استراحة الجمعة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
الجمعة: 2006.06.09
ناصر الظاهري
في سنوات الدراسة الجامعية، استغليت إجازة الصيف، وقلت: لأذهب إلى اليمن وجيبوتي وأثيوبيا وتنزانيا ومنها إلى زنجبار، هكذا وحيداًَ دون تخطيط، ودون رفيق، فقد كنت أعتبرها تجربة جديرة بأن يقوم بها الإنسان مرة، ليكتشف فيها الإنسان الآخر، ويعرف مناطق وعادات لبلدان ما زالت بكراً وبريئة، كان القلب ما زال بعافية الشباب، وحب المغامرة وخفة الحركة وروح الكشّافة والجوالة الذين يختصرون رحلاتهم في حقيبة سفر واحدة.
تعرفت على مدن كصنعاء وتعز والحديدة، دخلت بيوت اليمن، وعرفتها من الداخل بطقوس الكرم والطيبة وتفاصيل اليوم الطويل، الإحتفاء غير العادي لشخص لا يعرفونه إلا من لغته، وما يحمله للناس من محبة وشغف بالمعرفة لتاريخ الإنسان والمكان، كانت رحلة لا تعتمد على تخطيط أو برنامج مسبق، كانت الساعات والفرح بالأشياء هو الذي يسيّرني نحو فضاءات من التاريخ وغبرة الحضارات والأصالة المتجسدة في كل شيء.
كانت جيبوتي بأشيائها البدائية والبسيطة، وكأنها قطعة فصلت عن حركة العالم أو رماها البحر لليابسة من غير وداع، كان كل مكان فيها يجبرك أن تقف عنده لتتذكر العفوية والفطرة التي جبل عليها الإنسان قبل أن تهجم عليه الأشياء فتحول أموره للمعقد والمتعب، وتذهب بضحكته التي من القلب.
كانت أثيوبيا بذلك الإرث التاريخي وعقود من تحولات الزمن، وإذا بكل شيء له جذر في الأرض وأصالة يتناقلها الإنسان من جيل إلى جيل، طقوس القهوة الحبشية، ومتعة الأكلات الساخنة والحرّاقة والملفوفة بورق أشجار الغابات، وطيبة الإنسان الذي ما زال يذكرك بلونه المصبوغ به منذ فجر الحضارة الأولى، كانت رحلة في التاريخ ومع التاريخ، والكل يقف ولو لحظة معك، للتحية وإما لتقديم خدمة أو استضافة تخجل كلماتك، حتى عازف البيانو في فندق هيلتون أديس أبابا، يصر أن يستقدمك إلى بيته في إجازته، ليفرح بتقديم وجبة عشاء، صنعتها زوجته بطريقة استثنائية، كشأن أولئك الحبشيات المزهرات، خادمات المعابد، المندفعات كعربات النار المقدسة.
كانت تنزانيا بضجيج المدن السوداء، وما تحفل به من مكنونات المدن وتلاقي الغرباء من كل مكان، كنت تسمع ترديدات السفن الخشبية وما كانت تحمله وهي عائدة صوب بحر الخليج من خيرات واختلاط الدموع بالضحكات، ذاك الشقاء المر لبحارتها على سطوح مراكبهم، وما تخبئه الأقبية الرطبة من نشيج وآهات إنسانية، لأسود إنسانية، كانت تركض في البراري وترقص حول النار في الغابات، وتغني مع هبوب الريح وتمايل غصون الشجر، وفجأة قيدت بالحديد لتباع في أسواق العبيد.
ما كان يفزعني في تلك الرحلة، قرص الناموس وضجيج بعوض الليل الذي يبقى يصفّر حول أذنيك، فلا تنام من فرط الحساسية، وما تحمله من أفكار جاهزة عنه، وعن ما قد يسببه لك من ألم وأذى، فكنت أضرب حول سريري ناموسية مضاعفة الشبكات، وأشعل مصابيح قاتلة النواميس عند الرأس وعند القدمين، بعدها أدخل إلى سريري كطفل ما زال خائفاً مما قد يحدثه الليل وأصوات الظلمة.
ما عدا ذلك.. كانت من الرحلات الفردية الممتعة والتي قد لا تتكرر اليوم، إلا إذا كنت محاطاً بأصدقاء سفر وبترتيبات معدة مسبقاً، لأن القلب لم يعد بعافية الشباب، فقد أثقلته الحياة ومتطلباتها، وسكنته مسؤولياتها التي لا تنتهي، كما أن العالم تبدل كثيراً نحو الأسوأ والإنسان غدا مستوحشاً بعض الشيء، ولا تسيّره الطيبة والفطرة القديمة، رحلة كانت جميلة.. لو قلتم لي اليوم، هل تكررها؟ سأقول لا.. رغم أنها كانت جميلة، لكنني تغيرت حتى أنا، كما تغيرت روائح قرنفل زنجبار.