جريدة الجرائد

روبرت فيسك: المطلوب من الصحيفة لم يعد أخبارا مكتوبة وإنما كتابة مرئية

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يعتبر أن من يريد أن يعكس صورة العرب عليه أن يكون بارعا في مخاطبة الآخر


حوار : سناء الجاك - الشرق الأوسط

فجأة وجد روبرت فيسك نفسه في وسط الأحداث المتسارعة في لبنان، وربما هو قدر هذا الرجل أن يكون شاهدا على التاريخ الحديث للبنان ، والامر ليس غريبا على "أعتق" مراسل أجنبي عرفته منطقة الشرق الاوسط. تجربته الشرق اوسطية تجاوزت الثلاثين عاما. بوابته الى الأحداث كانت لبنانية بامتياز. وبيروت هي مقر اقامته ومنطلقه الى الجوار القريب والبعيد، فقد تولى تغطية الحرب الاهلية في لبنان وتابع مع الاجتياح الاسرائيلي وعرّج الى الثورة الايرانية، ولم يغفل حربي العراق الاولى والثانية. كذلك لم يفوّت الغزو الاميركي لأفغانستان ومن ثم العراق. تحتار معه اذا كانت الاولوية لديه لمهنة الصحافة ام للسياسة بمعناها الفج والعميق. لا يمكن تجاهل مدى نقمته على الغرب، معتبرا ان سياسات الدول الكبرى هي المسؤولة عن أزمات العالم العربي واستمرار غياب الديمقراطية بمعناها الاشمل، أي المتحررة من السطوة الاميركية والمالكة لقرارها. لم يكتف بالكتابة الصحافية والرأي والتحليل، ليصدر مؤلفات تعتبر مراجع وتؤرخ لمراحل مهمة من الاحداث. "الشرق الأوسط" حاورت روبرت فيسك عقب تكريمه من ادارة الجامعة الاميركية في بيروت ومنحه دكتوراه فخرية، وقبل أيام من بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان، وفي ما يلي نص الحوار:
gt; هل تجد علة في كتابة الصحافيين الغربيين عن الشرق الاوسط؟ وهل تعتقد ان السبب سياسي ام مهني؟ وهل تظن انك تتميز عنهم لانك مرابط في بيروت؟

ـ كنت هنا مراسلا لصحيفة "التايمز" وبعدها لصحيفة "الاندبندنت". وفي "الاندبندنت" لم يعد أسلوب العمل هو ذاته المتبع في الماضي. لم يعد المطلوب من الصحيفة ان تقدم اخبارا مكتوبة وانما كتابة مرئية. رئيس التحرير يريد ان تدعم التغطية بآراء أصحاب الشأن، وأن ننقل قلقنا الذي نتشارك به مع أصحاب الشأن في القضايا التي نغطيها. ففي غزة مثلا يحق للمراسل ان ينقل صورة واضحة عن القلق حيال القصف والانفجارات ولا يكتفي بالتصريحات الرسمية لطرفي الصراع. ولكن غالبا ما نلاحظ ان صحافيين أجانب يأتون الى المنطقة ويجرون تحقيقات ويعاينون الاوضاع عن كثب ويجرون حوارات مع الناس وعندما يكتبون لا ينقلون الا وجهة نظر المرجعيات السياسية لبلادهم.

gt; هل يعني هذا الطرح ان على الصحافي الميداني ان يقرن تغطيته بوجهة نظره؟

ـ من السهل القول انك تعكس وجهة نظرك في التقرير. لكن الأمر لا يتعلق بوجهة النظر وانما الافكار التي تتكون من العمل الميداني ومن الاوضاع التي نلمسها. فوجود مراسل في مكان التغطية له هدف، ليس فقط الاستمتاع بالمناخ المعتدل لبلدان الشرق الاوسط والشمس والاجواء اللطيفة. عندما كنت في جنوب لبنان مثلا حرصت على ان انقل الى الرأي العام الذي يقرأني أحوال الناس هناك.

gt; هل تقوم بتأريخ المرحلة من خلال عملك ولا تكتفي فقط بتغطيتها صحافيا؟ هل تعتقد ان دور الصحافي ان يكون مؤرخا؟

ـ نعم بشكل ما. كثير من الصحافيين يقولون انه من الضروري ان نحتفظ بورقة في الجيب. انا اقول يجب ان نحتفظ بحكاية من التاريخ. اذا عدنا مثلا الى مطلع القرن الماضي، بين 1918 و1920، نجد في الوثائق ان البريطانيين عندما جاؤوا الى بغداد لم يعرفوا عن انفسهم بانهم قوة احتلال وانما قوة تحرير. قصفوا الفلوجة والنجف ودوّنوا في وثائقهم ان "الارهابيين" تسللوا الى العراق من الحدود السورية. التاريخ يعيد نفسه والصحافي الذي لم يقرأ هذه المعلومات لن يفهم ما يحصل اليوم في العراق وفي بقية دول المنطقة. لهذا السبب انا باق في المنطقة اريد ان اتابع عن كثب وافهم ما يجري يوما بيوم وحدثا بحدث.

gt; هل أصبحت مهنيا اسير اوضاع منطقة الشرق الاوسط وتطواراتها؟ وهل تعكس هذه المتابعة حالة صحافية صحية وموضوعية؟

ـ انا اتابع ما يجري في المنطقة. عندما بدأت بتغطية الحرب اللبنانية عام 1975 لم أحسب اني سأتوغل في جنوب لبنان واتابع تفاصيل الاحتلال الاسرائيلي واستمر 15 عاما، وانتقل الى فلسطين والعراق. وانا الان متشائم حيال الاوضاع. العراق يسير الى المجهول والدولة الفلسطينية جثة محنطة لا يسمح لها بالحياة.

gt; الا تلاحظ ان تحميلك السياسة الغربية مسؤولية الوضع في الشرق الاوسط في ما تكتبه، يقرأه البعض وكأنك مؤيد للانظمة العربية؟

ـ بعد الحرب العالمية الاولى سعت الولايات المتحدة الى شرق اوسط ديموقراطي من المغرب الى الخليج العربي. لكن القوى الاوروبية لم تكن تريد ان تفقد سيطرتها على المنطقة لذا قسمتها لتسهل السيطرة عليها. ودعمت انواع الحكم التي تناسبها واعلنت الحرب على الحكام الذين يعارضونها. حرضت الدول المتجاورة على بعضها وشجعتها على حماية نفسها فباعتها الاسلحة التي تنتجها ولم تسجل حضورها الا من خلال الحرب. الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مثلا كان مقبولا من بريطانيا حتى قرر تأميم قناة السويس. حينها أصبح "موسوليني النيل". gt; لديك بعض المصطلحات الخاصة بك في كتاباتك. انت مثلا تتجنب كلمة "ارهاب" لماذا؟

ـ لأن هذه الكلمة هي المفتاح لتبرير السياسة الأميركية الخارجية. يكفي التلويح بها ليصبح الشيطان حاضرا وتلغى الاسئلة الحقيقية. الصحافي يجب ان يسأل: لماذا حصل الارهاب؟. لكن هذا السؤال يعني ان من يطرحه هو عدو السياسة الاميركية وعدو الديمقراطية ومؤيد للعنف وما الى ذلك. ولكن من البديهي ان يطرح هذا السؤال قبل اي طرح آخر لتغطية اي حدث او للقيام بأي تحقيق. نلاحظ بعد أحداث 11 سبتمبر أن المسموح فقط هو السؤال: كيف حصل الامر ومتى وما هي الوسائل المتبعة ومن قام به؟. اما لماذا؟ السؤال بحد ذاته محرم. ولا أحد يجيب. مع انه السؤال الاهم. واذا اردنا ان نتعمق أكثر في التحليل يكفي ان نعود الى الصحف الاميركية الكبرى قبل غزو العراق، لنرى انها لم تنقل الا وجهة نظر البيت الابيض. اليوم عادت الامور قليلا الى طبيعتها وبدأت الصحف الاميركية بطرح القضايا المتعلقة بالسياسة الاميركية الخارجية. ولكن اين وصلنا؟ gt; لماذ تركت "التايمز" الى "الاندبندنت"؟

ـ في 3 يونيو (حزيران) 1988 تعرضت طائرة ايرباص ايرانية الى قصف اميركي اودى بركابها. وجاءت التبريرات الاميركية غير مقنعة. جمعت المعلومات عن الحادث ووثقتها وتأكدت من صحتها واوردت كل التفاصيل التي تؤكد مسؤولية الاميركيين عن هذه الفاجعة، ثم ارسلت مقالا يتعلق بالموضوع الى "التايمز". لكن المقال لم ينشر في الطبعة الاولى وتعرض الى مقص الرقيب عندما نشر في الطبعة الثانية وحذف منه ما حذف. مع الاشارة الى أن مضمون ما كتبته نشر بعد سنوات. عندما علمت بالامر كتبت كتاب استقالتي وتقدمت بطلب عمل الى الاندبندنت وبعد ستة اشهر قبل طلبي والتحقت بالصحيفة لأجد ان زملاء لي من "التايمز" كانوا سبقوني.

gt; لماذا اخترت "الاندبندت" وما هي ميزتها؟ ـ ربما الاسم ويعني "المستقلّ" يحمل ميزتها الاساسية. لدينا رئيس تحرير يوحي بالثقة. ليس علينا ان نجامل احدا من السياسيين او المسؤولين عندما نعمل. بامكاننا ان نغطي الاحداث والمآسي بتجرد. نستطيع ان نقوم بتحقيقات جيدة من أي مكان في العالم. كما نستطيع ان نكتب تحليلات واراء حرة.

gt; ما هي المسافة التي تفصل الكاتب عن الصحافي في عملك؟

ـ هما شخص واحد. لا فرق. المهم مضمون العمل.

gt; قبل مباشرة الحوار قلت إن علاقتك سيئة بالانترنت. لماذا؟ وهل تعتبر ان العمل الصحافي يقتصر على الاحتكاك بالناس بعيدا عن التكنولوجيا؟

ـ انا أظن ان الانترنت تسرق من الصحافي وقته وتحرمه العمل الحقيقي ليس فقط مع الناس وانما مع الكتاب الذي يعطي المعلومة بشكل واضح وسهل للأرشفة. أحيانا كثيرة يتصلون بي من مكتبة الصحيفة ليسألوني عن معلومة قد تتوفر في أرشيفي. الانترنت لا تملك هذه الدقة وانما تغرق من يبحث عبرها بمعلومات لا تفيد وقد تتسبب بالاخطاء. لذا أقول لمن يأتيني بمعلومات عني من الانترنت: لست انا. هذا رجل الانترنت وهو لا يمت الي بصلة. وعوضا عن البحث على الانترنت عن مراجع او معلومات افضل ان اتوجه الى الميدان واتحدث الى الناس وأحصل منهم على معلوماتي.

gt; كتبك تدرس في الجامعات اللبنانية كيف استطعت ان تصبح مرجعا في قضايا المنطقة؟ وما هي الثغرة لدى الصحافيين اللبنانيين والعرب للوصول الى هذا المستوى؟

ـ ليس من العدل أن أقيّم الصحافيين اللبنانيين والعرب. الظروف مختلفة. وهي تتعلق بأجواء الحرية المتاحة في كل بلد عربي. في لبنان مثلا قدر كبير من الحرية وفي الكويت ايضا. في بقية الدول الامر يختلف والصحافة العربية في بريطانيا مثلا آفاقها اوسع. لذا لا استطيع ان احكم على الصحافة العربية بشكل مطلق. اما لماذا تدرس كتبي فلأنّي متخصص في الشرق الاوسط. عدا ذلك انا انسان عادي اقوم بعملي.

gt; هل تعتقد ان بامكان العرب ان يحسنوا صورتهم إعلاميا؟

ـ لمواجهة البروباغندا التي تحيط بالعرب، ربما يجب على من يتحدث باسمهم ويعكس صورتهم من اعلاميين وسياسيين ان يجيدوا اللغة الانجليزية. كي يستطيعوا ان يصلوا الى الرأي العام الغربي. اذا تابعنا التلفزيونات هذه الايام نلاحظ ان الناطق الرسمي الاسرائيلي يجيد الانجليزية بطلاقة ويختار العبارات والمصطلحات التي تخدم الفكرة التي يريد ايصالها. اما الناطق الرسمي الفلسطيني فهو بكل اسف لا يملك طلاقة تسمح بعكس صورة جيدة عن قضيته.

من يريد ان يعكس صورة العرب عليه ان يكون بارعا في مخاطبة الآخر ليصل الى الرأي العام بلغته. gt; قابلت اسامة بن لادن ثلاث مرات بين 1994 و1997. كيف تستعيده في ذاكرتك؟

ـ صحيح وقد طلب مقابلتي بعد أحداث 11 سبتمبر. لكن تعذر علي الوصول اليه في افغانستان بسبب الغارات الاميركية آنذاك. وقد ذكرني في احدى مقابلاته قبل الانتخابات الاميركية. وهو كما جميع الناس تغير مع السنوات. نضج قليلا لكنه لم يكن يملك اي خبرة في السياسة العالمية. تصوري انه قال لي انه يتوقع حربا اهلية في الولايات المتحدة. ضحكت آنذاك. لكنه يعرف جيدا كيف يخاطب العرب. وهو يعرف انه يستطيع ان يحرك ملايين العرب. واليوم المشكلة لم تعد اسامة بن لادن ولكن تنظيم القاعدة الذي صار اكبر من ان يختصره انسان. قابلت مرة فلسطينيين من القاعدة. كانوا في طريقهم الى العراق. قال لي أحدهم ان عائلته لا تحب بن لادن لكنها لا تعارض ان يذهب ابنها للدفاع عن الاسلام. لذا لا يهم اذا كان بن لادن محبوبا ام لا، فهو لم يعد شخصا او رئيس حزب بالنسبة اليهم. هو ايديولوجيا قائمة بحد ذاتها. والسبب غياب الديموقراطية. لو كان هناك ديموقراطية في العالم العربي لما بقي لاسامة بن لادن اي وجود. gt; ماذا تصنف الاحداث التي تجري حاليا من قتل ومجازر وعنف؟

ـ قتل ومجازر وعنف. هذه هي تسمياتها. القاعدة هي القاعدة ومن فيها هم عناصر وافراد في تنظيم القاعدة. عندما نقول ارهاب ونكتفي بذلك، نغرق في محيط لا نهاية له. يستحيل ان نرى اليابسة. gt; هل تفكر بالتقاعد؟ واين تجد نفسك متقاعدا؟ ـ قبل هذه المقابلة انهيت موضوعا عن سينما الحرب في الشرق الاوسط، لم أحب فيلم "يوم آخر" اللبناني. أحببت فيلم "الجنة الآن" الفلسطيني وفيلم "مملكة الجنة" عن الحروب الصليبية. عندما اتقاعد سأكتب سيناريو لأفلام سينمائية. اعتقد ان السينما لديها قدرة هائلة للوصول الى الرأي العام أكثر من الصحيفة والتلفزيون. وانا اهتم بها كثيرا في الفترة الحالية.

* كيف صار "مرجعا" في شؤون لبنان والشرق الأوسط؟ gt; لروبرت فيسك خبرة أكثر من 30 عاما في مجال الصحافة الدولية، وقد سبق أن وصفته صحيفة النيويورك تايمز بأنه "أشهر مراسل خارجي في بريطانيا على الأرجح". وقد غطى أحداثا وحروبا تعود لعام 1970، ومن أبرز المحطات في حياته تغطيته للحرب اللبنانية بين عام 1975 ـ 1990 والثورة الايرانية عام 1979، اضافة الى الحرب العراقية الايرانية بين عام 1980 ـ 1988 وحربي الخليج عام 1991 و2003. خلال مسيرته المهنية حصد جوائز عدة، منها جائزة "افضل صحافي دولي" سبع مرات من هيئة جوائز الصحافة البريطانية، وهو من الصحافيين الغربيين القلائل الذين تمكنوا من مقابلة اسامة بن لادن، وهو فعل ذلك 3 مرات. وقد ولد فيسك عام 1946 في كينت ببريطانيا، ويعمل حاليا كمراسل الشرق الأوسط لصحيفة "انديبندينت" البريطانية، وكان عمل سابقا في صحيفة "ذا تايمز" البريطانية حتى أواخر الثمانينات. له مؤلفات وكتب عدة، ومن أبرزها كتاب "بيتي ذا نايشن" (1990) عن الحرب اللبنانية، وكتاب "ذا غريت وور اوف سيفلايزيشن ـ كونيكست اوف ذا ميدل ايست" (2005) حول الصراع على منطقة الشرق الأوسط.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف