جريدة الجرائد

الحكم الذاتي: حل واقعي للنزاع حول الصحراء المغربية

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

الجمعة 22 ديسمبر2006


عبد القادر زاوي

استناداً على إقرار الأمين العام للأمم المتحدة، سنة 2000، بعدم إمكانية تطبيق مخطط التسوية وبوجود تباينات جوهرية بين الأطراف بخصوص مخطط بيكر، سنة 2004، دعا مجلس الأمن إلى إيجاد حل سياسي نهائي ومتوافق عليه للنزاع الإقليمي حول الصحراء. وهكذا، طالب المجلس "الأطراف ودول المنطقة بأن تواصل تعاونها التام مع منظمة الأمم المتحدة لوضع حد للمأزق الراهن ولإحراز تقدم نحو حل سياسي".
وتلبية للنداءات المتكررة من مجلس الأمن إلى كافة الأطراف المعنية، التزمت المملكة المغربية بتقديم اقتراح للحكم الذاتي في أقاليمها الجنوبية، في إطار سيادتها ووحدتها الوطنية والترابية.
هذا الالتزام، جدده صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه يوم 6 نوفمبر 2005، معلناً رغبة المغرب في التوصل إلى "حل سياسي تفاوضي، يخول أقاليمنا الجنوبية حكماً ذاتياً، يضمن لسكانها تدبير شؤونهم الجهوية، في نطاق سيادة المملكة، ووحدتها الوطنية والترابية".
تشكل هذه المبادرة الملكية مساهمة بناءة وملموسة، تترجم عزم المغرب على إيجاد حل متوافق عليه ونهائي لهذا النزاع المُصطنع، بكيفية ديمقراطية وإدماجية، تراعي الخصوصيات المحلية والحقوق الجماعية والفردية في هذه الجهة.
وفي سياق تجسيد هذا الالتزام، أعلن صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه بمدينة العيون يوم 25 مارس 2006، تنصيب "المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية" في تشكيلته الجديدة، وباختصاصات موسعة تتيح له القدرة على احتضان جميع العناصر الفاعلة في الأقاليم الجنوبية.
وقد أعقب تعيين المجلس، تدشين مسلسل تشاوري على نطاق واسع، وطنياً ومحلياً، حيث تم إشراك كل من الأحزاب السياسية، وسكان الأقاليم ومنتخبيهم، ولاسيما شيوخ القبائل، المعروفين بتجربتهم وحكمتهم، وذلك لمعرفة وجهات نظرهم حول مشروع تطبيق جهوية موسعة تنسجم وخصوصيات جهة الصحراء.
وتندرج هذه المقاربة الإدماجية والتشاركية التي تحرص على انخراط جميع مكونات المجتمع المغربي في صياغة مفهوم الحكم الذاتي، في إطار نفس النهج في التعامل مع القضايا الوطنية الكبرى.
إن مقترح الحكم الذاتي يكرس الاختيارات الديمقراطية التي لا رجعة فيها بالنسبة للمملكة المغربية، وذلك في إطار مشروع المجتمع الديمقراطي والحداثي الذي أطلقه صاحب الجلالة وأجمع عليه الشعب المغربي. كما يشكل أيضاً امتداداً وتعميقاً لمسلسل الإصلاحيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المملكة.
وفي سياق الحديث عن هذه الإصلاحات، تجدر الإشارة إلى التعديلات التي طرأت على بعض المؤسسات من قبيل إعادة هيكلة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وإنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وديوان المظالم، وهيئة الإنصاف والمصالحة التي أنيط بها بالأساس تحديد المسؤولية وجبر الضرر المادي ورد الاعتبار وإعادة الإدماج الاجتماعي للأشخاص الذين تعرضوا لاعتقال تعسفي.
وقد سمح هذا النهج الإصلاحي الواسع أيضاً بتوسيع فضاء الحريات الفردية والجماعية، عبر تبني القانون المتعلق بالأحزاب السياسية، ومدونة الصحافة وتحرير القطاع السمعي والبصري.
لقد كانت المملكة المغربية سبَّاقة منذ استرجاع الأقاليم الجنوبية إلى بلورة استراتيجية متكاملة وبذل جهود جبارة من أجل تنمية وتأهيل تلك الأقاليم، وذلك وفق نموذج تدبير متكامل، وتشاركي وتضامني، يعود بالنفع على ساكنتها. وتتجلى هذه الجهود الشاملة والاستثنائية على الخصوص من خلال ثلاثة قطاعات تحظى بالأولوية، ويتعلق الأمر بكل من التعمير، والبنيات التحتية الأساسية، والتزود بالماء الصالح للشرب.
إن المملكة المغربية لعاقدة العزم على تعميم المشاريع التنموية على جميع أقاليمها، في إطار نهجها لسياسة القرب والمشاركة والتضامن الاجتماعي والتحديث الاقتصادي والتعاون الجهوي.
وتهدف هذه الجهود إلى إرساء الممارسة الديمقراطية على أسس سليمة وقوية، وخلق تجانس أكبر بين مختلف المناطق، في إطار مغرب موحد وغني بمساهمات مختلف مكوناته الجهوية.
ومن ثم فإن المملكة المغربية حريصة على جعل الجهوية مشروعاً استراتيجياً يتعزز ويتبلور على أرض الواقع يوماً بعد يوم، ولاسيما في الأقاليم الجنوبية.
ومنذ حصولها على الاستقلال، عملت المملكة المغربية على إدراج تحركاتها في إطار الجهود الدولية الرامية إلى حفظ السلام والأمن الدوليين. ففي ميدان حفظ واستتباب السلام، يتميز تحرك المملكة بالسعي لتحقيق الاستقرار السياسي في إفريقيا والشرق الأوسط والبلقان. كما يتجلى أيضاً اتجاه المملكة كفاعل للسلام، من خلال مشاركتها ضمن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، كما هو الأمر على سبيل المثال حالياً في كل من جمهورية الكونغو الديمقراطية وساحل العاج وهايتي.
وقد حرصت المملكة المغربية على الانضمام إلى جميع المعاهدات الخاصة بنزع السلاح وعدم انتشاره. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن المملكة المغربية تتولى رئاسة أبرز الهيئات في ميدان نزع السلاح وهيئات إصدار القرار فيها، من قبيل رئاسة الاجتماع السنوي للدول الأعضاء في مدونة لاهاي لقواعد السلوك الدولية لمنع انتشار الصواريخ الباليستية (HCOC)، ونيابة رئاسة مجموعة العمل حول تعقب الأسلحة الخفيفة، ونيابة رئاسة لجنة استخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية (COPUOS)، فضلاً عن حصولها سنة 2006، على العضوية في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية (AIEA).
إن مقترح الحكم الذاتي يشكل رؤية منفتحة على المستقبل، من شأنها أن تسمح لمنطقة الصحراء بمواجهة التحديات والرهانات الأمنية الحقيقية. وإن المملكة المغربية، باحترام التزاماتها في هذا المجال، تؤكد من جديد، كفاعل مسؤول في الساحة الدولية والإقليمية، رغبتها في تحصين نفسها ضد التهديدات والتحديات الأمنية التي تحدق بالفضاء المغاربي والمتوسطي. وفي هذا الإطار، أكد صاحب الجلالة في خطابه الأخير يوم 6 نوفمبر 2006، حرص المملكة على "تجنيب المنطقة وجهة الساحل، وجنوب شمال المتوسط، ما يمكن أن ينجم عن زرع لكيان وهمي، من ويلات البلقنة وعدم الاستقرار، وتحويلها إلى مستنقع لعصابات الإرهاب، والتهريب والاتجار في البشر والسلاح، وتلكم هي المخاطر التي يعمل المغرب على مواجهتها من خلال اقتراح الحكم الذاتي، كتوجه ديمقراطي".
إن المملكة المغربية تجدد التزامها بالتعاون التام والكامل مع منظمة الأمم المتحدة، ومع أمينها العام ومبعوثه الشخصي، للمساعدة في إيجاد حل سياسي متوافق عليه، تنخرط فيه جميع الأطراف المعنية فعلاً بهذا النزاع.


السفير المغربي في أبوظبي

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف