جريدة الجرائد

الحريري: ورشة تدقيق في مغاور علي بابا

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

راجح الخوري

كيف يمكن إصلاح الجمهورية، قبل الاتفاق على الشكل الذي ستتخذه هذه الجمهورية، في سياق حركة التغيير التي انطلقت في 14 آذار (مارس) من العام الماضي، لكنها توقفت في منتصف الطريق تقريبًا؟

انه السؤال الذي طرح في نهاية الأسبوع الماضي في بيروت انطلاقًا من أمرين:

* أمر مستجد وقد ظهر تحديدًا في خلال الاجتماع الأخير للحكومة اللبنانية يوم الخميس قبل الماضي، حيث قررت بناء لطلب رئيسها فؤاد السنيورة، إجراء ورشة تدقيق ومحاسبة لكل المؤسسات والمشاريع والصفقات اعتبارًا من عام 1990. وقد صادق المجلس على ذلك بالإجماع، على أن يتم تكليف شركات دولية للقيام بهذه المراجعة. وقد بلغ التحدي في الكلام الحكومي حد اعلان وزير الإعلام غازي العريضي أن التدقيق والمحاسبة سيطولان الأشخاص المعنويين والعموميين، أي كل مؤسسات الدولة من عام 1990 حتى الآن. وستنشر هذه التقارير وساعتئذ يعرف المواطن اللبناني ماذا حصل خلال تولي هذا المسؤول أو ذاك هذه المسؤولية أو تلك.
* أمر موضوع في التداول وهو "الخطة الاصلاحية" أو "الورقة الاصلاحية" التي ناقشتها الحكومة في المناقشة في جلسة سابقة لمجلس الوزراء، والتي يفترض أن ينشأ حولها نقاش وطني عام، يشمل القطاعات الاقتصادية والانتاجية والعمالية والنقابية.
ومن المعروف أن هذه الورقة تشكل مدخلاً ضروريًا، إن لم نقل شرطًا لا بد منه، لكي تتوافر الأجواء المساعدة لإنجاح مؤتمر "بيروت ـ1"، لأن الدول المانحة تريد أن تعرف في أي اتجاه ستذهب مساعدتها، وكيف يمكن هذه المساعدات، أن تؤدي إلى تدعيم الوضع الاقتصادي المتردي ومحاولة انتشاله ووضعه على سكة الحلول.
لكن الحديث عن الإصلاح وعن قيام ورشة تدقيق ومحاسبة في لبنان، دونه عقبات كثيرة، إلى درجة تدفع اللبنانيين إلى التندر بالقول: "إقرأ تفرح جرّب تحزن.."، أو "من جرّب المجرّب كان عقله مخرّبًا".
كل ذلك طبعًا على خلفية التجارب الإصلاحية السابقة، التي انتهت إلى الفشل، سواء لأسباب تتصل بطبيعة تكوين الدولة في لبنان، حيث تحوّلت الإدارة العامة سوقًا للمحاصصة بين الطوائف والمذاهب، وهو الأمر الذي أدى انهيار ذريع لعملية التطهير الإداري، التي أراد الرئيس الراحل شارل حلو القيام بها.
وسواء لأسباب تتصل بهذا التكوين، مضافًا اليه الصراع السياسي، الذي برز في شكل نافر ومنفر منذ عام 1998 عندما بدا واضحًا أن في أولويات الرئيس أميل لحود إفشال كل خطط الإنقاذ وإعادة البناء والتعمير التي كان يعدها الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
وهنا أيضًا اصطدمت خطة الحريري لاصلاح الإدارة اللبنانية بالعراقيل، ولم تستطع أن تواكب عملية إعادة البناء ثم بحيث تعطي صدقية للدولة أمام مؤتمر "باريس ـ 2" وقبله "مؤتمر أصدقاء لبنان"، الذي عقد في واشنطن. وكذلك اصطدمت بسلسلة هائلة من العراقيل وخطط التفشيل المتعمد والمقصود، إلى درجة جعلت اللبنانيين يقتنعون بأن شعار دولة القانون والمؤسسات أصبح: إذا كان الانقاذ سيأتي على يد الحريري فلا نريد الانقاذ..!

في ضوء هذه التجارب، قد يكون من حق اللبنانيين، الآن أن يتساءلوا:
"ماذا عدا مما بدا؟" وكيف يمكن الحكومة أن تظن أن في الإمكان إقامة ورشة للتدقيق والمحاسبة، في وقت تتوقف عملية التغيير في وسط الطريق، حيث عجزت قوى الأكثرية عن دفع الرئيس لحود إلى الاستقالة، وحيث يصر هو على البقاء حتى اللحظة الأخيرة من ولايته، وحيث يعرف القاصي والداني وهنا جوهر المشكلة، أن الخلافات السياسية بين رئاسة الجمهورية والسلطة التنفيذية تعطل أمورًا كثيرة وتعوق عملية التغيير، التي يفترض أن تكتمل فصولاً وخصوصًا بعد انسحاب سوريا من لبنان.
وإذا كانت العناصر المكونة للدولة، تمثل نوعًا من فيدرالية طوائفية ومذهبية، وشكلاً من أشكال المحاصصة البغيضة بين الزعامات والقيادات والمسؤولين، فكيف يمكن الحديث عن الاصلاح، وكيف يظن البعض أن في الإمكان فعلاً تكليف شركات دولية، إقامة ورشة تدقيق ومحاسبة، تكشف ما يجري في "مغاور علي بابا"، حيث الصفقات والسمسرات والخوات، وحيث السرقات والتشبيح، وحيث العفن يكتسح الإدارة والرؤوس، إلى درجة أن المواطن الصالح، الذي يحرص على تسديد ما يتوجب عليه من الضرائب والرسوم، يضطر أحيانًا كثيرة إلى دفع الرشوة لكي يقبل بعض موظفي الدولة بأن يقبضوا منه المتوجبات في الوقت المحدد.
ليس في لبنان إدارة عامة قابلة للإصلاح والتطهير، هناك خرائب إدارية، يتعين هدمها وإعادة بنائها من جديد، وهو أمر مستحيل وسط عقلية الكوتا الطائفية والمذهبية التي تحكم الدولة. وليس في لبنان إمكانية للحديث عن تدقيق ومحاسبة، لأن أي تدقيق شفاف سيضع عددًا كبيرًا من أهل الدولة في دائرة الفضائح والاتهامات.
ولكن برغم هذا، من المفهوم تمامًا لماذا طفح كيل رئيس الحكومة اللبنانية، الذي كان دائمًا وزيرًا للمالية إلى جانب الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومفهوم لماذا ألقى قفازه في وجه الجميع.
وإذا كان مؤتمر "بيروت ـ1"، يتطلب حكمًا الإصلاح والشفافية، فإن الوجه الآخر للحقيقة يفرض بدوره قيام ورشة تدقيق والمحاسبة. وهذا الوجه الآخر المقصود هو كل العمليات التي تورط فيها أولئك الذين سرقوا البلاد والعباد، وحاولوا دائمًا إلصاقها بالرئيس الشهيد الحريري لأسباب سياسية معروفة.
صحيح أن الحريري اغتيل في 14 شباط (فبراير) من عام 2005، لكنه كان قد تعرض لسلسلة هائلة من عمليات اغتيال السمعة والصورة. وإذا كان للحقيقة أن تظهر، فيجب أن تظهر بوجهيها، ليعرف الناس في لبنان والعالم، من قتل رفيق الحريري بالديناميت ومن قتله بالأكاذيب.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف