أسطحها؛ وأشكال الأديار المارونية العالية والقاسية، وهي تشكّل بقعاً من الظل أو من الضوء فوق سفوح "لبنان" المتعرّجة؛ وقوافل الجمال المحملة ببضائع "دمشق" وهي تمر بصمت بين جذوع الأشجار، وثلة من اليهود الفقراء الذين يركبون الحمير وكل واحد منهم يحمل طفلين في كل ذراع، ونساء مجللات بمناديل بيضاء يمتطين أحصنة تسير على وقع الطبل والزمر وحولهن جمهرة من الأطفال الذين يرتدون الأقمشة الحمراء المطرزة بالذهب ويرقصون أمام الأحصنة، وبعض الفرسان العرب وهم يؤدون سباق الجريد من حولنا على صهوات خيول تكاد عروفها تلامس الأرض، ومجموعات من الأتراك أمام قهوة مبنية من أوراق الأشجار وهم يدخنون الغلايين أو يؤدون الصلاة، وعلى مسافة ليست ببعيدة تمتد هضاب الصحراء الرملية الى ما لا نهاية، تتشح بالذهب تحت أشعة شمس المساء، حيث يرفع الهواء غيوماً من الغبار المشتعل، وأخيراً، همهمة البحر الصماء التي تمتزج بأصوات الريح الموسيقية في رؤوس أشجار الصنوبر، وغناء آلاف العصافير المجهولة، كل هذا يقدم لعين وفكر الشخص المار أعظم وألطف وأتعس مزيج استطاع أن يسكر روحه في يوم من الأيام: إنه موقع أحلامي، وسوف أعود اليه كل يوم.
16 أيلول 1832
لقد قضينا كل هذه الأيام في متعة المعرفة العامة التي يجب أن نتحلى بها في ما يخص الناس والعادات والأماكن والتفاصيل الطريفة التي نصادفها أثناء إقامتنا في بلد غريب تماماً عنا. لقد أصبحت منازلنا الخمسة بمساعدة أصدقائنا والعمال العرب، اصبحت تشبه فيلا إيطالية، مثل تلك التي سكناها بمتعة في جبال "لوك" (Lucques) أو على سواحل "ليفورنو" Livourne، في الأزمنة الماضية. كان لكل منا غرفته الخاصة، وغرفة استقبال تليها شرفة مزينة بالأزهار وهي مركز الاجتماع. وضعنا فيها أرائك (دواوين)، ورتبنا مكتبتنا التي كانت على ظهر السفينة فوق بعض الألواح: لقد دهنت زوجتي "وجوليا" الجدران المزينة باللوحات، ووضعتا فوق طاولة مصنوعة من خشب الأرز كتبهما وحاجاتهما الضرورية، وكل تلك الأشياء الصغيرة التي تزين بها النساء، في "لندن" و"باريس"، طاولات المرمر والزان، وهنا كنا نجتمع في ساعات النهار المحرقة، لأن صالوننا في المساء كان في الهواء الطلق، على الشرفة، وهنا كنا نستقبل جميع الأوروبيين الذين يحملون تجارتهم الى "دمشق" والذين كانت "بيروت" بالنسبة اليهم بمثابة مكتب ثابت في هذا البلد الجميل. لقد جاء الحاكم المصري الذي يمثل "إبراهيم باشا" لزيارتنا وقدم لنا بلطف ومودة، تفوقان ما نراه في أوروبا، حمايته ومساعدته أثناء إقامتنا وخلال الرحلات التي نزمع القيام بها فدعوته لتناول العشاء معنا هذا المساء: إنه رجل لا يسيء الى أي اجتماع مهما كان نوعه وفي أي مكان كان. لقد كان جندياً قديماً لدى باشا "مصر"، ولقد احتفظ لمعلمه ولـ"ابراهيم" بشكل خاص، بهذا التفاني الأعمى والمؤمن بالقدر الذي أتذكر أني رأيت مثيله لدى جنرالات الإمبراطور، لكن كان لهذا الإخلاص التركي شيء مؤثر وأكثر نبلاً، لأنه يتعلق بمشاعر دينية، وليس بمصلحة شخصية. إن "إبراهيم باشا" هو القدر، وهو كل شيء بالنسبة الى ضباطه، أما "نابوليون" فلم يكن يمثل الا المجد والطموح بالنسبة لرجاله. لقد شرب بمتعة نبيذ منطقة الـ"شامبانيا" وشاركنا في كل تصرفاتنا كما لو أنه لم يعرف غيرها في يوم من الأيام، وقضينا الوقت بعد العشاء في التدخين وتناول القهوة التي قدمت مرات عديدة. وسلمته رسالة الى "إبراهيم باشا" أعلمه فيها بوصول مسافر أوروبي الى البلد الخاضع لإمرته، وأطلب فيها الحماية التي نتوقعها من رجل يحارب في سبيل الحضارة الأوروبية. لقد مر "إبراهيم" من هنا مع جنوده قبل ذلك بوقت قليل، وهو الآن قرب "حمص" (Homs)، وهي مدينة كبيرة تقع بين "حلب" و"دمشق"، في الصحراء، لقد ترك بعض فرق جيشه في "سوريا"، إن المدن الكبيرة مثل "بيروت" و"صيدا" و"يافا" (Jaffa) و"عكا" (Acre) و"طرابلس" يحتلها بالاتفاق مع "إبراهيم" الأمير "بشير" (Beshir)، أو أمير الدروز الأكبر، الذي يحكم "لبنان". إن هذا الأمير لم يقاوم وإبراهيم، لقد تخلى عن الدفاع عن الأتراك ظاهرياً على الأقل، بعد احتلال "إبراهيم" لمدينة "عكا"، وقد دمج قواته مع قوات الباشا. ولو خسر "إبراهيم باشا" في "حمص" لاستطاع الأمير "بشير" أن يحول دون اسنحابه وأن يقضي على الفلول المصرية. إن هذا الأمر الذكي المحارب يحكم جبل "لبنان" منذ أربعين عاماً. لقد جمع في شعب واحد الدروز والمتاولة والموارنة والسوريين والبدو العرب الذين يعيشون جميعهاً تحت إمرته: وله أبناء محاربون مثله، أرسلهم ليحكموا المدن التي عهد اليه "إبراهيم" بها، ويعسكر أحد أبنائه على بعد ربع ميل من هنا، في السهل المجاور لجبال "لبنان" مع خمسمائة أو ستمائة فارس عربي. يجب أن نزوره: لقد أرسل خبراً يعبر عن ترحيبه بنا.
لقد حكى لي رجل عربي اليوم قصة دخول "إبراهيم" الى مدينة "بيروت". كان "إبراهيم" على بعد مسافة قريبة من الباب، وكان عليه أن يجتاز طريقاً محفوراً على شكل خندق ومغطى بالجذور المتسلقة والشجيرات المتشابكة، وإذ بثعبان هائل يخرج من بين الأدغال ويتقدم ببطء وهو يزحف فوق الرمل حتى وصل أمام قدمي حصان "إبراهيم"، فخاف الحصان وشب فأسرع بعض العبيد الذين كانوا يتبعون الباشا سيراً على الأقدام، ليقتلوا الثعبان: لكن "إبراهيم" أبعدهم بحركة من يده، واستل سيفه وقطع رأس الحيوان الزاحف المنتصب أمامه، ثم داس على أجزائه بقدمي حصانه: فشهقت الجموع بصرخة إعجاب، وتابع إبراهيم طريقه وقد ارتسمت البسمة فوق شفتيه مبتهجاً بهذه المناسبة التي هي بشير النصر المحتوم بالنسبة للعرب. إن هذا الشعب لا ينظر الى أية حادثة من حوادث الحياة، أو الى أية ظاهرة طبيعية دون أن يربطها بتأويل نبوي أو أخلاقي: هل هو التأثير الغامض لهذه اللغة الأولى التي هي أكثر كمالاً مما يطمح اليه الناس، تلك اللغة التي تتحدث الطبيعة فيها بكل عناصرها؟ أم هو خيال خصب يبحث بين الأشياء عن صلة ما لا يستطيع الإنسان استيعابها؟ لست أدري، لكنني أميل للتفسير الأول: لا تمتلك الإنسانية غرائز لا مبرر لها، ولا هدف لها ولا سبب، إن غريزة التنبؤ قد أقلقت كل العصور وكل الشعوب، وخاصة لدى الشعوب البدائية، لقد وجدت العرافة إذن، أو بإمكانها أن توجد، لكنها لغة أضاع الإنسان مفتاحها عندما خرج من مكانته العالية، من جنة عدن التي احتفظت جميع الشعوب بإرث مبهم عنها: ها هي الطبيعة إذن تخاطب فكر الإنسان بصوت أعلى وأوضح، ويتصور الإنسان العلاقة الخفية لكل الظواهر الطبيعية، ويتصور ترابطها الذي يمكن أن يقوده الى إدراك الحقائق أو الأحداث المستقبلية، لأن الحاضر هو دائماً البزرة المولدة والصائبة للمستقبل، ينبغي علينا فقط أن نراه وأن نفهمه.
17 أيلول 1832
يتكرر نمط الحياة نفسه. يمضي النهار بزيارة واستقبال العرب والفرنسيين، وباكتشاف الأنحاء الجميلة القريبة من مكان خلوتنا. لقد وجدنا الكثير من اللطف والطيبة لدى القناصلة الأوروبيين الموجودين في "سوريا" والذين دفعتهم ظروف الحرب الى التجمع في "بيروت". لقد ساعدنا قنصل "سردينيا" (Sardaigne)، السيد "بيانكو" (Bianco)، وقنصل "النمسا، السيد "لوريلا" (Laurella)، وقنصلا "إنكلترا" السيدان "فارن" (Farren) و"ابوست" (Abost) على الاحتكاك بشكل سريع بكل العرب الذين باستطاعتهم مساعدتنا في مشاريع سفرنا في المناطق الداخلية. من المستحيل أن يجد المرء استقبالاً وحسن ضيافة أفضل مما وجدنا هنا. لقد سكن بعض هؤلاء السادة في "سورية" لسنوات عديدة، ولهم علاقات مع العائلات العربية في "دمشق"، و"القدس" و"حلب"، وهم بدورهم على علاقة مع شيوخ العرب البدو في الصحارى التي سوف نجتازها. وهكذا شكلنا مسبقاً سلسلة من التوصيات، وعلاقات الضيافة على مختلف الخطوط التي يمكن ان تقودنا الى "بغداد".
1ـ يطلق المؤلف اسم "الصحراء، في رحلته على اماكن هي قفاروبواد وأماكن جرداء قاحلة، وينسب الناس اليها، ولكن اسم الصحراء بالمعنى الدقيق للكلمة لا ينطبق على كل ما يطلق هذا الاسم عليه. وليس في بلاد الشام صحراء سوى في سيناء وتدمر وهو لم يزرهما في رحلته هذه التي يتكلم عنها في هذا الجزء من كتابه "رحلة الى الشرق" إن الحماد الصحراوي صفة ملائمة لبعض الأماكن التي يصفها

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف