حين تعني الديموقراطية زيارة السيدة العجوز للسجن..!
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
السبت: 2006.07.01
عادل درويش
البريطانية جوزيفين روني من جيل آخر الرجال والنساء المحترمين المتشبثين بما بقي من سفينة الحضارة والإتيكيت، التي حطمتها أمواج القبح وفساد ذوق المعاصرين.
المدام روني، صاحبة القلب الشاب والعقل الحاضر في جسم يقاوم ضربات 69 عاما، متدينة باعتدال تقوم وحدها، واحيانا بمساعدة متطوعات من جيلها، بدور خيري في مدينة دربي في وسط انجلترا. الهوانم المحترمات، يجمعن التبرعات بالأسلوب المتوارث منذ صمودهن وامهاتن في الحرب العالمية التي هزمن فيها سلاح الجو الالماني، اللوفتوافا، بالابتسامة والهدوء والتعاون وتبرع الافراد بالقليل من اجل رفاهية المجتمع. يصنعن سترات "التريكو" اليدوية يخبزن الكعكات الأنجليزية المشهورة، ويجمعن ما يجود به الجيران لتباع في احتفالات تقليدية، ويجمعن الجنيهات والشلنات لمساعدة المحتاجين ممن حطم الإدمان حياتهم؛ والمشردين بلا مأوى.
النشاط معتاد في المجتمع البريطاني، خاصة في الضواحي وقرى الريف حيث يماثل النشاط الخيري في الجمعيات كسكان الحي، والكنائس والمدارس، وحتى في المقاهي والحانات، مألوفات الحياة اليومية كزجاجات الحليب على عتبات البيوت وتهذيب سياج الحديقة الأمامية.
الجديد في نشاط المدام روني، حملة "العصيان المدني" الفردية التي دفعت بها، كقذيفة منجنيق، الى الصفحات الأولى ونشرات الأخبار الإذاعية والتلفزيونية بعد قضائها يوما ونصف في السجن.
ورغم فوزها هذا العام بجائزة ألف جنيه تقديرا لنشاطها الخيري، حكم قاض بحبسها لامتناعها عن دفع 800 جنيه استرليني ضريبة المجلس المحلي لمدينة دربي تراكمت منذ نوفمبر عام 2004. وتقدم "فاعل خير" بدفع المبلغ المستحق، وأسرع مجلس مدينة دربي بمناشدة المحكمة، في جلسة خاصة، الإفراج الفوري عنها بعد قضائها يوما وليلة في السجن.
وأعربت السيدة، في البي بي سي، عن خيبة املها من فاعل الخير وعنفته في التليفون لأنه منعها من اكمال حملة العصيان المدني التي بدأتها، حيث أرادت تركيز الإعلام على حالتها لتفضح اخفاقات ونفاق نواب المجلس المحلي لمدينتها.
ودعت كل من خاب امله من مستوى خدمة البلدية المحلية الى امساك الضريبة عن المجالس ودفعها للمؤسسات الخيرية التي تدعم الجياع في افريقيا، قدوة بتحويلها مبلغ الضريبة الشهري مع الف جنيه الجائزة، الى مؤسسة تساعد اللاجئين في دارفور.
بلدية دربي، أخفقت في رعاية الشارع الذي تقيم فيه المدام روني. فقد تحول شارع من طريق باشجار وارفة ومناظر جميلة قبل عشر سنوات، الى مسخ شوهته المطبات والقاذورات، ومنازل مهدمة اصبحت اوكارا لمدمني وتجار المخدرات؛ وغابت احواض الزهور من الرصيف ليتحول لمسار لعرض بضاعة الغانيات على سائقي السيارات.
وسد نواب المجلس المحلي آذانهم لشكوى السكان المتكررة، وأغمضوا عيونهم عن المناظر البغيضة وجلسوا فوق ايديهم بعد ان أدمنت ألسنتهم ذرف الوعود الكاذبة.
وظفت السيدة العجوز منطق حكومة توني بلير التي اعادت صياغة العلاقة بين دافع الضرائب والجهات الموفرة للخدمات لتصبح علاقة مستهلك بمنتج، لتبرر عصيانه المدني.
فبعد خصخصة مصالح السكة الحديد والتليفونات والكهرباء والماء والغاز، وجزء من خدمات البلدية، كالاتوبيسات، وحضانات الأطفال وجمع القمامة، وصيانة اشارات المرور، ومصابيح الإنارة في الشوارع وتحرير مخالفات انتظار السيارات، اصبحت المصالح توجه رسائلها الى المواطنين "كمستهلكين".
وفقا لقانون توصيف السلع يحق للمستهلك الامتناع عن دفع ثمن البضاعة او الخدمات للمنتج اذا كانت اقل من المواصفات المعلن عنها. والى ذلك اعتبرت السيدة ان الوعود الانتخابية بتقديم الخدمات للناخب/ المستهلك، تساوي في، عرف حكومة بلير، كإعلان المنتج عن سلعة او خدمة يكتشف المستهلك عدم مطابقة للمواصفات المعلن عنها. ولذا فضريبة المجلس المحلي التي تدفع شهريا، رغم انها تحدد سنويا، كشراء السلعة بالتقسيط، وعليه، فمن حقها الامتناع عن دفع بقية أقساط غسالة كهربائية حتى يتم اصلاحها، مع تعويضها عن المرات التي لم تنظف الغسالة الملابس اي لم تف بالغرض الذي اشترتها من اجله.
ودعت المدام روني سكان اي بلدية تخفق في توفير خدمات المرافق والأمن (خاصة وان البوليس يمول من الضرائب المحلية) الى تحويل قيم الضريبة لجمعيات خيرية ترعى اللاجئين في افريقيا.
وإجراء السيدة العجوز، في رأيي، أرقى مستويات الممارسة الديموقراطية؛ وادعو مؤسسات المجتمع المدني في بلدان الشرق الأوسط وصناع الرأي العام في منابر الإعلام العربية ان يدرسوا موقفها ويقدموا تحليلاتهم للقراء والمستمعين في بلدان منطقة تتحرق شعوبها للديموقراطية والتمثيل النيابي في برلمانات "بجد" وليست برلمانات ديكور، "تبصم" بالموافقة على قرارات انفرادية "للزعيم، القائد، الملهم".
فالضرائب، محلية وعامة، هي الجسر الذي تمر عليه العلاقة السياسية بين المواطن/ الناخب، وبين الحكومة التي انتخبتها الأغلبية. وضريبة المواطن هي ثمن ايجار مقعد الدائرة في البرلمان او المجالس المحلية لأربع او خمس سنوات (حسب الدستور). ولعل احد اسباب تعثر تأسيس ديموقراطية حقيقية في منطقة الشرق الأوسط، والتي تتطلب ترسيخ الثقافة الديموقراطية لدى المواطن، هو فوضى النظم الضرائبية. فإما الضرائب غير مقننة دستوريا تحدد نسبة الإنفاق على الخدمات من الضريبة كي يحاسب الناخب الحكومة على كيفية انفاقها الضرائب على الخدمات والمرافق وعلى السياسة الخارجية. او لا وجود للضرائب اصلا كمصدر دخل ميزانية الحكومة، بسبب فائض الثروات القومية الطبيعية التي تملأ خزانة دون حاجة للضرائب.
ورغم حسن حظ الشعوب التي تتوفر لها خدمات عامة وصحة وتعليم مجانية، تحسدهم عليها شعوب اوروبا، لكن ذلك، خلق احساسا باعتماد كامل على الدولة (التي تصبح هي الحكومة بعكس النظم البرلمانية التي تظل فيها اجهزة الدولة ثابتة، وتتغير الحكومة بانتخاب دافع الضرائب لها)، وتصبح رعاية الدولة ابوية يتوقع الأبناء فيها توفير الخدمات دون تنمية احساس الواجب بالمساهمة في الانتاج، (وزوبعة توقع ملايين المتفرجين العرب ان تدعم حكوماتهم ثمن نقل مباريات المونديال الى شاشاتهم الصغيرة بمنازلهم فيما لا تخطر الفكرة ببال مواطن غربي).
وفي كل الشرق الاوسط، تغيب حرية الصحافة بمعناها الإيجابي الغربي، وبالتالي يغيب دورها كسلطة رابعة تلعب دور المفتش في التعليم والمراقب المحاسبي في الاقتصاد، والمراقب السياسي للتجاوزات الدستورية.
وبعكس الاعتقاد الشائع بتكبيل "الديكتاتوريات العربية" للصحافة، فإن غياب حرية الصحافة، في رأيي، يعود الى غياب اقتصاديات السوق الحر، وإلا كيف تفسر غياب الحرية عن الصحف العربية الصادرة في الغرب او في بلدان خارج النفوذين السياسي والقضائي للبلدان التي يحمل اصحابها جنسياتها؟
فالصحف العربية خاضعة للثقافة الأبوية للدولة /الحزب/ مؤسسة التمويل، بدلا من ان تكون مستقلة، ولا يمكن لذلك أن يحدث دون استقلال اقتصادي تستطيع فيه الصحيفة ان تمول نفسها.
ولذا فعدم دفع المدام روني ضريبة بضعة جنيهات للمجلس البلدي، هو زلزال سياسي يذكر العالم، خاصة العالم الثالث، بأبسط انواع التربة او البيئة (والكلمة بالإنجليزية تعني ايضا الثقافة) الصالحة لزرع بذرة الديموقراطية لتنمو فيها أشجار تعيش أكثر من الف عام.