جريدة الجرائد

زواج المسيار: جدلية الحقوق والتخلف

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

الإثنين: 2006.05.15

عائشة المري

تشكل مكانة المرأة في المجتمع معياراً حقيقياً لقياس مستوى التطور الحضاري لذلك المجتمع، وهي درجة لا تقاس بالطبع بارتفاع معدلات التنمية الاقتصادية للمجتمع بل باحترام المجتمع للمرأة وتمتعها بالحرية ومساواتها بالرجل في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص ودورها في الحياة العامة، وليس من ومتى ما أنصفت المجتمعات المرأة في قوانينها ونظمها انعكس ذلك على المجتمع بشكل وعام.
وبين خبرين مثيرين للاهتمام ننطلق في مقامنا هذا للحديث عن حقوق المرأة كحقوق للمجتمع، فالخبر الأول يشير إلى أنه قد تم تعيين خمسين امرأة في منصب الإمامة لأول مرة في تاريخ المغرب، وستقوم النساء اللائي يحملن لقب مرشدات دينيات بتقديم التعليمات الدينية الأساسية في المساجد، كما سيقدمن المساعدة في السجون والمدارس والمستشفيات، ولكن المرشدات المغربيات لن يُسمح لهن بإمامة صلاة الجمعة. ومن المغرب إلى المشرق فقد أجاز مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة ما يعرف بزواج "المسيار" وكذلك زواج "الفرند". البون شاسع بين محتوى الخبرين، فبين إمامة تلعب فيها المرأة دوراً تستعيد معه مكانتها في صدر الإسلام، وبين مجامع فقهية تسيطر عليها الذكورية مستبعدة النساء العالمات الفقيهات المفكرات من مناقشة قضية من أهم قضايا المجتمع، قضية ترتبط بالأسرة ومستقبل المجتمع.
إن التناقض بين الخبرين يحيلنا إلى القضية الأساسية وهي استبعاد المرأة عن قضاياها، أو ممارسة الوصاية على المرأة. تساؤل أثارته الدكتورة سهيلة زين العابدين بمقال لها بعنوان "هل علماء الأمة رجالها دون نسائها؟" نشر بجريدة "الخليج" في 13 أبريل 2006 قائلة: "ولستُ أدري إلى متى سيظل الرجال يوقفون على أنفسهم العلم والفكر وبحث قضايا الأمة؟ وإلى متى ستظل نساء الأمة مهمَّشات ومستبعدات؟ وكيف لعلماء الأمة يبحثون في سبل توحيدها، وهم يفرقون بين رجالها ونسائها؟"، سؤال وجيه من عالمة فقه ومفكرة إسلامية. لقد ناقش علماء المسلمين في مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة قضية من أهم القضايا التي تمس الأسرة النواة الأولية للمجتمع، وصدرت فتوى تمس حقوق المرأة مساً مباشراً وحقوق أطفالها بتغييب كامل للمرأة بإقرار صيغة زواج تزلزل كيان الأسرة، وتقلب المفاهيم الزوجية والأسرية. حقيقة أن المرأة نصف المجتمع إحصائياً وفعلياً فيستحيل على مجتمع أن يتطور ونصفه مشلول ومغيَّب عن قضايا المجتمع والأسرة. فكيف تجاهلوا العالمة الفقيهة بأمور الدين وكيف غيبت الدراسات الاجتماعية والنفسية لما يسمى بزواج "المسيار" وانعكاساته المستقبلية على مجتمعات تعاني من مشاكل مُعقدة ومتداخلة؟ هذه الفتاوى وغيرها تجسيد لتجاهل حقوق المرأة، ولا يخفى علينا أن تجاهل المرأة وتعطيل قدراتها يعكس تخلف غالبية المجتمعات الإسلامية والعربية منها على وجه الخصوص. ولا ننسى جدلية العلاقة بين التخلف وحرمان المرأة من حقوقها، فهل يسعى علماؤنا الأفاضل لتعزيز التخلف؟
إن المجتمعات الذكورية غالباً ما تقوم بتكييف الأعراف والقوانين لصالح الرجل، فالخُلع وهو الطلاق بفدية من الزوجة الكارهة لزوجها، على سبيل المثال، وهو طلاق برغبة المرأة تتنازل فيه عن كافة حقوقها، وجد أن تطبيقاته انسحبت في المحاكم حتى على قضايا العنف الأسري، واستمرار الزوج في ضرب زوجته أدى بالقاضي في قضايا عدة إلى طرح فكرة الخُلع على المرأة المعنفة التي قد تجده السبيل الوحيد للخلاص. فقانون الخُلع رغم الدعاية التي صاحبت إقراره في المجتمعات الإسلامية لا ينصف الزوجات لأنهن سوف يتنازلن عن كل مستحقاتهن المالية ويخسرن جميع الحقوق المستحقة لهن من مؤخر صداق وأثاث منزلي. بل إن الزوجة هي التي سوف تدفع للزوج الذي يكون في موقف أفضل منها لأنها هي التي تريد أن تودع الحياة الزوجية، وليس هو. لذا فزواج "المسيار" وحسب مجمع الفقه الإسلامي هو "إبرام عقد زواج تتنازل فيه المرأة عن السكن والنفقة أو بعض منها، وترضى أن يأتي الرجل إلى دارها في أي وقت شاء في الليل أو النهار"، عقد وجد فيه علماؤنا الأفاضل زواجاً مكتمل الأركان والشروط .
أثارت فتوى زواج "المسيار" سلسلة لم تتوقف من ردود الأفعال في الدول الإسلامية والخليجية على وجه الخصوص، والمجتمعات الذكورية بلاشك كفيلة بإيجاد المبررات لهضم حقوق المرأة والأطفال في سبيل متعة مجانية للرجل، نمتنع حتى عن تسميتها دعارة، فحتى الدعارة تكون مدفوعة الثمن. أول المبررات التي تفتقت عنها الذهنية الذكورية هي "العنوسة" أو المحافظة على عفة النساء المطلقات أو الأرامل أو ما هو أسوأ "العوانس"، "النساء الغنيات"! لا يجوز استخدام مشاكل اجتماعية كموضوع العنوسة كي تتنازل المرأة عن حقوقها وحقوق أطفالها، فالأجدر بالمجتمع أن يبحث في جذور المشكلة ويعالجها لا أن يقفز من فوقها بالمزيد من الانتقاص لحقوق المرأة. الشيخ أحمد الكبيسي ذكر أن زواج "المسيار" هو زواج مُباح شرعاً غير أنه "مرذول" ولا تقبل به امرأة تحترم نفسها. وكيف تقبل به مجتمعات تحترم المرأة وكيف يقبل به رجل لأهل بيته؟.
إن زواج "المسيار" هو إهانة صريحة للرجل قبل أن يكون إهانة للمرأة، إن حقوق المرأة في الإسلام أسمى من الممارسات المجتمعية، ونظرة الإسلام للمرأة أعمق من فتاوى تنطلق من القشور. فأين المرأة اليوم من المرأة في العهدين النبوي والراشدي حيث طبق فيهما الإسلام التطبيق الأمثل، ونالت فيهما المرأة كامل حقوقها، ومارستها. هناك حاجة ملحة لتصحيح الفهم الخاطئ للآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بالنساء. هناك حاجة للتأكيد على ومشاركة المرأة في مناقشة قضاياها، بإتاحة الفرص لها بالمشاركة في الحياة العامة، بإعطائها كامل حقوقها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومشاركتها في مؤسسات المجتمع المدني. فتغييب المجتمعات العربية للمرأة في مواقع صنع القرار كالمجالس التشريعية أدى وعبر سنوات من الممارسة إلى قوانين ونظم فيها غِبنٌ للمرأة كقوانين الأحوال الشخصية وقوانين العمل.
ينطلق علماؤنا الأفاضل من مجتمعات تسيطر عليها النظرة الدونية للمرأة، وتتعارض فيها التعاليم الإسلامية معظم الأوقات مع الأعراف والتقاليد والعادات التي تصب في إرضاء أهواء الرجل وتهميش المرأة. ولا نبالغ إذا قلنا إن الخطب الإنشائية التي نسمعها مع علماء الدين حول حقوق المرأة في الإسلام وتقدير المجتمع للمرأة و..و..و تتنافى مع الممارسات والفتاوى التي تتناثر هنا وهناك. وما زواج "المسيار" إلا نقطة في بحر من التمييز ضد المرأة، فأين الإسلام من الممارسات المجتمعية الذكورية.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف