جريدة الجرائد

عن أزمة الحكم

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

راجح الخوري

... إذاً، الى اللقاء في تشرين الثاني من سنة 2007.

فاليوم يقفل الملف الرئاسي في مؤتمر الحوار الوطني. لكن "أزمة الحكم" المتمثلة ببقاء اميل لحود في قصر بعبدا ستظل بمثابة حاجز في وسط طرق الجمهورية، يشل تقدمها الى الامام ويمنع اكتمال دورة التغيير، ويحاول العودة بلبنان الى ما كان في اعوام البؤس الماضية.

طبعا يسعى الذين تمسكوا ببقاء "أزمة الحكم" عبر التمسك ببقاء لحود في رئاسة الجمهورية الى وضع ترجمات "موضوعية" لكل نظرياتهم الارتدادية المعروفة. فما ان وافق مؤتمر الحوار على "المفهوم اللحودي" لأزمة الحكم، حتى انطلقوا في القول ان المقصود هو أزمة السلطة وادارة البلاد، وهذا ما يمثل سعيا واضحا لتحميل الاكثرية الجديدة مسؤولية التعطيل وما يترتب عليه من اضرار وسلبيات.

لكن اللبنانيين عموما يدركون تماما، ان "أزمة الحكم" القائمة والتي ستتعمق بعد اليوم، كانت قائمة منذ زمن بعيد، وقد سبقت الانتخابات النيابية الاخيرة، وقيام أكثرية جديدة، كما سبقت حركة التغيير التي فجرتها ثورة الحرية في 14 آذار من العام الماضي.

"أزمة الحكم" كانت قائمة قبل كارثة التمديد الاكراهي وما أدت اليه من فواجع، لا بل ان التدقيق الموضوعي وحتى الاكثر نزاهة [قياسا بالمنطق الدستوري] يدفع المراقب الى القول ان "أزمة الحكم" دخلت الى الحكم في لبنان منذ اللحظة الاولى التي دخل فيها اميل لحود رئيساً للجمهورية يشهر سيوف "دولة القانون والمؤسسات" التي تبين ان لا علاقة لها بشيء اسمه دولة او مؤسسات او قوانين.

وأطلت أزمة الحكم برأسها منذ اللحظة التي وقف فيها لحود يلقي ذلك "النص النحاسي" الذي سُمّي خطاب القسم وشكل مخالفة دستورية، على الاقل لان جمهورية الطائف لا تعطي رئيس الجمهورية حق وضع برنامج للحكم، فكيف اذا كان هذا "البرنامج" سيتحول سريعا مدخلا للسطو على صلاحيات رئاسة الوزراء ومجلس الوزراء مجتمعا. ولقد سعى في بداية عهده الميمون الى ان يحكم بحكومة أشباح عسكرية، وعبر "غرفة الاوضاع" التي حاولت ابتسار السلطتين التشريعية والتنفيذية وكذلك عبر نكتة "المواطن الصالح" وقد جعل البلاد في قبضة الغرضية التي تدّعي العفة، وهي غرضية انخرطت في تنفيذ سياسة الكيد والقهر والاحراج وقضمت صلاحيات رئيس الوزراء، ومارست أوهام الشفافية ومزاعم نظافة الكف وما الى ذلك من الشعارات التي كانت قد تراكمت سلفا في الاذهان والمخيلات، بهدف تقبيح كل ما هو سياسي او يمت الى السياسيين بصلة!

"أزمة الحكم" بدأت منذ ذلك التاريخ، منذ عام 1998، عندما تصور اميل لحود والمحيطون به والذين يرسمون سياساته وخطواته والقرارات تحت رقابة سورية املائية دقيقة ومشددة، ان العهد الذي يرفع شعار "دولة القانون والمؤسسات" هو عمليا نوع من "حركة تصحيحية" لبنانية، تكتسب اتجاهاتها وتضع أهدافها بتناسق أمين مع رؤية دمشق الايديولوجية، التي ترى في لبنان مجرد أرض مقتطعة بفعل "مؤامرة" سايكس بيكو يمكن ادارتها زمنا طويلا حتى تسقط وتستعاد كثمرة ناضجة.

منذ دخول اميل لحود الى قصر بعبدا، انطلقت "أزمة الحكم"وبدأت بمطاردة ضحاياها. ولا يحتاج المرء إلا الى قراءة يوميات السياسة ووقائعها وقد وصلت في عام 2000 الى حد التهديد بنفي الرئيس الشهيد رفيق الحريري من لبنان، حيث وضعت في قصر بعبدا تحديدا، شعارات "وأنت ماشي" (بمعنى الابعاد) ردا على قول الحريري آنذاك "البلد ماشي" [بمعنى انه يتقدم].

ولا حاجة بأحد الى التدقيق في كل تفاصيل المقت والقهر والمرارات التي تعرض لها الرئيس الشهيد، حيث تم افشال كل مشاريعه واغتيلت كل خططه للانقاذ، ثم انطلقت ورشة اغتيال سمعته وتشويه صورته بطريقة منهجية وتصاعدية. أولم تكن هذه فصول "أزمة الحكم" التي انطلقت مع وصول لحود الى الرئاسة، وهو الذي دأب على القول انه لم يطلب شيئا ولم يسع الى شيء، بما يسمح للمرء ان يستنتج: إذاً لحود لم يحكم بمقدار ما استُعمل في الحكم.

هل كان من الضروري ان يمر لبنان في سبع سنوات ونصف عجاف لكي نتحدث عن "أزمة الحكم"؟ هل كان من الضروري ان يتم فرض التمديد بالاكراه لكي تشرئب هذه الازمة؟ وهل كان من الضروري ان يتم اغتيال الرئيس الحريري والنائب باسل فليحان، وان تسيل الدماء أنهرا من أجساد الشهداء والاحياء الشهداء منهم لكي نتحدث عن "أزمة حكم"؟ ثم هل كان من الضروري ان يتحول قصر بعبدا شرنقة مقفلة لا يدخلها العالم ولا تعترف بها الدول والمؤسسات الدولية لكي نكتشف وجود "أزمة حكم"؟

ولكن ما الفائدة من كل الاكتشافات اذا كان هناك من لا يرى وجود "أزمة حكم"، او بالاحرى يحاول لحسابات اقليمية او رهانات رئاسية شخصية ان يعطي هذه الازمة ترجمة مشوهة بسحبها فوق رأس السلطة التنفيذية.

***

الادهى ان مؤتمر الحوار الوطني سيقفل اليوم ملف هذه الازمة لاستحالة الاتفاق على حلها، في وقت يستذكر اللبنانيون المثل القائل "شر البلية ما يضحك"، باعتبار ان اميل لحود يستأسد في هذه الأيام، ولكأنه يدخل اليوم مظفرا الى قصر بعبدا، حيث لن يطول الوقت حتى يعود الى مواويله القديمة عن خطاب القسم ودولة القانون والمؤسسات... فمن أين يأتي اللبنانيون بصبر أيوب؟

هذا هو السؤال!

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف