محاكمة «الخمير الحمر»: كمبوديا اللبنانيّة!
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
السبت: 2006.08.05
حازم صاغية
بينما يحترق لبنان، تذكّرنا كمبوديا حيث يُهيّأ لإجراء محاكمة لـ"الخمير الحمر" وجرائمهم، بوضع مشابه، وإن بأحجام أضخم بكثير. فقد قضى هناك أكثر من مليون شخص، قتلاً مباشراً وجوعاً وتهجيراً وإصابات بأوبئة مميتة، من أصل سكّان يبلغ مجموعهم سبعة ملايين، فضلاً عن مئات الآلاف الذين قضوا بالقصف الأميركي. أما المشترك بين البلدين، فدور الموقع الجغرافيّ في تقرير المسار والفكر السياسيّين. ذاك أن كمبوديا مُحاطة بتايلند ولاوس من الشمال ومطوّقة بفيتنام في الشرق والجنوب. وبالمعنى هذا، استُخدم ذاك البلد، منذ قرون، ساحةً لصراعات تلك الدول المجاورة.
فذات مرّة سيطرت مملكة الأنغكور، وهو اسم مملكة الخمير الكمبوديين تيمّناً بعاصمتهم، على كامل جوارها، فارضةً سطوتها على معظم سيام (تايلند حالياً)، وعلى دلتا ميكونغ في فيتنام الحاليّة. لكنْ، قبل منتصف القرن الخامس عشر، بدأ التفسّح المصحوب بهجوم الجيران السياميّين والفيتناميّين وتوغّلهم فيها، ممتصّين رُقعاً، لم تكفّ عن التوسّع، من أرضها وشعبها. وبدت كمبوديا، بعد قرن ونيّف، على شفير الاختفاء الكامل، حتى أن أنغكور نفسها أضحت جزءاً من سيام. وفي الغضون هذه قُتل أعداد من الخمير واستؤصلوا في سلسلة من الحروب المدمّرة، شنّها تايلنديّون وفيتناميّون وأطراف محليّة، كما شُنّت عليهم. إلا أن هذا جميعاً حصل فوق أراضي الخمير الكمبوديين و"ساحتهم". فقد أحرق التايلنديّون عاصمتهم ثلاث مرّات في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر، كما أبقى المستشارون الفيتناميّون الملك الكمبوديّ أسيراً مدة 15 سنة. وتمتلىء السجلاّت التاريخيّة، حسب الخبراء في ذاك البلد، بالإشارات إلى أحداث الحرق والنهب والمجاعة العاصفة خلال الحقبة المظلمة تلك، وفي عدادها انتفاضة 1840، التي أصبحت أحد معالم تاريخ الكمبوديين، ضد تعاظم السيطرة الفيتناميّة على أرضهم وحياتهم.
ولقرابة قرن حكم الفرنسيّون كمبوديا. وهم إلى أفعال سيّئة وعنيفة أقدموا عليها، ضمنوا لبلد الخمير وحدته الترابيّة للمرّة الأولى منذ زمن مديد. فحُملت تايلند، عام 1907، على إعادة المقاطعات الغربيّة من "سييم ريب"، ومن ضمنها أنغكور وباتّامبانغ، إلى كمبوديا. لكنّ هذا بدا أقلّ من ترسيمٍ نهائيّ للحدود بينها وبين جيرانها. فقد رسم الفرنسيّون خطاً يفصلها عن فيتنام مستجيباً التقسيمات الإداريّة التي اعتمدوها، إلا أنه لم يبدّد مخاوف الكمبوديّين مما اعتبروه رغبة فيتناميّة في إلحاقهم ضمن وحدة هند صينيّة يهيمنون عليها. وفعلاً أطيحت تلك الحدود مع انتزاع سييم ريب وباتّامبانغ ثانية وضمّهما، إبّان الاحتلال الياباني، إلى تايلند، فلم تتمّ إعادتهما مجدّداً إلا بعد الحرب العالميّة الثانيّة. وعاودت الخلافات الحدوديّة ظهورها القويّ مع استقلال بلدان الهند الصينيّة عامي 1953 و1954، غير أن أحد آثار سياسة الحياد التي اتّبعها الأمير نورودوم سيهانوك، خلال الخمسينيات والستينيات، تجسّد في تمنّع الدول المدعومة من الولايات المتحدة، أي فيتنام الجنوبيّة وتايلند، عن الاعتراف بحدود بلده. هكذا غدت المعارك والمناوشات الحدوديّة من تعابير الإزعاجات التي واجهتها كمبوديا، شاحذةً لدى سكّانها وعيهم الوطنيّ- الحدوديّ المعادي للغرباء، لا سيّما منهم الفيتناميون.
ولم تنجُ من هذا الميل الراسخ علاقة الشيوعيّين الفيتناميّين بالعصبة الصغيرة من شيوعيي كمبوديا الذين دعاهم سيهانوك "الخمير الحمر". والحال أن الرجل الذي صار يُعرف ببول بوت، ولقّبه بعض الغربيّين بـ"هتلر آسيا"، يلخّص هذه المشاعر التي يتداخل فيها الكره والعداء وأقصى القسوة مع نزوع قوميّ متزمّت وإن تجلبب بماركسيّة أمميّة.
فالشيوعيّة الكمبوديّة ولدت واستمرّت موضع تجاذب بين سيطرة الرفاق الفيتناميّين عليها وبين الرغبة في التحرّر منهم. فهي، حتى عام 1951، وقبل عامين على الاستقلال الوطنيّ، بقي حزبها جزءاً من "الحزب الشيوعيّ في الهند الصينيّة"، يهيمن عليه الفيتناميّون هيمنتهم على الحزب اللاوسيّ كذلك. وفي تلك السنة تفرّعت الأحزاب الثلاثة من دون أن تزول الأبوّة الفيتناميّة عليها، فنشأ "حزب الشعب الثوريّ الكمبوديّ" تسميةً لتنظيم الرفاق في بنوم بنه.
وفي هذا الحزب نشط بول بوت ورفاقه العائدون من فرنسا، حيث درسوا وتمركسوا، حتى إذا انعقد مؤتمر جنيف عام 1954، وتوافقت بكين وهانوي، والاثنتان يومها حليفتا موسكو، على ضرورة حلّ الخمير الحمر وسحب كوادرهم إلى فيتنام الشماليّة، ظهرت الخلافات إلى العلن. ذاك أن الرفاق الكمبوديّين لم يغفروا للفيتناميّين ما اعتبروه خيانةً لمصالحهم، بينما أخذ الفيتناميّون عليهم أنهم قوميّون وناقصو الأمميّة. مع هذا نجح الأخيرون في توكيد سلطتهم السياسيّة والعسكريّة على الخمير الحمر، معيدين إرسال قرابة 5 آلاف شيوعيّ كمبوديّ، في عدادهم هون سن وهنغ سمرين، تدرّبوا لديهم منذ توقيع معاهدة جنيف. وهؤلاء لم تتأخّر صداماتهم مع الشيوعيين الأكثر قوميّة كبول بوت الذي سُمّي في 1955 عضواً في اللجنة المركزيّة السريّة.
وفي الستينيات، وقد غدا نظام سيهانوك أكثر اعتباطيّة وأوتوقراطيّة وفساداً، غادر مئات اليساريّين والشيوعيّين الكمبوديّين العاصمة إلى معسكرات أقاموها في الأدغال، لينضمّ إليهم أمينهم العام الجديد عام 1963.
والحال أن حرب العصابات التي خاضوها، بدعم فيتناميّ شماليّ، زعزعت نظام الأمير سيهانوك المُصرّ، على رغم نواقصه المتعاظمة في المسائل الداخليّة، على الحياد في النزاعات الإقليميّة. لكن حرب فيتنام كانت تفرض معطيات بالغة الخشونة تضيّق على الحياد فرصه واحتمالاته، محاصرةً نهج سيهانوك.
وفعلاً، أطيح الأمير وحياده، في مارس 1970 بانقلاب نفّذه لون نول وضبّاطه. وبعد شهر أمر الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون بغزو كمبوديا دعماً للنظام العسكريّ الجديد. وكان أن شارك في المهمّة هذه 30 ألف جنديّ أميركي وفيتناميّ جنوبيّ أخذوا على عاتقهم تدمير القواعد الشيوعيّة، الفيتناميّة الشماليّة منها والكمبوديّة، داخل كمبوديا. وأسوأ من هذا، كان القصف الجويّ الذي ابتدأ عام 1969 ليصل، بعد أربع سنوات، إلى إحدى الذرى تبلغها البربريّات التقنيّة في حروبها المعاصرة. فقد ألقي على كمبوديا ما مجموعه 539129 طنّاً، الكثير منها ألقته، من غير تمييز، طائرات بي 52 في قصفها السجّادي. والرقم المذكور، الذي هطل به على ذاك البلد "مبدأ نيكسون" في تطبيقه الكيسينجريّ، إنّما يساوي ثلاثة أضعاف ونصف ضعف ما أُلقي على اليابان في الحرب العالميّة الثانية.
وفي 17 ابريل 1975، وبعد طول حصار من الأرياف التي يسيطرون عليها، حلّت الكارثة التي فاقت سابقاتها فظاعةً إذ دخل الخمير الحمر بنوم بنه، وخلال 24 ساعة أُمر بإفراغ المدينة من سكّانها المليونين. ذاك أنه على مدى السنوات السبع الماضية كان ما ضخّم العاصمة لجوء أبناء القرى إليها، هرباً من الخمير الحمر كما من القصف الأميركي. وتكرّرت عمليّة الإجلاء في معظم المدن الأخرى منتجةً جيشاً من المطرودين من بيوتهم، ممن تضوّر كثيرون منهم حتى الموت، هم الذين أسماهم حكم بول بوت "شعب 17 ابريل" أو "الشعب الجديد".
وقاد الخمير الحمر برنامجاً لـ"تطهير" المجتمع الكمبوديّ من الرأسماليّة والثقافة الغربيّة والدين وسائر أشكال التأثير الأجنبيّ دفعة واحدة. وطُرد الأجانب كما أُغلقت السفارات وألغيت العملة. أمّا الأسواق والمدارس والصحف والممارسات الدينيّة والملكيّة الخاصّة فحُرّمت جميعاً. وقُتل من أمكن العثور عليه من أعضاء حكومة لون نول ومن الموظّفين وضبّاط الشرطة العسكريّة والمعلّمين وذوي الإثنيّة الفيتناميّة وقادة أقليّة شام المسلمة والمصنّفين في عداد الطبقة الوسطى، لا سيّما متى صُنّفوا أيضاً مثقّفين.
والمسافة بدت قصيرة بين سياسة داخليّة كهذه وسياسة خارجيّة مشابهة. وبعد مواجهات حدوديّة أقدمت فيتنام في ديسمبر 1978 على غزو كمبوديا ونظامها الذي دام ثلاث سنوات وثمانية أشهر وعشرين يوماً.
وقصارى القول إن النظام المذكور الذي أنتج كمّاً غير مسبوق من الجرائم، لم تنفصل نزعته الجرميّة عن توتّره حيال الجيران وأطماعهم، وصولاً إلى الحرب الأميركيّة التي كانت بمثابة امتداد للصراعات الإقليميّة. وقد يقال، بحقّ، إن بلداً كلبنان لم يشهد استبداداً كاستبداد بول بوت وجرائمه بسبب التنوّع الذي أحدثته كثرة الطوائف فيه. بيد أنه، من جهة أخرى، شهد ويشهد عيش تلك الطوائف على حافّة الحرب الأهليّة، حين لا تكون في قلبها. فهل تنطوي مراجعة الجرائم على مراجعة هذا السبب، أي استغلال جوار القويّ للضعيف، ودرجة مساهمته في تدمير البلدان الصغرى؟