التحقق بين الثقافات والعلم
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
إبراهيم البليهي
الثقافات كيانات مستقرة ومنتظمة ومهيمنة بل إنها كيانات أبدية تحافظ بمنتهى القدرة على استمرار بقائها وديمومتها وتقاوم بنجاح مدهش أي طارئ فهي تتكفَّل باستمرار التناسل النمطي مثلما تتكفل الخلايا الوراثية باستمرار التناسل البيولوجي فأشد الثقافات إيغالاً في التحريف كالديانة اليزيدية ما زالت صامدة بمنتهى العنفوان أمام تيارات الأفكار وفتوحات العلوم وهذا يؤكد أن تأثير العلوم ما زال محصوراً بالمجالات المادية فما يستوعبه الدارسون في المدارس والجامعات مما هو طارئ على الثقافة يُشبه عُدَّة العمل فهو لا يجري استعماله إلا وقت العمل أما في مجالات الحياة الأكثر عمقاً واتساعاً فلا تأثير له عليها ولا علاقة له بها فالثقافة السائدة في أي مجتمع هي صاحبة الدار والأمر والنهي والمنح والمنع والفتح والإغلاق فلا تسمح لأي طارئ بأن يربك عليها نظامها فهي الأسبق والأرسخ بل إنها تعمل بمنتهى الفاعلية دون شعور من المبرمجين بها أما العلوم فهي طارئة على حياة المجتمعات وذات تأثيرات جانبية وينحصر اختصاصها بالعمل المهني بالنسبة للأفراد ولخدمة الاتجاهات التي تقررها الثقافة بالنسبة للمجتمعات ولا علاقة لها في الأعماق النفسية ولا في توجيه الحياة فالثقافة هي التي تقرر الاتجاه أما العلوم فينحصر دورها في توطيد وإنجاح المسار المقرر فتأثير العلوم تأثيرٌ هامشيٌ وسطحي وشكلي ومادي محض فالثقافة المتوارثة قد احتلت الأذهان وامتزجت بالعواطف ويجري توارثها منذ عصور سحيقة أما العلوم بالنسبة للمجتمعات التي لم تنتجها فهي لباسٌ منفصل عن جسد المجتمع وطلاء خارجي للبنية الثقافية المهيمنة..
ومعلومٌ أنه في العصور القديمة كانت كل ثقافة تعيش معزولة نسبياً عن الثقافات الأخرى فتبقى منفردة بنفسها ومتحصِّنة عن غيرها إلا إذا تعرَّضت لاجتياحات الغزاة وفي الغالب كانت الاجتياحات الخارجية تؤدي إلى نكسات ثقافية للأمم المتحضرة لأن الغزاة في الغالب من جفاة البادية الأجلاف القُساة مما جعل النكسات تتوالى على ثقافات الأمم حتى حصلت الطفرة الأوروبية فوفَّرتْ للحضارة قدرات لا يستطيع أهل البادية مواجهتها فانتهى الصراع بين البداوة والحضارة على مستوى المواجهات العامة وبقيت فلول البداوة تواجه الحضارة بالإرهاب على مستوى الأفراد والتنظيمات غير الحكومية إن ما أنتجه الغربيون من علوم ومناهج ونُظُم ووسائل وتقنيات قد أحدث في الحياة الإنسانية تبدلات جذرية وليس التخلص من اجتياحات البداوة للحضارات وتعميم التعليم سوى نماذج من هذه التغيرات النوعية في الحضارة الإنسانية..
إن أفراد المجتمع في الثقافات القديمة كانوا في الغالب من الأميين وكانت ثقافة المشافهة هي مصدر المعرفة الوحيد تقريباً فلم تكن مناهج التحقق بالاستقراء والاختبارات والتجارب وغيرها من مناهج العلم قد عُرفتْ بعد وكان المتعلمون القليلون يعتمدون على الموروث نقلاً واجتراراً وكانوا فئة محدودة العدد وتعيش أحياناً خارج تيار الحياة المدفوع بالأهواء والمصالح والجهالات أو تكون مهمتهم تكوين وتطويع الثقافات لخدمة الأوضاع القائمة وإلباسها المشروعية أمَّا في هذا العصر فقد جرى تعميم التعليم في الأقطار التي لم تسهم في إنتاج العلوم الحديثة فأصبحت الأجيال تتلقى في المدارس والمعاهد والجامعات علوماً انتجتها مجتمعات أخرى وهي علوم غريبة على الأنساق الثقافية السائدة المتوارثة فلقد فوجئت هذه المجتمعات الاجترارية بما جرى في الغرب من اختراقات هائلة وتغيرات نوعية معرفية وتنظيمية وتقنية ولم يكن أمامها سوى الاستيراد للعلوم والتقنيات، والنظم التعليمية والشكليات وكان المظنون في السابق أن يؤدي تعميم التعليم المملوء بعلوم العصر إلى تذويب الفروق بين الثقافات لكن تجربة القرن العشرين أثبتت أن كل ثقافة هي بنية مغلقة مكتملة التشكُّل خلال العصور قبل أن تطرأ علوم التحقق الوافدة وأن الثقافات السائدة ترفض تلقائياً أي فكر وافد إذا لم يكن من طبيعتها مما يتكفَّل لها بالديمومة واستمرار الهيمنة إن الثقافات تتمسك بالوجود وتصرُّ على البقاء وهي تمتلك أجهزة مناعية مذهلة في صمودها تجعلها تستعصي على أي اختراق طارئ.
إن العقل يحتله الأسبق إليه وعقلُ الإنسان يتشكَّل في سنوات طفولته المبكرة لذلك فإن الثقافات السائدة هي التي تحتل العقول وتهيمن على العواطف قبل الاتجاه إلى التعليم وتستمر في الهيمنة أثناءه وبعد الفراغ منه فهي ممتزجة في الفرد تجري منه مجرى الدم وتسري فيه مسرى الحياة أما ما يتلقاه من علوم في المدارس والجامعات فيبقى للاستخدام المهني فقط فالناس مصوغون بالبيئات الاجتماعية التي ينشأون فيها وليس بالتعليم الطارئ الذي يتجرَّعونه كرهاً..
إن البيئات الاجتماعية شديدة التفاوت ثقافياً بل إنها ذات اختلافات نوعية في نظمها المعرفية وفي تصوراتها وقيمها ونظرتها للكون والحياة والإنسان فالفرد الذي يولد وينشأ في بيئة ثقافية منفتحة تحترم الإنسان وتفتح الخيارات أمامه يتبرمج بما ينمي ذكاءه ويسدد تفكيره ويملؤه رغبة في التعلم والتحقق أما الذي يولد وينشأ في بيئة ثقافية منغلقة فإنها تبرمجه بأوهام الاكتفاء وقناعات الانغلاق مما يُخمد ذكاءه ويجمِّد تفكيره ويستبقيه جاهلاً مركباً يصدُّه جهله المركَّب عن طلب المعرفة فيبقى مكتفياً ومغتبطاً بما امتصه امتصاصاً تلقائياً من المجتمع وهذا تكوين ذهني وعاطفي وأخلاقي خطير لأنه في هذه الحالة يكون معتمداً على ثقافة المشافهة والارتجال التي لم تخضع لأي مراجعة أو تمحيص أو تحقُّق..
ومع خطورة هذا التكوين التلقائي الذي يبقى ملازماً للفرد مدى الحياة فإن الغالب على أكثر الناس في معظم المجتمعات هو التبرمج امتصاصاً بهذا الجهل المركَّب وهذا هو الذي يخلق العداوات بين الفئات المختلفة داخل المجتمع الواحد كما يخلقها بين المجتمعات المختلفة ويؤجج الأحقاد ويملأ أذهان الناس في كل مجتمع بتصورات خاطئة وأحكام جائرة على المجتمعات الأخرى أو على بعض الفئات داخل المجتمع ذاته وبهذا تحصل الانشقاقات وتستعر الحروف وتدوم الثارات ويتفاقم التنافر فالإنسانية كلها ضحية البرمجات الثقافية التلقائية المتعارضة وهي برمجات لم تتعرض للمراجعة والتحقق وإنما هي ميراث متصل عبر التناسل الثقافي حيث يبقى الناس مأخوذين بالموروث وبالسائد أياً كان نصيبهما من القُرْب أو البُعْد عن الحقائق الموضوعية.
إن أذهان الناس عند الولادة تكون فارغة لكن ما أن تستقبلهم البيئات المتباينة حتى تحتشد عليهم المؤثرات التي تبرمجهم وهم في سن لا يملكون فيها قدرة الفرز ولا إمكانات التمحيص وإنما يتلقون سلبياً دون أي تشكُّك أو تساؤل أو مقاومة وينفعلون بالبيئة انفعالاً تلقائياً يلازمهم في الغالب إلى أن تنتهي بهم رحلة الحياة لذلك فإن أذهانهم كثيراً ما تمتلئ بالضار من الأفكار والتصورات والمعايير كما تمتلئ بالجهل المركبَّ وقد يكتسبون الحمق المقيم ويعتادون المكابرة التي تصرفهم عن الحق فما أكثر البيئات المليئة بالحمق والجهالات والانغلاق والتعصب والمكابرة فليس كل ما يتلقاه الأطفال في كل المجتمعات نافعاً وقائماً على الحقائق وإنما هو في الغالب نتاجٌ تلقائي تتوارثه الأجيال بغبطة وفخر دون أية مراجعة فكل جيل يُبرمجه الجيل الذي قبله ويُبرمج هو الجيل الذي بعده وأكثر محتواه هو من ثقافة الارتجال والمشافهة ومع ذلك يبقون مغتبطين به ولا يسمحون للضوء أن ينفذ إليه فيظل محصَّناً من المراجعة والتحليل..
ورغم تعميم التعليم في كل أقطار الأرض فإن الناس لم يكتشفوا هشاشة المعرفة التلقائية التي يتوارثونها بل بقوا مصرين عليها وفخورين بها إن النتائج الضحلة لتعميم التعليم واستمرار التخلف في الكثير من أقطار الأرض في آسيا وافريقيا وأمريكا الجنوبية تؤكد أن الناس رغم تلقيهم العلم ما زالوا غير مدركين لطبيعته ولا مستفيدين من مناهجه في التحقق ولا من روحه الدافعة إلى التعلق بالحقيقة الموضوعية: بحثاً عنها وإخلاصاً لها وابتهاجاً بها والتزاماً بمقتضياتها ففي العلم لا يحصل التوصُّل إلى أية نظرية إلا بعد جهد جهيد واهتمام قوي مستغرق في البحث والاستقصاء وتأمُّل عميق وإدراك لتعدُّد أسباب الأشياء وقدرة غير عادية على الاختراق والفهم ورغم كل ذلك لا يحصل قبول النظرية إلا بعد إخضاعها لأساليب التحقق الصارمة حتى لو كانت النظرية لا تؤثر على حياة الناس وإنما تتعلق بظاهرة طبيعية بعيدة عن مسيرة الحياة وحتى بعد قبولها تبقى معرَّضة دائماً للنقد ومحاولات التفنيد أما في الثقافات فيحصل الاستسلام التلقائي دون أي تشكك أو تساؤل أو تمحيص لكل التصورات والأحكام والأفكار والمعايير والمقولات التي تمليها الثقافة حتى لو كانت تتناول أخطر القضايا وأشدها تأثيراً على الحياة العامة والخاصة وهذه من أشد المفارقات البشرية وهي أكبر عوامل الفشل الإنساني في التنمية والانسجام.
إن أحكام ونتائج العلم لا تأتي ارتجالاً كما هو شأن الثقافات التي يتشبَّع بها الناس تلقائياً فأحكام العلم هي حصيلة جهود حثيثة ومتصلة من البحوث والاختبارات والتجارب والمناهج الصارمة والتثبت المتكرر ومع كل ذلك فإن العلوم لا تدعي امتلاك الحقيقة حتى في الجزئيات التي تحقَّقَتْ منها وإنما تستبقي كل الآفاق والأبواب والمنافذ مفتوحة للمزيد من النقد الأمين والمراجعة المستمرة والتصويب المتكرر حتى لما شهدت بصحته التجارب والاختبارات والتطبيقات ومع كل هذه الفروق الجوهرية في التكوين بين الثقافات والعلوم فإن الثقافات هي المهيمنة وهي الفاعلة في توجيه المجتمعات والأفراد فالمتعلمون يتلقون العلم لكنهم لا يتأثرون بروحه المتشككة المتسائلة ولا بمنهجه الدقيق الصارم لأن الحقائق تأتيهم جاهزة مثل جاهزية الأفكار السائدة فلا يحسون بالجهود الخارقة التي بذلها العلماء من أجل الكشف والتحقق والأكثر إعضالاً أن هؤلاء الدارسين يكونون قبل التعليم قد تشبَّعوا تلقائياً بثقافة البيئة أثناء عملية التنشئة والتطبيع وهو تطبيع تلقائي قائم على المشافهة والارتجال والتلقين ومكبَّلٌ بأوهام الكمال والاكتفاء والامتياز ومشحونٌ بالانحياز والتعصب والانغلاق لذلك لا يترك التعليم أثراً نوعياً ولا تغييراً فاعلاً في بنيتهم الذهنية والوجدانية والأخلاقية وإنما يظل تأثير العلوم هامشياً وخارج تكوينهم النفسي لأنهم تلقوا نتائج العلم ولم يشاركوا في تكوينه ولا عرفوا كيف جرى هذا التكوين والأهم من ذلك أن أذهانهم كانت موصدة أمام أي تغيير نوعي في التفكير فالتعلُّم لا يأتي بدافع الرغبة القوية لمعرفة الحقائق الموضوعية وإنما تكون القناعات مكتملة وثابتة ومستقرة قبل التعليم وأثناءه وبعده ليس نتيجة البحث والتحقق وإنما نتيجة التشرب التلقائي المحض فالتعليم يزود الدارسين بمؤهلات العمل فقط وليس برؤية الوجود وقيمة الإنسان ومعنى الحياة وكيفيات الإدراك الموضوعي..
إن العلم الحديث في الأمم التي لم تشارك في إنتاج معارف هذا العصر يأتي إلى الدارسين جاهزاً ومتأخراً بعد أن يكون قد اكتمل تشكُّلهم الذهني والوجداني والأخلاقي لذلك يتلقونه في الغالب كارهين له مجبرين عليه فهم في الكثير من الحالات لا يتجهون إليه عن رغبة ذاتية في العلم ذاته وإنما من أجل الشهادة ودخول مجالات العمل مما يجعلهم يعانون المشقة في تحصيله أثناء الدراسة النظامية فيبقون نافرين منه كارهين له ثم ينسونه بسرعة إنهم لا يتلذذون به فهم مرغمون عليه ولم يأتوا إليه بدوافع معرفية ولا بادراك مغزاه وقيمته فيبقى ملصقاً خارجياً بأذهانهم وليس ممتزجاً في بنيتهم الذهنية ولا مؤثراً في فاعلياتهم الوجدانية والأخلاقية لأنه ليس تلقائياً وإنما هو نوع من القسر الذهني مما يجعل فشله حتمياً فالمعرفة هي بناء قناعات ولا يمكن أن تأتي القناعات قسراً.
إن اجتياز مراحل التعليم لا يؤثر على البرمجة الثقافية المستقرة فتَلقّي العلوم يختلف نوعياً عن التمرس بإنتاجها فإنتاج المعرفة يقوم على الاهتمام الذاتي القوي المستغرق بالحقائق والتلذذ باكتشافها وإدراك كثرة الصوارف عنها واصطحاب الشك في كل خطوة من خطوات التثبت منها أما تلقي العلوم الجاهزة فهو مجرد استقبال سلبي يشبه انزلاق الماء فوق الصخور الصلدة لا ينفذ إلى داخلها وإنما يقتصر تأثيره على ابتلال السطح الخارجي لها..
إن واقع المتعلمين في كل المجتمعات يؤكد أن البشرية ما زالت مأخوذة كلياً بثقافاتها الموروثة فهي بعيدة كل البعد عن الروح العلمية فما برحت هذه الروح محصورة بعدد محدود للغاية من قادة العلم ورجال الفكر والمتمرسين بإنتاج المعرفة أما عامة المتعلمين فإنهم في الغالب يحفظون القواعد والقوانين والنماذج والأمثلة والمعلومات ويكتسبون المهارات العملية ويلتزمون بها في أدائهم المهني وما عدا ذلك فهم يتصرفون بتوجيه الثقافة السائدة التي تبرمجوا بها منذ الطفولة فهي التي توجه تفكيرهم وسلوكهم بشكل تلقائي..
إن اتخاذ المواقف وإصدار الأحكام على الأحداث والأشياء والأفكار والمواقف والأشخاص والأعمال والأوضاع والأحوال والأمم والثقافات يتطلب معرفة كل ما يمكن معرفته من الحقائق بشأنها لكن ذلك هو أبعد ما يكون عن الممارسات البشرية فالرؤية الموضوعية الواعية وإدراك تحيزات النفس وأهوائها واتخاذ مسافة كافية من الذات من أجل التقييم النزيه وكذلك الالتزام بروح العلم ومقتضياته كلها ما زالت غريبة عن تفكير عامة الناس بمن فيهم من المتعلمين ومن يحملون أرفع الشهادات الأكاديمية فهذه المزايا العظيمة ما فتئت نادرة ومحصورة بقادة الفكر والعلم وهم فئة محدودة جداً من الناس فالشعوب تستفيد من تطبيقات العلوم لكنها لا تطبقها على ثقافاتها السائدة ولا تحاول هذا التطبيق باستثناء المجتمعات التي أنتجت العلوم وما سبقها من أفكار تأسيسية بل إن بعض الثقافات لا تعترف بأهمية هذا التطبيق وتعتبر أن كل إنجازات العلوم ما هي إلا محاولات بشرية مرتعشة أو خربشات فردية مرتبكة قياساً بما تحويه هذه الثقافات من قناعات راسخة لا يطولها التساؤل ولا يعتريها التغيُّر فهي محكَّات ثابتة للحقائق وليست الحقائق محكاً لها فكل ما هو بداخلها هو حقائق مطلقة وكل ما هو خارجها هو أوهام وتخرصات وأباطيل وفي أحسن الأحوال هي انشغالات لا تستحق الاهتمام..
وفي هذه الثقافات المتخمة بالوثوق والقائمة على المألوف والمشافهة والارتجال لا يتردد الناس في إصدار الأحكام المرتجلة دون أي حيثيات موضوعية تلتزم بقواعد العلم والأخلاق ويمكن التغاضي بعض الشيء لو كان هذا الاستخفاف والتسرُّع والفجاجة محصوراً بمسائل الحياة اليومية الجارية وإنما يُصدر الناسُ أحكاماً قاطعة دون تردُّد على أعقد القضايا وأشدها خطراً ليس على أفراد وإنما على مجتمع بأكمله أو على أمة بأجمعها ولو كانوا قد اكتسبوا شيئاً من الروح العلمية لما حصل هذا التسرع الفج الخطير بمثل هذه العفوية ويعود هذا الاندفاع إلى إصدار الأحكام القاطعة دون إحساس بالحرج إلى أن العلم طارئ على الثقافات البشرية وما زال تأثيره في تكوينها ضعيفاً غاية الضعف ولو شاعت الروح العلمية في المجتمعات الإنسانية لتغيرت المواقف والأحكام والعلاقات والأوضاع تغيراً جذرياً لأن العلم يقتضي التحقُّق الصارم وكما يقول عالم الفيزياء البريطاني جون بولكنجهوم في كتابه (ما وراء العلم): "لقد أثبتت الحقائق العلمية أنها صعبة المراس لأقصى حد وكثيراً ما تنتهي إلى حقائق تختلف تماماً عما توقعناه منها وتتحدَّى بديهياتنا لدرجة أنها تجبرنا على تعديلها بين الحين والآخر".. فإذا كان التحقُّق في العلم من الجزئيات المادية القابلة للتحليل العيني المباشر يظل عرضة للمراجعة والتمحيص والتراجع والتعديل فماذا يمكن أن يقال عن مواضعات لم تخضع لأي تحليل موضوعي ولا لأية مراجعة فاحصة ففي الثقافات تكون أحكامها ومواقفها قاطعة غير قابلة للمراجعة أما في العلم فإن نتائج الاستقصاءات الدقيقة تُعَدُّ مجرد مقاربات لا تدعي امتلاك الحقيقة وإنما تعلن بكل وضوح أنها تحاول أن تتلمَّسها أو تقترب منها وأن تُعبِّر عنها بمنتهى التواضع وبأقصى درجات الانفتاح للتدارك والتصحيح أو التراجع متى ظهرت وقائع تقتضي العدول عما كان معدوداً من المعارف الثابتة نسبياً فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لنتائج العلوم الممحَّصة فما هو نصيب ثقافة المشافهة والارتجال من الحقيقة؟!!..
إن انفتاح العلوم المطلق على الحقيقة وتوقُّعها الدائم للقصور واعترافها المبدئي بأولوية الخطأ واصطحابها الدائم للشك تبقى كلها حاضرة دائماً وبقوة رغم كل ما توافر للبحث من اهتمام قوي مستغرق ومن مناهج ضابطة وأجهزة دقيقة واختبارات متكررة ونقد موصول وتعاون وثيق وتكامل بين الحقول المعرفية وعلينا أن نقارن هذا الاستعداد المفتوح للمراجعة والتراجع بمواقف الثقافات داخل كياناتها أو مواقف بعضها من بعض مع أنها معرفة تلقائية لم توضع أبداً على محك التحقُّق لا من خارجها ولا من داخلها وعلينا أن نتذكَّر التعالي المنتفش الذي تتصف به الثقافات مع أنها معرفة مرتجلة ومستقاة بشكل تلقائي دون أي مستوى من مستويات المراجعة أو التحقُّق وأن نقارن ذلك بتواضع العلم الشديد مع كل جهود واحتياطات التحقُّق وبهذه المقارنة تظهر لنا خطورة البرمجات الثقافية..؟!!