جريدة الجرائد

بيروت : افتتاح حاشد في الذكرى الأولى لاغتيال تويني

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


منال شعيا - ماري كلير فغالي


ابى الا ان يكون حاضرا، متكلما، مدافعا عن الصحافة. بالامس، اطل علينا جبران كعادته جريئا، مقداما. وبحزم: قال: "الصحافة المتهمة بالتحريض، تقول ان المسؤولين هم الذين ضربوا لبنان على مدى اربعين سنة، ومهما كثرت الصعاب، سيبقى كل صحافي يكتب حتى آخر نقطة حبر في قلمه، وحتى آخر نقطة دم في قلبه".
على وقع هذه الرسالة، ادفأ جبران قلوب الحاضرين في قاعة "البيال"، والذين اوجعهم غيابه منذ عام، الا اربعة ايام. غياب رفض الاهل والاصدقاء والزملاء ان يصدقوه، ورفض هو نفسه ان يفارقهم. ولأنه لا يعقل ان يقام الحفل، ولا يحضر المحتفى به، كان ان افتتح جبران مؤتمر "الصحافة تحت الحصار"، حاضرا بالصوت والصورة اللذين يتحديان الموت.
"هيك الوطن بدو"، اغنية تتردد على مسامع الوافدين. اهل واصدقاء كانوا على الموعد امس، وزملاء اجانب، وافراد من عائلة "النهار" لفوا اعناقهم بوشاح ابيض طبعت عليه صورة الشهيد، وهم يرددون معه "يجب الا يتكلم اي صحافي على خط احمر. هذا ممنوع"، فكان ان عانق الحرية حتى الدم الاحمر.
وسط التصفيق، دخل والد الشهيد النائب غسان توني، محني الظهر، طاعنا في الفخر بولده الذي اضحى "اسطورة". جلس، محدقا الى صورة ابنه المتأمل في الافق بعينين لامعتين وكأنه يفكر في مستقبل لبنان، فيما قسمه "دفاعا عن لبنان العظيم" يملأ ارجاء القاعة.

بخطى واثقة، تقدمت نايلة تويني واخذت مكانها، مستمعة الى مقتطفات من مواقف ابيها الذي طالما شدد على ان "النهار" استمرارية لأنها جريدة تتخطى الشخص لتكون ارثا ومدرسة ومؤسسة للشباب". لحظات ويحين دورها في اعتلاء المنصة.
العاشرة والنصف اكتمل الحضور، ايذانا ببدء المؤتمر الذي انتصر للحرية وكرّم جبران تويني في الذكرى الاولى لاستشهاده، بدعوة من "الاتحاد العالمي للصحف" وجريدة "النهار". وبعد دقيقة صمت على روح آخر شهيد من "انتفاضة الاستقلال" الوزير بيار الجميل، عرض وثائقي عن حياة جبران، سرعان ما ابكى الحضور. صور كثيرة مرت، ومواقف عديدة سجلت كأنها اليوم، ولعل اكثر ما اثر في الجمهور حين قال: "ما بدنا يصير في ولاد ما عندن اب".
وبعدما غنى الفنان غسان صليبا على انغام موسيقى اسامة الرحباني "وطني بيعرفني" و"كان العمر بأولو" قدم رئيس مجلس ادارة "الاتحاد العالمي للصحف" جائزة جبران تويني الدولية السنوية الاولى الى رئيسة تحرير صحيفة "يمن تايمز" ناديا السقاف.

الحادية عشرة قبل الظهر بدأ الاحتفال في "البيال" وضاقت الطرق المؤدية الى مكان الحفل بالمشاركين، مما أدى الى تأخير الاحتفال نحو نصف ساعة إفساحاً في المجال لوصول المحتشدين في الخارج.
كان في استقبالهم رئيس مجلس ادارة "النهار" النائب غسان تويني والمديرة العامة المساعدة نايلة تويني وسهام تويني وميشيل تويني والسيدة ميرنا المر بوشرف وزوجها وأفراد العائلة. وحضر: ممثل رئيس مجلس النواب الوزير ياسين جابر والوزراء مروان حماده وغازي العريضي ونايلة معوض وممثل الرئيس أمين الجميل سامي الجميل وممثل النائب العماد ميشال عون النائب نعمة الله أبي نصر والسيدة نورا جنبلاط ممثلة النائب وليد جنبلاط، والنواب: صولانج الجميل وغسان مخيبر وبطرس حرب ومحمد قباني وميشال المر ووليد عيدو وجورج عدوان وفؤاد السعد وروبير غانم وعبدالله حنا وابرهيم كنعان وعباس هاشم وأغوب بقرادونيان وايلي عون وهادي حبيش ونبيل دو فريج وهنري حلو وعاطف مجدلاني وبهيج طبارة وفيصل الصايغ ووائل بو فاعور وأكرم شهيب، والوزراء والنواب السابقون: رئيس الرابطة المارونية ميشال اده ونسيب لحود ورفيق شاهين ونديم سالم وكميل زيادة ونهاد سعيد وإدمون رزق وناظم الخوري وغطاس خوري، وعميد حزب الكتلة الوطنية كارلوس اده والأمينة العامة للحزب كلود بويز كنعان ورئيس مجلس الحزب بيار خوري، والأمين العام لحزب الوطنيين الأحرار الياس أبو عاصي والسيد كميل دوري شمعون والرئيس السابق لحزب الكتائب ايلي كرامة.

كذلك حضر السفراء الأميركي جيفري فيلتمان والبريطانية فرانسيس غاي والمغربي علي أومليل والسوداني جمال ابرهيم وممثل السفير الفرنسي فرنسوا أبي صعب والقائم بالأعمال التونسي صلاح الدين بن عبيد.

ومن الحضور أيضاً ممثل متروبوليت بيروت للروم الأرثوذكس الأرشمندريت ألكسي مفرج وممثلون عن الطوائف المسيحية، ومفتي صور وجبل عامل السيد علي الأمين ورئيس مجلس القضاء الأعلى الرئيس الأول أنطوان خير وممثل قائد الجيش العميد أسعد مخول وممثل المدير العام لقوى الأمن الداخلي رئيس الأركان العميد جوزف الحجل وممثل المدير العام لأمن الدولة العقيد جورج قرعا ونقيبا الصحافة والمحررين محمد بعلبكي وملحم كرم والمدير العام للدفاع المدني العميد درويش حبيقة ورئيس الصندوق المركزي للمهجرين فادي عرموني ونقيب الصيادلة صالح دبيبو ورئيس بلدية بيروت عبد المنعم العريس، ونائب رئيس المجلس الوطني للاعلام ابرهيم عوض والسادة آلان عون وجوزف أبو شرف وميشال مكتف ومسعود الأشقر ويمنى بشير الجميل وميشال برمانا وايدي أبي اللمع وتوفيق هندي وسمير عبد الملك وميشال خوري ونزار يونس ومارون ابو شرف والأميرة حياة ارسلان وزينة العلي المرعبي والنقيبان السابقان للمحامين شكيب قرطباوي وانطوان قليموس والزميلتان مي شدياق وجيزيل خوري على رأس وفد من "مؤسسة سمير قصير"، ووفد من اهالي المعتقلين في السجون السورية برئاسة غازي عاد وأفراد عائلة تويني وعائلتي الشهيدين نقولا فلوطي وأندره مراد واسرة "النهار"، وحشد من الفاعليات الإقصادية والإعلامية والقضائية والفنية والثقافية والمنظمات الشبابية وأساتذة جامعيون.

استهل الحفل الزميل وليد عبود بكلمة قال فيها: "سنة على غياب جبران تويني وها نحن من جديد نتحلق حوله، في مؤتمر وجائزة، انتصارا للحرية، انتصارا للصحافة، وانتصارا للبنان، ولعالم عربي آخر مختلف. واذ اقول الغياب وانا اتكلم على جبران تويني فاني لا اعبّر عن الحقيقة تماما. فثمة اشخاص وان غيبوا لا يغيبون. وثمة اشخاص وان استشهدوا لا يموتون. وثمة اشخاص وان عبروا الى الضفة الاخرى من النهر الكبير فان روحهم، حضورهم، صورتهم، تظل ترفرف في القلوب وفي العيون. وثمة اشخاص تغيبهم الحكمة الالهية قبل اوان الغياب الطبيعي لان حضورهم يأبى ان يدخل في مدار الكبر والشيخوخة.

هكذا هي مثلا صورة الرئيس الاميركي جون كينيدي. وهكذا هي مثلا ايضا صورة الثائر المناضل تشي غيفارا. وهكذا هي ايضا وايضا صورة الرئيس الشهيخ الشخي بشير الجميل. وهكذا هي اليوم صورة جبران تويني.
والغريب ان صور هذه الشخصيات الثلاث كانت هي التي تحوط جبران في مكتبه. تُراه كان يعرف ان قدره كقدرهم وان صورته، أي صورة الشاب الدائم المتوثب، هي التي ستبقى بعد ان يغيب الجسد ويبتعد وينأى؟
لا ادري. كل ما ادريه اننا في "النهار" وتحت قبة البرلمان واينما كان، فقدنا جبران المدير العام - الانسان، والصحافي الريادي، والسياسي المقتحم.
لكننا ربحنا الصورة. فقط جبران الجسد غاب او غيب لكن جبران الصورة بقي. لكن جبران النبض والحماسة والاندفاع والتدفق بقي. لكن جبران المختلف والمميز بقي. باختصار: غاب جبران الانسان المن لحم ودم، فعاشت الاسطورة.

هذا في جبران الصورة، اما جبران تويني المسؤول عن جريدة "النهار" والصحافي فله شأن آخر. جبران ولد من الكلمة، وعاش من اجلها ومات في سبيلها. والكلمة عنده اما ان تكون حرة او لا تكون. فالحرية عند جبران تويني، بل في جريدة "النهار" منذ ايام جبران تويني الجد، ليست شعارا يرفع ويردد ببغائيا كحال الحرية في وطننا في بعض الاحيان. انها فعل يومي يعاش، بتفاصيله، بحذافيره، في كل صفحة من صفحات الجريدة، في كل مقال، في كل خبر وفي كل صورة. الجريدة من هذه الرؤية التوينية الواسعة ليست ملك صاحبها او اصحابها او ناشريها بل هي ملك الرأي العام، ملك الناس الذين يمحضونها ثقتهم كلما اشتروا عددا من اعدادها. لذلك لم يكن جبران تويني يسمح لنفسه ان يتدخل او ان يوصي بعدم نشر مقال او موضوع، لانه يعرف ان الحرية كل لا يتجزأ، وان من ينادي بحرية وطنه وشعبه لا يمكنه ان يقيد حرية الاخرين، وخصوصا اذا كان من يشهد لها هم اصحاب قلم لا هم لهم الا ان يشهدوا للحق والحقيقة.

اما جبران تويني الكاتب والصحافي فكان صاحب أجرأ مقال افتتاحي في الصحافة اللبنانية. وهو يتقصد ان يكون واضحا، فاضحا، شارحا، مفصحا. لذا فان جبران، وعندما كان يقرأ مقالته امام زميل له قبل ان يدفعها الى النشر، لم يكن يسأل ما اذا كان المقال جميلا او لا، فنيا او لا، بل يسأل دائما سؤالا يتيما هو: "هل هو قوي كفاية ام اقوّيه اكثر؟" فكأن جبران تويني عاش في تحد دائم مع ذاته، مع الكلمة وقدرتها على الفعل، وعلى الشهادة والشهادة الكبرى هي في سقوطه في منتصف الطريق لا في نهايتها، لا لشيء الا لانه اراد ان يشهد للحق حتى النهاية فاكمل بدمه والجسد ما توقف عنده او عجز عنه الحبر والقلم.

سنة على الغياب وها نحن حوله نتحلق. الاتحاد العالمي للصحف، هذه المؤسسة التي اعطاها من قلبه ومن وقته، اضافة الى "النهار"، ارادا ان تكون ذكراه لقاء لاصحاب الاقلام الحرة. واللقاء - المؤتمر هذا العام عن صحافة تحت الحصار في لبنان والعالم العربي، وفيه تمنح الجائزة العالمية الاولى باسم جبران لصحافي او ناشر او حتى صحيفة تؤمن بالمبادئ التي استشهد من اجلها جبران، ومن اجل الوصول الى اعلام عربي حر، وبناء انظمة مستقلة تحترم الديموقراطية وتقدس الحريات وتصون الصحافة والصحافيين.
انه نداء الحرية الذي لبّاه جبران، حياة وكتابة ثم استشهادا. وعن هذا النداء يحدثنا الان صديق جبران ورفيق دربه رئيس الاتحاد العالمي للصحف تيموتي بالدينغ / فاليه الكلمة والقول، عسى ان يستجاب نداء الحرية في لبنان والشرق بعد هذا الليل الحالك الطويل".

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف