جريدة الجرائد

دام عزّ عماد

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أميمة الخميس

كثيرا ما يربط المؤرخون نكوص وانحدار الحضارة الإسلامية بسقوط مدينة بغداد عام 656 (في القرنين السابع والثامن الهجريين) حيث بدأت عوامل الوهن والضعف تظهر على الحضارة الإسلامية آنذاك، وبفقدانها قوتها المركزية سياسياً، بدأت الممالك والدول تستقل عن المركز.

وتسرب هذا الضعف إلى الحياة الفكرية والأدبية أيضاً، حيث أقفل باب الاجتهاد فقهياً واستقرت المذاهب الأربعة، وعلى المستوى الأدبي انشغل الأدباء والشعراء بالزخرف اللغوي والفسيفساء اللفظية، فأصبح الأدب عبارة عن نسيج موشى بأنواع المحسنات البديعية من جناس وسجع وطباق، من دون أن يصاحب هذا الغلاف العمق الفكري والفلسفي الذي كان عليه في العصور الإسلامية السابقة، فبات الشعراء يكتبون القصيدة التي تقرأ من الأول إلى الأخير، أو القصيدة التي تنتهي أبياتها بحروف إذا قرأت متتالية تكون جملة أخرى، أو قصائد تسمى بالمخمسات والمسدسات والمقطعات وما إلى هنالك من المعميات والألغاز، التي تنشغل باللغة وزخرفها من دون أن تكون مطية للفكر والمعنى.

كقولهم في هذا المجال ldquo;دام عز عمادrdquo; أو قولهم ldquo;سر فلا كبا بك الفرسrdquo; التي تقرأ من الأول والأخير فتعطي نفس المعنى، بل يقال أيضاً إن هذا التكلف بالزخرف اللغوي والحذلقات اللفظية تسرب إلى بلاط الخلفاء والولاة، فيقال إن أحد الولاة في خراسان أراد أن يبعث برسالة إلى قاضي مدينة (قم) فقال له: أيها القاضي بقم، وعندما لم يجد ما يتماشى مع المفردات التي تتناغم مع سجع الكلمة، قال له: قد عزلناك فقم.

بالطبع هذا الخور والتهافت اللغوي ما هما إلا انعكاس للغة باتت عاجزة عن تجاوز مأزقها الحضاري والفلسفي بسبب السقوف المنخفضة وإقفال أبواب التفكير والقياس والاجتهاد، فباتت تدور حول نفسها عاجزة عن التحليق أو اختراق جدران الغرف التي أوصدت أمامها آفاق الفكر والفلسفة، وتحول الفقه إلى كائن مطيع مدجن مسيس في بلاط الخلفاء والولاة.

وعندما أقفل نبع ماء الحياة عن حديقة الفكر والفلسفة في الحضارة الإسلامية، وقتها انتشرت مقولات تدعم هذا الحصار وتحكم تطويقه للعقل من نوع ldquo;من تمنطق فقد تزندقrdquo;، ldquo;أو من طلب الدين بالكلام فقد تزندقrdquo; وجميع هذه الحواجز والموانع الشاهقة التي تمنع مغامرة العقل الإنساني الكبرى في تحدي ظروفه وظلمه ومهانته، وتبقيه في تلك المساحة المشلولة التي يعجز بها عن التغيير أو المطالبة به، وبالتالي يصبح طيعاً سهلاً قابلاً للانقياد، متوافقاً مع ما يقول الحجاج في خطبته الشهيرة مخاطبا أهل العراق ldquo;لألحونكم لحو العصا وأسوقنكم سوق غرائب الإبلrdquo;.

وبات الكمال نموذجاً بعيداً مطلقاً ومثالياً لكنه غير موجود على أرض الواقع. بالطبع لا أحد يدري كيف الوصول إليه، مادام باب الاجتهاد مغلقاً وباب التفكير والمنطق مهدداً بتهمة الزندقة، وظل الانحدار يتلوه الانحدار والظلمة تطوق المكان إلى أن استيقظ العالم العربي على قنابل مدافع نابليون تصم آذانه على شواطئ مصر.

ولا نتفاءل اليوم أو نظن أن هناك أمراً قد تغير، فمازال الجمع يرتع وينتظر قدوم المستبد العادل أو الشيخ أسامة الذي أتحفنا في خطبته الأخيرة بهجومه على المفكرين العرب، فمن يطلق فتواه من كهف مظلم يصبح التفكير بالنسبة له خطرا حقيقيا يستل منه سطوته. التفكير هو الكرامة الإنسانية والحرية وشق أستار الظلمة، هو المواجهة الحقيقية أمام الأدوات الهزيلة التي يتسلط بها على الضعفاء والسذج العاجزين عن التفكير، طوال الوقت كان التاريخ يحذرهم ldquo;من تمنطق قد تزندقrdquo;، ومن هنا ليس عليهم سوى أن يؤمنوا، لكل من ارتدى عمامة، ووعدهم بتين في الجنة.

اليوم الشيخ أسامة يستشعر خطرا حقيقيا من أولئك الذين باتوا يفجرون الأسئلة في وجه النمطي الظالم والمفرغ من فحواه الإنسانية، على اعتبار أنه يستأثر بالأجوبة كلها دون العالمين.

الشيخ أسامة لا يريد مفكرين ولا يريد فلاسفة، لا يريد الضوء داخل عتمة الكهف. يريد فقط حواة ومشعوذين لا يفكرون بل يتلاعبون بالألفاظ والمفردات بعيداً عن المعنى ودام عز عماد.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف