هل ثمة شراكة صفوية ـ عثمانية جديدة؟
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
فرح الهاجري
قبل 200 عام قال السياسي تاليران "القيام بشيء غير ضروري في السياسة اسوأ من ارتكاب الخطأ"، السياسة مقايضة ومقايضة فجة في غالبية الاوقات! السلم مراوحة بين حرب واخرى والعقل العربي يتعلق بالمطلق ويكره التفاصيل!! طهران ليست مفارقة تاريخية، ايران دخلت المنطقة بأجندة قديمة.. حاليا ايران اقوى من الولايات المتحدة الاميركية في المنطقة، هي قادرة ايضا على توجيه ضربات قاسية الى الوجود الاميركي المتمترس في "العاصمة الخضراء" بغداد. انصار ايران لديهم الرغبة والقدرة على ارسال مئات من الانتحاريين ليجبروا الاميركيين على المغادرة ومن على سطح السفارة (كما حدث في فيتنام)!.
في المنطقة مشروعان، الاول اميركي يعيد رسم خريطة المنطقة من الخارج، والثاني ايراني، يقوض العالم العربي من الداخل. اميركا مارست الغزو ودشنت 75 قاعدة عسكرية داخل بغداد. ايران غذت الحركات الاصولية وجعلت من هلال ملك الاردن بدر التمام! ذهب العرب الى افريقيا، وفي الخرطوم غاب تسعة من القادة، حسني مبارك نجا قبل سنوات من محاولة اغتيال في اديس ابابا، واتهم بتدبيرها النظام السوداني انذاك، ولا نعلم اذا تعمد حسني مبارك ان يكون يوم اختتم القمة على الحدود المصرية - الليبية هو وجميع افراد عائلته يرصد كسوف الشمس. اما بقية القادة فقد عادوا كما ذهبوا "ذهبنا ورجعنا كل في طريقه"، مع الاعتذار لام كلثوم بعد ان اسدل الستار على تلاسن بين اميل لحود والسنيورة وان لم يعد سرا للجميع ان سورية لن تقبل بخروج لحود من قصد بعبدا اللبناني الا اذا ضمنت مجيء الجنرال ميشال عون الذي قصفته ذات يوم بطائرات السوخوي، فدمشق ترتاح اكثر الى التفاهم مع العسكريين!
هل نحن امام شراكة صفوية - عثمانية جديدة في المنطقة؟ هل سيتحول العراق الى مناصفة بين طموح ولاية الفقيه وطموح ديموقراطية جيفرسون!! (راح الشيخ خزعل الكعبي المرشح لعرش العراق وراحت دارة الاهواز بتفاوض بريطاني - بهلوي) هل ستذهب البصرة اليوم بتفاوض اميركي - ايراني؟
السؤال الاهم هل العراق في ذاكرة الفارسي كانت ومازالت فضاء ايرانيا؟ حينما وقع صدام حسين معاهدة مع ايران في الجزائر وتنازل عن ضفة شط العرب، كان يتكتك انذاك لانهاء دعم ايران للاكراد في السبعينات ثم عاد بعد سنتين الي مبنى التلفزيون ليمزق المعاهدة! طهران اليوم تنفض الغبار عن تلك المعاهدة وترى انها جزء من حق قديم؟ وليس سرا ان ايران اليوم تسعى الى سواحل البحر الابيض المتوسط، وان تطلب الامر هيمنة على الهلال الخصيب واطرافه.
المفارقة اليوم هي هل ستضيف طهران حلقة جديدة الى سجل حروبها في المنطقة بدءا من بابل واثينا وروما والقسطنطينية واسطنبول؟ ألم تكن مياه البحر المتوسط هي سر الحروب التي خاضها الايرانيون سابقا من الاغريق الى الرومان والبيزنيطيين والعثمانيين؟ ربما المرة الوحيدة التي تحقق فيها هذا الحلم الايراني كان في عهد الملك كورش في القرن السادس قبل الميلاد. اما هذه المرة فستكون مع تل ابيب وتحت شعار الثورة الاسلامية!.
ليس مصادفة بعد ذلك ان علماء في ايران قد اعادوا اكتشاف مجموعة الاتفاقيات التي وقعتها ايران مع الامبراطورية الرومانية والمعروفة باسم "معاهدات ارض روم" وقد منحت هذه المعاهدات ايران حق السيادة على المراكز الشيعية "النجف وكربلاء والكاظمية"، اضف الى ذلك ان ايران تعتبر عراق ما بعد صدام فوق كل ذلك ممرا يمكنها من التواصل عبره مع سورية ولبنان باعتبارهما منطقة عازلة كبرى الى شرق البحر المتوسط gt;ويا قلب لا تحزنlt;!
كان عبدالناصر يداعب الصحافي احمد بهاء الدين ويقول له: "نفسي اعرف حاجة واحدة انت مع مين بالضبط؟"، بين مواقف التطرف والمهادنة، هناك ثنائية الصداقة والعداء التي تربط طهران بالبيت الابيض، وان كان التساؤل الاهم هل ستجري صياغة العراق على هوى واشنطن ام على هوى طهران؟ ايران قوة متحدثة ومازالت للاميركيين قوة، بدأت محررة وانتهت مبددة في المنطقة. إيران ايضا خير من يلعب على خلافات الاخرين، وقادرة على التظاهر بأن مساعيها وجهودها هي التي أدت الى انهاء الاحتلال، ولكن في واقع الامر إيران لا تريد فشل الاميركيين في العراق، فهي تريد منهم ان يقضوا على كل احتمالات نظام حكم سني في بغداد، وتريدهم ان يتكفلوا بذلك وبأعلى التكاليف! يقول الجعفري gt;ان الله والشعب اختاراني لهذا المنصبlt;، حزب الدعوة يهتف وراء الجعفري "ماكو وليّ الا علي ونريده قائد جعفري"، اميركا ترفض الجعفري لانه رجل ايران. الولايات المتحدة يهمها ان يحصل انشقاق داخل الائتلاف الشيعي بعدما اصبح تكتلا كبيرا. الحكومة الجديدة حاجة اميركية - بريطانية تزامنا مع بدء العد التنازلي لانسحاب القوات الاميركية في ديسمبر المقبل! هل العراق بحاجة الى حكومة مركزية ام حماية فيديرالية للاقاليم؟ منذ ان اختير الجعفري لرئاسة الحكومة وباقتراع داخلي حسمه التيار الصدري اصبح واضحا ان "جيش المهدي - حزب الدعوة" هو الذي يمثل الزخم الايراني سياسيا وميليشاويا رغم ان "فيلق بدر" هو من اشتهر بها اولا!
صدور المعارضة غير مدربة على السلطة والجعفري طبيب خجول لا يعرف كيف يطبب ليلى المريضة، لم تعد ألفاظه المنتقاة تغري المسامع، فالناس تنتظر ماء وكهرباء، وحال العراقي يقول "يطولوك يا ليل... ويقصروك يا ليل".
عبدالعزيز الحكيم يخالف الصدر مقدما "رجله" اليساري القديم عادل عبدالمهدي بديلا للجعفري لرئاسة الحكومة، الاكراد يقبلون بالمهدي ويرون انه اكثر قدرة على تكريد كركوك، العاصمة النفطية.
إيران تراقب وتعمل في آن واحد لاقامة "غيتوهات شيعية" مشايعة لها في الوسط والجنوب. انها لعبة ايران لعبة امم مزدوجة في المنطقة كما يقول الكاتب غسان الامام! في عقد احتضان بغداد العباسية انتشر مرض عضال وأصاب الحلوق والخوانيق ولم يبق للبغداديين غير اختلاف شخصية "ام عنقود" على اعتبار انها وراء الكارثة لمخرج سياسي وليس ادارة العباسيين لبغداد، وتقول الحكاية ان امرأة ادعت انها رأت في المنام امرأة من الجن تكنى أم عنقود قالت لها ان ابنها مات في هذه البئر وgt;ان لم تحضروا للعزاء سألف البيوت بيتا بيتا واخنق اهله" فشاع ذلك بين الناس، فقصد البئر من استطاع من العوام والنساء والصبيان وكانت النساء ينحن gt;مات عنقود ومادرينا لما درينا كلنا قد جينا، لا تحردين منا وتخنقينا" هل انتهت فصول ام عنقود وغضبها في العراق؟ ام انه تسليم اليائس لزمن لا يعقل فيه المعقول. بما هو زمن "زعيط ومعيط ونطاط الحيط"!!.
في الحرب العالمية الاولى ارادت المانيا ان تخرج روسيا القيصرية من الحرب فأخذت تشجع البلاشفة على الثورة ثم مولت عودة لينين نفسه الى روسيا، لكن قيام الشيوعية أدى في المقابل الى قيام النازية في المانيا، واذ بهتلر يقود الجيوش لكي يهزم السوفيات الذين شجعهم اسلافه، وبعد سنوات كان عاد البلاشفة الاوائل يدخلون برلين المدمرة ويحرقون بقاياها! ألا تكفي هذه الحكاية التاريخية للساسة وعراقيي المنطقة الخضراء اذا اخذنا بالاعتبار ان العوام سيأخذون بحكاية ام عنقود وبخاصة ان اجواء الحقبة العباسية تعود بمفرداتها، فمن "الروافض"الى "النواصب" و"المعتزلة" و"الخوارج" ونظريات في الامامة "ان يؤم الناس من لا عشيرة له"، وهلمجرا...
يقول الكاتب الساخر ب. ج اوروك في كتابه "برلمان مومسات" مهما كان الشيء الذي تعمله الحكومة، فالاميركيون يفضلون ان تعمله لغيرهم، من هنا طلعت السياسة الخارجية الاميركية، هل خدمت السياسة الخارجية الاميركية ايران؟ الم يسقط الاميركيون حكومة طالبان شرق ايران وحكومة صدام غربها - ألم يعط الاميركان فرصة العمر لطهران؟ ألم يستدرج الايرانيون بعد ذلك الاميركان الى "شراكة" من نوع اخر في العراق من اجل ما سمي بـ "شرعنة" تدخل إيران في شؤون العراق رغم ان ايران ماضية في السماح بتسريب الاسلحة الى العراق؟ ربما قررت واشنطن في عهد بوش تبني ما يسمى بمفهوم "المقايضات الكبرى" مع طهران! لنراجع مراحل سابقة وتحديدا في الحرب العالمية الثانية، ألم تتحالف اميركا مع الاتحاد السوفياتي (ألد أعداء الاميركان ايديولوجيا)، ضد المانيا النازية وايطاليا على المسرح الاوروبي ثم ضد اليابان على المسرح الاسيوي، ألم يلقب الاميركيون جوزيف ستالين بالديكتاتور ونظامه الشيوعي بـ "العم جو"؟ والشيوعيون بالاصدقاء الجدد؟ ألم يكلف العم جو عشرين مليون قتيل بلعها الاتحاد السوفياتي وسكت ليهزم المانيا النازية مقابل بضع عشرات ألوف من الجنود الاميركيين مضافا اليها قروضا اميركية سخية مفتوحة؟ حينما تأكدت لحظة الهزيمة اجتمع فرانكلين روزفلت وتشرشل والعم جو في مالطا وفي ليلة ماطرة قسم العالم كغنائم حرب، طلب العم جو النصف الشرقي من اوروبا كتعويض، في حين استأنفت بريطانيا في مط امبراطوريتها في العالم. اما الاميركيون فكانت عيونهم على الشرق الاوسط وتحديدا على نفط الشرق وهو ما يعني مستقبلا التخلص من الحليفين، وقد حصل وكما يقول الكاتب محمود عوض عندما استفاق العالم على رأسمالية عالمية بقيادة واشنطن وشيوعية بقيادة موسكو، واتضح الخطر على المسرح الاوروبي حيث الاحزاب الشيوعية تطالب بنصيبها من السلطة بقدر نصيبها في المقاومة ضد النازية، ألم يصوت ثلث الناخبين للاحزاب الشيوعية في فرنسا وايطاليا؟ ألم يتحد النموذج الاقتصادي في اوروبا الشرقية رأسمالية واشنطن ما دفع باميركا الى اقامة منظمة حلف شمال الاطلسي ومحاصرة السوفيات بسلسلة من القواعد العسكرية؟ لقد كانت سياسة الولايات المتحدة انذاك gt;من ليس معنا فهو ضدناlt;، صحيح ان ميدان الحرب الباردة كان اوروبا، الا ان خيرات العالم الثالث هي الجائزة الكبرى المؤجلة، وهكذا كان اول انقلاب سري تنظمه وكالة المخابرات المركزية الاميركية هو ما قامت به سنة3591 لقلب حكومة محمد مصدق الزعيم الايراني المنتخب شعبيا وديموقراطيا حيث نفذت العملية "اجاكس" وقيل ان الاميرة آشرف بهلوي توأم الشاه وبمساعدة وزير الخارجية الاميركية جون فوستر دالاس، لعبت دورا كبيرا في عملية الانقلاب وبخاصة بعد ان اجتاحت المظاهرات المؤيدة لمصدق التي قام بها الشيوعيون امام البرلمان، حيث كانت الهتافات معادية للغرب وعلى شاكلة "عاش نضال الشعب السوفياتي" و"عاشت الصين وكوريا"، "تسقط اميركا"، ما اوغر صدور الغرب ولم يكن الوقت يسمح بالانتظار خوفا من ان تسقط ايران سياسيا داخل فلك الاتحاد السوفياتي، قبض على مصدق وعاد الشاه المطرود أو الهارب وقدم مصدق الى المحكمة، ودافع مصدق عن نفسه سبع ساعات متتالية تخللها بكاء واغماء، وفي النهاية ادين وسجن ثلاثة اعوام خفضها الشاه الى النصف واعتزل مصدق الحياة السياسية وذهب الى الريف حيث مات بعدها بسنوات بسرطان في الحلق!.
بعد سقوط حائط برلين عام 1989 ظن ميخائيل غورباتشوف ان القصة ستنتهي بانسحاب الاتحاد السوفياتي من اوروبا الشرقية، لكنه لم يدرك ان سقوطه هو المطلوب ليسهل تفكيك الاتحاد السوفياتي الى خمس عشرة قطعة بالتمام والكمال.
اليوم نحن امام صقور شرسة مفتوحة شهيتها على الاخر يتم تسميتهم تلطيفا "المحافظون الجدد" تحت تصرفهم قوة عسكرية عظمى تبحث عن وظيفة بعد ان اختفى عدو الامس ورئيس يدعي انه "يتكلم مع الله ووربنا يكلمه"!! هل سمع القارئ بمسرحية "اسمي راشيل كوري" والتي سحبت من دور العرض في نيويورك لانها فقط تحكي قصة ناشطة اميركية من حقوق الانسان كانت ترصد الانتهاكات الاسرائيلية عندما دهمتها جرافة لتقتلها؟ وقتلتها! سيندي شيهان ام اميركية عادية كما يحلو ان تلقب نفسها، قتل ولدها كاسي في مدينة الصدر بعد خمسة ايام من ذهابه الى العراق، تحولت من أم ثكلى الى ناشطة سياسية (في الولايات المتحدة تعد معارضة الحرب نوعا من اللاوطنية، الامر الذي يجلب معاداة الاقارب والجيران)، قادت اكبر مظاهرة ضد الحرب شهدتها واشنطن وشبهها البعض بداعية الحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ في الستينات، في حين قارن البعض بين حركتها المناهضة للحرب وحركة الجنود العائدين من فيتنام، والذين كانوا gt;بداية نهاية الوجود الاميركي في فيتنام" اصبح السيندي شيهان سجلا قضائيا لانها حملت يافطة امام البيت الابيض تقول فيها gt;انا ام عادية فقدت ابني في الحرب من دون سبب".
بوش الابن مسكون برؤية دينية، هو يعتقد انه يملك شيئا من قداسة وهالة الرئيس الاميركي وودرو ويلسون (مع ان الناخبين الاميركيين نبذوه سنة 1920)، الذي يرى ان اميركا "مدينة مشعة من على جبل" لتحمل مشعل النور والحرية الى جميع بلدان العالم. الغريب ان ويلسون لعب دورا في استبدال ديكتاتور بآخر في الفيلبين رفض المعارضة في الداخل فنفي معارضوه وسجن الباقي منهم وحاول اعادة تشكيل العالم تبعا للمصالح الاميركية.
بوش يرى في ويلسون مثالا يحتذى به، أليست مفارقة غريبة، أو ليس الاغرب ان يكون مرشد المحافظين الجدد وعرابهم برنارد لويس؟ (اختصاصه الاصلي الامبراطورية العثمانية ويرى الاسلام عدوا وان الصراع مع الاسلام لم يبدأ امس انما منذ بدايته في القرن السابع الميلادي.
دخلت اميركا العراق لتقطع رأس النظام، فأقامت نظاما بلا رأس، ثم بعثت لهم بثالث أبرز ديبلوماسي اميركي ولد في الخارج بعد هنري كيسنجر ومادلين اولبرايت "زلماي خليل زاده" الذي ارسلته سابقا الى وطنه الام افغانستان على اعتبار ان لغته البشتونية تقرب من وجهات النظر الاميركية - الافغانية، موضوع دراسته "المشروع النووي الايراني"، ومثل كثير من الافغان يتحدث اللغة الدارية المتحدرة من الفارسية وهو مقتنع قناعة مطلقة بالتفوق الاميركي، وينفي انه من المحافظين الجدد! ولكنه ضمن خانة الصقور يؤمن بالحرب الوقائية وهو مراقب جيد للاميركيين لم تطوفه رسالة ايران من تحت الماء وصاروخ (111-170 شكفال) وبسرعة 400 كيلومتر الذي طوره الايرانيون، وان كانت موسكو هي دولة المنشأ فالايرانيون يستعرضون قبالة سواحلهم بخمسئة سفينة حربية ويطلقون من مسرح الخمسين كيلومترا تشكيلة صواريخ معتبرة!.
في الضفة الأخرى لايران تشكيلة اخرى من الصواريخ قابلة للانفجار في مكانها بدءا من اميل لحود الى ابراهيم الجعفري وانتهاء بزعيم حزب "الوفد" المصري نعمان جمعة، انه هوس السلطة، فنحن امام رئيس دولة ورئيس وزراء ثم رئيس حزب، وجميعهم "خيار الله والشعب"، "انا الدولة والدولة انا"، نعمان جمعة زعيم سابق لحزب ليبرالي عمره تسعون عاما اخذ حقه بيده وبالسلاح. انها السلطة بالمفهوم الايديولوجي ولكنها بالمفهوم العام.