ما تحت القشرة الطائفية
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
الخميس 30 نوفمبر 2006
أفق آخر
خيري منصور
يخطئ من يظن أن الحروب الطائفية هي بالفعل تعبير عن احتدامات عقائدية خالصة، وقد يكون من دواعي التصنيف، هذا الاختزال الذي يعزل الايديولوجي عن الاقتصادي وبالتالي عن السياسي.
والصراع الدائر الآن في لبنان والعراق يتعرض لاختزال وتسطيح يليقان بما هو أدنى مرتبة من القتل والدم.
في لبنان، يضم تيار الرابع عشر من مارس/ آذار في الشارع والبرلمان والحكومة، مسيحيين من مختلف المذاهب، ومسلمين سنة، ودروزاً، وليس في هذا التيار تجانس عقائدي، لأن الأهداف سياسية، وثمة تغليب لهدف على آخر كي لا نقول هناك تغليب لاستراتيجية على تكتيك، ولو خلال هذه المرحلة ذات الخصوصيات المعروفة.. وسنة العراق بينهم الغني والفقير، والمسيس والمحايد، كما أن الشيعة أيضاً ليسوا متماثلين في شروط حياتهم، سياسياً وطبقياً واجتماعياً، وفي عهد البعث كان هناك وزراء من الشيعة ومسؤولون حزبيون، وقادة في مختلف الحقول، وما كان يجمع هؤلاء بزملائهم السنة هو السياسة وقد تكون المصلحة أيضاً لأنها غير قابلة للحذف من أية معادلة إنسانية.
الحربان العالميتان في النصف الأول من القرن الماضي لم تكونا بين مسلمين ومسيحيين، بل بين مسيحيين ومسيحيين، وحروب الفتن في التاريخ الإسلامي لم تكن بين مسلمين وملاحدة، بل بين مسلمين ومسلمين أيضاً، عندما ادعت كل فرقة من الفرق المتناحرة ان سبعين سواها في النار وهي وحدها للجنة.
إن الحروب أشد تعقيداً من هذا التصنيف الأفقي، والحروب الصليبية لم تكن كما يقول أهم مؤرخيها دينية خالصة، إذ كان هناك من الدوافع ما هو اقتصادي وسياسي أيضاً، ولن تعدم أية امبراطورية أو دولة في التاريخ الحيلة لتبرير تمددها خارج حدودها الاقليمية باتجاه الآخرين، لأن لكل حرب أمراءها وجنرالاتها وبالتالي أبواقها التي تحترف تسويغها، واعطاءها الشرعية التاريخية أو الدينية أو الأخلاقية.
لكن ما يجب الانتباه إليه في هذا السياق، هو أن دوافع التحالف يجب أن يتم البحث عن جذورها خارج المدار الإعلامي المعلن، لأن هناك حقاً يراد به باطل، وهناك منطقاً يوظف لاستدراج الوعي الى اللامعقول والعبث، ونحن نعرف ان صلصال التاريخ يجب ان يبرد قليلاً قبل ان تمتد اليه أصابع المؤرخين، تماماً كما هو الحال بالنسبة لصانعي التماثيل، لكن هذا التسويف لا يتيح للشهود الصمت دهراً، خصوصاً إذا كانوا شهوداً عياناً، ورأوا بالعين المجردة ما سيحتاج القادمون الى تلسكوب كي يشهدوه.
وبالنسبة للمثال العراقي، وهو الأدعى الآن على الأقل للتأمل، فإن ldquo;الميدياrdquo; التابعة والمسيرة بقوة العواصف السياسية مهدت لهذا الاحتراب، عندما قسمت العراق الى تضاريس طائفية وأوشكت أن تقول للعالم انه مقسم على الأرض، بل هو أشبه ببرتقالة أو بطيخة تستدرج السكين بسهولة الى خطوطها.. إن ما يضاعف البلبلة وإرباك الوعي الآن رغم وفرة وسائل الإعلام والفضائيات هو استخدام رؤى ومناهج فقدت صلاحيتها لاستقراء ظواهر طازجة، فتحت القشرة في كل حرب طائفية نوازع أخرى منها القومي والطبقي وهذا ما يفسر لنا اقتتال الطائفة مع نفسها عندما لا تجد طائفة أخرى تشتبك معها تبعاً لمفهوم الانشقاق واحتكار الشعار.