برودي : حل المشكلة اللبنانية يتم من خلال المفاوضات وليس بالسلاح
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
أجرى الحوار : ممتاز القط - أخبار اليوم
قصر تشيجي هو المقر الرسمي لرئيس الحكومة الايطالية. وقد بدأ تشييده في نهاية القرن السادس عشر... تنتشر في القصر لوحات وتماثيل رائعة تعكس الفن الايطالي الكلاسيكي، وهو يعد تحفة معمارية، ويحتوي ايضا علي مكتبة ثرية بأمهات الكتب.
كما تنتشر في جنبات القصر الردهات والقاعات الفسيحة ذات الأسقف المرتفعة، التي تزينها أجمل النقوش. ووسط مباني القصر توجد نافورات جميلة، تضفي علي المكان المزيد من الرونق والبهاء.
عندما أصبحت روما عاصمة لإيطاليا، أصبح القصر مقرا لسفارة النمسا. وفي عام 1917 أصبح القصر ملكا للدولة الايطالية، وبعد عدة سنوات تم اهداء مكتبته للفاتيكان ونقلت العديد من تحفه الفنية الي مختف متاحف الدولة.
واعتبارا من عام 1923 اصبح القصر يستخدم كمقر لوزراء المستعمرات والشئون الخارجية. واعتبارا من عام 1960 أصبح قصر تشيجي مقرا لرئيس وزراء ايطاليا.
داخل القاعة الكبيرة الملحقة بمكتبه، استقبلني برودي مؤكدا اعتزازه وتقديره وحبه الكبير لمصر وقيادتها.. قال لي انه عرف عديدا من المصريين، خلال عمله استاذا بالجامعة، وهم من افضل الجاليات الموجودة في ايطاليا.
اكد برودي استعداده لان يعمل مع الرئيس مبارك من اجل تحقيق السلام والاستقرار بالمنطقة، مشيرا الي ان الرئيس مبارك زعيم شجاع، نطالبه ببذل المزيد والمزيد من اجل السلام والاستقرار. وأكد ان العلاقات سوف تشهد نموا متزايدا، خلال الفترة القادمة، وخاصة في مجال زيادة الاستثمارات وتدريب العمالة. شدد برودي علي اهمية الحوار بين الحضارات، وعلي ضرورة قيام مؤسسات مشتركة لدعم التعاون الأورومتوسطي.
يقولون انه مفكر الحداثة في ايطاليا، وانه الوحيد القادر علي اصلاح الخلل الذي يعانيه الاقتصاد الايطالي... يقولون انه الوحيد القادر علي ان يجعل ايطاليا تعود بجدارة لتحتل صدارة السياسة والاقتصاد، علي المستوي الاوروبي والعالمي.
رومانو برودي رئيس وزراء ايطاليا، لا يميل كثيرا الي التحدث مع وسائل الاعلام والصحف، ويمضي ساعات اليوم داخل مكتبه، او في مبني البرلمان، يتابع ويراقب خطط التطوير والتحديث، بالإضافة الي اهتماماته الخاصة بقضية السلام والاستقرار، والتي قال انها لا تزال تؤرقه، مشددا علي ضرورة وقف اطلاق النار في لبنان.
مع برودي كان لقاء أخبار اليوم في اول حديث صحفي لوسيلة اعلام عربية.
* في بداية حديثي مع رومانو برودي رئيس وزراء إيطاليا فرضت تطورات الأوضاع في لبنان نفسها علي الحوار حيث سألته عن الأزمة والجهود التي تقوم بها بلاده لمنع تفاقم الموقف؟
قال رئيس الوزراء الإيطالي، لقد قمت بالاتصال بكافة القيادات الأوربية والمتوسطية للتوصل إلي وقف فوري لإطلاق النيران. واعتقد أن ما كان يجب عمله علي الفور ودون تأخير هو وقف كافة صور الأعمال العدائية. وبعد ذلك استئناف المعونات الإنسانية لان الأوضاع الإنسانية تدهورت بشدة في هذه المنطقة. كما يجب أن نصر علي مبدأ التوصل للحلول بدون استخدام السلاح. وبالتالي علينا أن نواجه المليشيات وأن نؤكد سيادة الدولة اللبنانية علي اراضيها، وان نقول في نفس الوقت للإسرائيليين أن رد الفعل المتجاوز للحدود والذي قاموا به في الأيام الأخيرة يهدد أمن الجميع ولفترة زمنية طويلة قادمة.
مؤتمر روما
* قلت لرئيس الوزراء الإيطالي إن نتائج مؤتمر روما كانت مخيبة للآمال حيث كان الناس يتوقعون صدور قرارا واضحا بوقف إطلاق النار وهو ما لم يحدث ؟
أجاب برودي، لقد أجريت اتصالات بكافة القيادات اللبنانية والإسرائيلية والأوربية كما تحدث وزير خارجية إيطاليا ماسيمو داليما مع نظيرته الأمريكية كونداليزا رايس مرتين، وقمنا بممارسة الضغوط من أجل وقف إطلاق النار الفوري، ولكننا لم نفلح في ذلك. وأعترف بان قلقي قد ازداد في الأيام الأخيرة. وحتي فاعلية قوات السلام الدولية والتي ينبغي ارسالها للمنطقة تحت راية الامم المتحدة سوف تضعف بشكل خطير اذا استمر القتال.
وأضاف أن اجتماعات روما لم تمثل فشلا. فلم يكن من الممكن وقف الأعمال العدائية علي الفور. وقد كانت آمالي معلقة علي إمكانية بدء الحوار في هذا الاتجاه، ولكن استمرار وتزايد القتال تم بعد ذلك أدي إلي تدهور الموقف بشكل اعتبره شديد الخطورة. وفي اجتماعات روما لم يكن هناك مخرج آخر، بعد أن فشلنا في الاتفاق علي الوقف الفوري لإطلاق النار.. وحتي تصريحات مجلس الشئون العامة الاوروبي توصلت بصعوبة كبيرة إلي موقف وسط بين دول الاتحاد بشأن الأزمة في لبنان.
ايران والأزمة
* سألت الدكتور برودي عن علاقات بلاده بإيران والتي تشهد نموا اقتصاديا متزايدا وكيفية استغلال ذلك في تهدئة التوتر في المنطقة؟
كان رده سريعا بالقول، إن علاقة ايطاليا مع إيران هي علاقة طيبة ليس فقط من الناحية التجارية ولكن أيضا من الناحية السياسية لان إيران دولة محورية في سياسة الشرق الأوسط. واعتقد انه سيكون من الصعب حل تلك المشاكل بدون حوار مباشر معها لان لها أهميتها غير القابلة للمناقشة.
ويجب أن أذكر هنا إننا ننتظر من إيران اعمالا ملموسة، اعمال قوية تعرب عن استعدادها للمساعدة في حل النزاع هذا لان علي إيران ان تثبت للعالم أن تأثيرها يخدم السلام ويخدم التسوية او انهاء التوتر الموجود الان.وبهذا فانني اعتقد أن إيران ستكون قادرة علي إبراز دورها وأهميتها.
* سألت الدكتور برودي، هل تري أن هناك علاقة مباشرة بين تصاعد حدة الانتقاد للموقف الإيراني بخصوص الملف النووي وتصاعد الأحداث مؤخرا في لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة؟
قال برودي أنه ليس هناك ارتباطا مباشرا، ولكن لا شك أن دور ايران في الشرق الأوسط والخلاف القائم حول مسألة الطاقة النووية،انما هي مؤشرات علي رغبة هذا البلد في ان يلعب دورا فاعلا، لنقل دورا قويا في المنطقة لنقل انه من الواضح ان لايران دورا هاما في الشرق الاوسط بالنسبة للمسالة النووية وهو ايضا ارادة لابراز دور هام بالمنطقة. وبالتالي ليس هناك ارتباط مباشر بل جوانب مختلفة من نفس السياسة.
* قلت لمحدثي إن وزير الخارجية داليما أجري اتصالات مكثفة علي المستوي الإيراني و الإسرائيلي و الأوروبي.. ما هي نتائج تلك الإتصالات ؟
قال برودي، كما ذكر مرات عديدة فان ايطاليا قد مارست دورها لتيسير الموقف، ولم تكن قادرة علي الوساطة لان هذا الدور لا يمكن ان تقوم به الا بتفويض واعتراف وقبول من كافة الإطراف. وان كان لدي ايطاليا هذا هذا التفويض وهذا القبول فأنها لن تتردد في القيام بدور الوساطة. وقد عملنا كثيرا من خلال الاتصال بالإطراف بصفة مستمرة ولكن بدون إمكانية القيام بدور وساطة فاعل.
* هل تري أن فكرة إرسال قوات دولية إلي الحدود اللبنانية الإسرائيلية كفيلة بعدم تكرار ما حدث؟
أجاب برودي قائلا، لقد ساهمنا مع كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة وتوني بلير رئيس وزراء بريطانيا في اقتراح فكرة تلك القوات أثناء اجتماعات مجموعة الدول الثماني الكبري،اعتبرناها وما زلنا نعتبر أنها مسالة مهمة. ولكن مع استمرار هذا النزاع القاتل سوف تواجه تلك الفكرة صعوبات بالغة وسيواجه تجهيز تلك القوات صعوبات شديدة،واعتقد كما أن استمرار القتال سيخلق صعوبات أمام الأمم المتحدة والقوات التي تم اقتراحها للإشراف علي الأمن بمنطقة الحدود بين لبنان وإسرائيل لقد ضاع الكثير من الوقت وهذا يعني أن وقف القتال يعتبر شديد الأهمية لإستقرار السلام مستقبلا. والحقيقة أنني أعتبر أن استمرار إطلاق النيران يحول دون التوصل لحلول جادة طويلة الأجل ويجب وقف القتال علي الفور والتروي بعمق للعودة للمقترحات التي تم نسيانها أو تجاهلها.
* سألت رئيس الوزراء الإيطالي، هل الموقف الأمريكي وراء عدم التوصل لاتفاق بشأن وقف إطلاق النار؟
فرد قائلا، لقد دفعنا بأقصي حد ممكن في اتجاه وقف إطلاق النار، والامر لم يقتصر علي الموقف الامريكي فقط. فقد كانت هناك صعوبات أعمق من هذا حالت دون التوصل لوقف القتال، واعتقد أن ذلك كان خطأ.
* وانتقل بنا الحوار إلي صورة الاتحاد الأوروبي لدي العالم العربي خاصة أن العرب كانوا ينتظرون من الاتحاد الأوروبي دورا أكثر قوة.
قال برودي في تقديري أن السياسة الأوربية ضعيفة جدا وليس هناك وعي وإدراك بمدي ما يسببه انقسام اوروبا للعالم من خسائر واضرار. ولا شك أن توسيع الاتحاد الاوربي تم بشكل كريم. ومن الناحية النظرية صارت أوروبا قوة عظمي ولكن الخلاقات حول تحديد سياسة خارجية موحدة مما جعلها غير مؤثرة عالميا خاصة في ظروف مثل هذه الظروف المأساوية الحالية. ومن الواضح أن الدول الأوربية لديها خبرة كبيرة بمنطقة البحر المتوسط، وهي بلا شك أكثر خبرة من الولايات المتحدة. فالدول الأوربية تتابع بشكل يومي المشاكل والمآسي والحالات النفسية لشعوب المنطقة، كما أن لها تاريخا في التعايش مع المنطقة، وبالتالي فان دور أوربا مناسب للتواجد الايجابي، ولكنه يبدو الآن مستحيلا من الناحية العملية.
حوار الحضارات
* سألت رئيس الوزراء الإيطالي حول رؤيته الخاصة لحوار الحضارات والتعاون مع مصر في هذا المجال؟
فقال: أعتقد أن الحديث عن صراع الحضارات هو من أفظع ما شهده العالم من تصريحات في السنوات الأخيرة. وأري شخصيا أنه ليس هناك أي صراع بين الحضارات في الوقت الراهن، وإنما هناك اختيارات سياسية، تنتمي أيضا إلي الماضي وقد تسببت في التفرقة بين شعوبنا. كما أري أنه من الضروري في المقام الأول وضع سياسة لمواجهة تلك التصريحات والتصدي لها. وعندما كنت رئيسا للاتحاد الاوربي حاولت تنشيط سياسة البحر المتوسط. لم يكن الأمر سهلا لان بعض الدول لم يكن يهمها هذا الأمر، والآن وبصفتي رئيسا لمجلس وزراء الجمهورية الإيطالية فقد قمت بزيارة كل دول البحر المتوسط.. وقابلت الرئيس الفرنسي شيراك، ورئيس الوزراء الاسباني ثاباتيرو، والزعماء اليونانيين، وتحدثت مع قيادات مالطا وقبرص، وأيضا مع مستشار ألمانيا ومستشار النمسا وذلك لوضع سياسة أوربية جديدة لمنطقة البحر المتوسط مع كل الدول المتفقة معنا. وتحدثت أيضا عن ذلك في نفس هذه القاعة مع الرئيس مبارك واتفقنا ان نغير بأعمال ملموسة نظرية صراع الحضارات البائسة، بمعني أن يتم التعاون بين دول البحر المتوسط، وأن نبدأ في أسرع وقت في تأسيس بنك تنمية لدول المتوسط، والبدء في إنشاء جامعات مشتركة، وأن نبذل كافة الجهود في مجالات التعاون الثقافي والديني والعلمي. وأنا لا أقبل مجرد فكرة صراع الحضارات، وإنما أقبل وأرغب في وجود هياكل ومؤسسات مشتركة تعمل من خلالها دول شمال وجنوب البحر المتوسط بحقوق وواجبات وسلطات متساوية.
اوروبا ودول المتوسط
* قلت له إن هناك مبادرات قليلة لدعم الحوار بين أوروبا ودول المتوسط ..
فقال: إنني أعلق الآمال الآن علي مبادرات قوية من شأنها التأثير علي حياتنا اليومية، وكما ذكرت من قبل فأنني أري أن البحر المتوسط يجب ألا يكون فقط بحر السلام وإنما أيضا بحر التنمية والرخاء. لذا فانه علينا إتاحة كافة الوسائل والأدوات لزيادة الاستثمارات المتبادلة، وإتاحة الفرص لتدفق طلاب الجامعات والدارسين من جانب إلي آخر وعلينا أيضا إقامة جامعات بصفة عاجلة سواء بشمال أو بجنوب البحر المتوسط بحيث تستوعب أعداد طلاب مماثلة سواء في الشمال أو في الجنوب ونفس الشئ بالنسبة لهيئات التدريس.. بمعني خلق مناخ جديد، وبدون ذلك لن ننجح أبدا في إصلاح الأوضاع السياسية الفظيعة الحالية..
اسلحة الدمار
* سألت الدكتور برودي حول دعوة الرئيس مبارك لإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل وموقف إيطاليا فقال :
يجب أن أقول إننا منذ سنوات نتعاون بصورة ايجابية مع مصر لمكافحة الإرهاب. وهو تعاون أسفر عن نتائج طيبة، وهو مستمر حتي الآن في هذه الظروف الصعبة. وبالتالي ليس هناك أية تغييرات سياسية يمكن إضافتها علي هذا التعاون الإيجابي في هذا المجال وكل ما علينا هو مزيد من التعاون الوطيد علي أساس ان لدينا مصالح وأهدافا مشتركة. ونحن نتفق في الرأي حول ضرورة نزع السلاح النووي من المنطقة، وهو هدف يمكن تحقيقه فقط في حالة إقرار امن وسلام دائم. ولكن اليوم يبدو هذا الهدف مع الاسف بعيد المنال.
قضية الديموقراطية
* قلت لرئيس الوزراء الإيطالي، هناك أصوات تطالب بفرض الديموقراطية بالقوة في منطقة الشرق الأوسط، ولكن مصر طالبت بأن تكون هذه الإصلاحات الديموقراطية نابعة من داخل المجتمعات وليست مفروضة عليها وأن تتم وفقا لظروفها وقيمها وعاداتها.. فما هو موقف إيطاليا من هذه القضية؟
قال برودي، اعتقد أن كل دولة يجب أن يكون لها نموذجها السياسي وأنا شخصيا عملت طويلا لتصدير الديموقراطية،واذا تمعنتم في الامر لوجدتم في توسع التحاد الاوروبي نموذجا عظيما لتصدير الديموقراطية. نحن قمنا بتقديم الاقتراح ومن ثم قامت البلاد المعنية ذاتها بتبني مفهوم الديموقراطية وبتكييفه وتوفيقه مع وضعها الخاص هنا تكمن في رأيي عظمة الديموقراطية فهي تقترح نفسها ولكنها لا تفرض.
دور الامم المتحدة
* الأمم المتحدة تفقد في كل يوم بعض الأدوار التي كانت تقوم بها أو المتوقعة منها. كيف يري رئيس وزراء إيطاليا صورة المنظمة الدولية في الوقت الراهن؟
أجاب رئيس الوزراء الإيطالي قائلا، إن دور الأمم المتحدة ضروري وجوهري. ونحن ندفع ثمنا غاليا للضعف الحالي للأمم المتحدة ولكن بالرغم من كل تلك العقبات فان الأمم المتحدة اليوم وتلك التي ستواجهها في المستقبل فانها تبقي أداة جوهرية للحوار. ولذلك فان ايطاليا تضع مرجعية المنظمة الدولية في المقام الأول لسياستها الخارجية، وقد جاء اقتراحنا بإرسال قوات دولية إلي حدود لبنان وإسرائيل علي أساس قرارات الأمم المتحدة وليس كمبادرة منفصلة عن تلك المنظمة الدولية التي تم تأسيسها أصلا من اجل السلام.
شد الاحزمة
* قلت للدكتور برودي، طلبتم من الايطاليين شد الأحزمة خلال رئاستكم الأولي للحكومة.. الآن ما هي أولويات العمل الداخلي لحكومتكم الحالية؟
رد برودي علي هذا السؤال بقوله، لقد تسلمنا موازنة مالية عامة متدهورة، واقتصادا غير قادر علي النمو. وبالتالي كان من الطبيعي أن يصبح هدف هذه الحكومة التي توليت رئاستها هو العودة للنمو الاقتصادي وإصلاح الموازنة. فما لم يتحقق النمو سيكون من المستحيل إصلاح الموازنة. وبالتالي كانت اولي القرارات التي اتخذتها قاسية من اجل إصلاح العجز في موازنة الدولة، ولكن تلك القرارات هدفت علي الاخص لتحرير الاقتصاد ودفعه نحو النمو وازالة القيود لتحرير الحياة الاقتصادية في البلاد بشكل يسمح لها بالعودة للنمو.صحيح ان تلك الاجراءات تعرضت لانتقادات حادة من قبل الفئات المعنية مثل كل قرارات التغيير الشجاعة، ولكن الرأي العام الايطالي في معظمه أيدها، وسأمضي قدما في عملية الإصلاح والتغيير هذه.
مصر وايطاليا
* ويأخذنا الحوار إلي العلاقات الثنائية بين مصر وإيطاليا وأسأل الدكتور برودي عن برنامج التعاون في مبادلة الديون بين البلدين؟
وجاء رده ليؤكد أن الديون لا تمثل مشكلة رئيسية في علاقات مصر وإيطاليا وقال، أن إيطاليا دولة متوسطة الحجم وليست دولة ضخمة ورغم ذلك فهي الشريك التجاري الأول لمصر بعد الولايات المتحدة وهناك استثمارات إيطالية كبيرة في مصر في مجالات البترول والغاز الطبيعي، والصناعات الغذائية، ومواد البناء، و الأجهزة المنزلية. يمكننا ذكر العديد من الشركات العاملة في هذه المجالات، في المقابل هناك رجال مال وأعمال مصريون حققوا أضخم استثمارات أجنبية في إيطاليا في السنوات الأخيرة وإنا أعتقد أن مسالة تحويل الديون لصالح التنمية لن تكون صعبة الحل ولكني اعترف بأنني لم أتناول هذه المشكلة بعمق حتي الآن. وعموما فبالنسبة لحجم هذه الديون اعتقد أنها لن تكون مشكلة.
العمالة المصرية في ايطاليا
* وماذا عن تدريب العمالة المصرية وإتاحة الفرصة لمزيد من المصريين للعمل في إيطاليا تنفيذا لما تم الاتفاق عليه خلال لقائكم مع الرئيس مبارك؟
قال برودي، أعتقد أن حصة مصر في سوق العمالة الإيطالي قد ارتفعت مؤخرا ليس هذا فقط، ويهمني التنويه بحقيقة مهمة وهي أن العاملين المصريين هنا من أفضل العاملين الأجانب الذين نجحوا سريعا في التأقلم، والتعايش مع المجتمع الإيطالي وأذكر ذلك جيدا لأنه في مدينتي ريجو إيميليا كان المصريون من أوائل المهاجرين إليهاحيث تشتهر باستقبالها للأجانب، وكان المصريون يمثلون ظاهرة جديدة حيث عرفوا بالتفاني في العمل وأذكر أنني ومنذ كنت أستاذا جامعيا شابا وحتي الآن هناك العديد من هؤلاء الشباب المصريين الذين أصبحوا رجال أعمال هم الأكثر نشاطا بالمدينة. وأتمني أن يتكرر ذلك مستقبلا في إطار انفتاح أكبر للهجرة، حتي وإن كان سيتم المحافظة علي الحصص في إطار القواعد الحالية التي تنظم الواجبات والحقوق. وسوف تقدم الحكومة قريبا مشروع قانون لتيسير الحصول علي الجنسية الإيطالية لمن يرغب في الحصول عليها. وقد كانت مصر دولة رائدة في هذا المجال حيث لدينا شباب من القاهرة والإسكندرية علي مستوي فني طيب كانوا يأتون للعمل هنا وأعتقد أنه يجب مساعدة العمالة ليس فقط من ناحية الأرقام وتجاوز البيروقراطية وإنما لتحقيق استثمارات جديدة وخلق أنشطة اقتصادية جديدة.
دافوس البحر المتوسط
* سألت الدكتور برودي عن فكرة إنشاء بنك متوسطي لدعم العلاقة بين دول المتوسط فقال:
أعتقد أن إنشاء البنك المتوسطي لا غني عنه ولا أريد تسميته بالبنك الأوروبي لأنه لن يكون بنكا أوروبيا. حيث يتخذ نصف القرارات في أوروبا والنصف الآخر في دول جنوب البحر المتوسط ولذلك لا يجب تسميته بالبنك الأوروبي حتي لا يتلاشي الهدف الذي من أجله يتم إنشاء البنك الذي سيكون ذو أهمية كبري. وأكرر أن علينا العثور علي محافل اقتصادية وسياسية وثقافية نعمل فيها معا وعلينا إقامة منتدي متوسطي مثل دافوس البحر المتوسط نعمل فيه معا وعلينا إنشاء جامعات تضم عددا متساويا من الطلاب. ويجب الامتناع عن ترديد أن أوروبا تقدم شيئا ما لدول الجنوب بل يجب إتاحة الموارد المالية لهياكل اتخاذ القرارات المشتركة بالتعاون وهنا يتغير كل شئ. وسوف ينتهي بالفعل الحديث عن صراع الحضارات لأننا سوف نعمل معا جنبا إلي جنب.
برامج الخصخصة
* قلت لرئيس الوزراء الإيطالي أن بلاده نفذت برنامجا للخصخصة ومصر تقوم الآن بتنفيذ برنامج مماثل.. كيف يري عملية الخصخصة باعتباره استاذا للاقتصاد ورئيسا للوزراء؟
وقال برودي، إن الخصخصة عموما كانت لها نتائج طيبة في إيطاليا ليس في كل الحالات اذ وقعنا نحن ايضا في أخطاء، وبالنسبة لخصخصة القطاع العام، كانت أوضاع إيطاليا شبيهة بأوضاع مصر حيث كان هناك العديد من المؤسسات والشركات الكبري مملوكة للدولة، وتمت الخصخصة إجماليا بصورة طيبة. وبطبيعة الحال يجب توجيه العناية لمرافقة عمليات الخصخصة بسياسة دعم للصناعة الوطنية لأن الخصخصة إذا كانت تعني انتقال كل القطاعات الإنتاجية ليد أجنبيه فإن ذلك قد يؤدي بعد مرور الوقت إلي رد فعل سياسي يعيد الأوضاع لما كانت عليه من قبل.
* قلت لبرودي.. تحتفلون هذا الاسبوع بعيد ميلادكم السابع والستين وتوليتم رئاسة الحكومة مرتين.. ما هي أكثر المشاكل التي تؤرقكم حتي الان ؟
ابتسم الدكتور برودي وأجاب قائلا، في هذه اللحظات أري مشكلة واحدة وهي مشكلة السلام في الشرق الأوسط وأنتم قد لا تعلمون كيف يمس هذا الصراع قلوب الإيطاليين. فهو صراع ليس بعيدا عن بيوتنا وبالنسبة لنا نحن الإيطاليين فإننا نري مصر وفلسطين، ولبنان، وإسرائيل، أمام بيوتنا وكل ما أتمناه بحق هو أنه يأتي يوم عيد ميلادي الموافق 9 أغسطس ويكون هذا الصراع قد انتهي بالفعل.
مصر في العقل والقلب
وفي نهاية اللقاء تحدث رئيس الوزراء الإيطالي عن أحلامه لبلاده وقال إن هدفه هو تحقيق صحوة الشباب ومنحهم الامل في المستقبل وأضاف إنني أؤمن بأن إيطاليا مليئة بالحيوية وبالطاقات القادرة علي تحقيق الكثير، ولكننا منذ وقت طويل نبدو وكأننا مستسلمون لعدم القيام بأي دور قيادي في المجالات العلمية والصناعية وهذا هو ما أطمح إليه بالنسبة لبلادي.. البدء في تحقيق الانتصارات في مجالات الاقتصاد والسياسة مثلما فعلنا في كرة القدم.
وانتقل برودي للحديث عن مصر التي كان من الواضح أنها تحظي بمكانة متميزة في عقله وقلبه فقال إن مبارك ليس فقط رجل سلام ولكنه أيضا يحمل مسئولية أكبر وأهم دولة بالمنطقة،فله علاقات طيبة مع أوروبا ومع الولايات المتحدة وأنا أعتقد أن جهوده من أجل السلام في هذه اللحظات سوف يكون لها تأثير كبير خاصة ونحن نمر بأوقات شديدة الحساسية.
ولقد قام مبارك بأدوار هامة لتحقيق السلام وأنا علي استعداد حقا للعمل معه دائما من أجل الوصول إلي استقرار جديد في الشرق الأوسط. وأقول لمبارك استمر في شجاعتك وجهودك من أجل الاستقرار.
وأكد برودي أن العمل مع مصر كان طيبا دائما وقال إن ما أتمناه لمصر هو مزيد من الازدهار... لقد حققت مصر في السنوات الأخيرة معدلات نمو اقتصادي رائعة، ثم تعرضت لحوادث إرهابية ولكنها عادت إلي طريق النمو. إن مصر في حاجة الي جيل كامل من الهدوء من أجل تنميتها ومن أجل شبابها. وكل ما أتمناه لمصر أن تستطيع بالنفس الطويل مواصلة مسيرة النمو، خاصة وأنها من أكثر الدول التي تعرضت للأعمال الإرهابية لذا فان ما اتمناه للشعب المصري هو ان يتمتع بالجلد للمضي قدما.
وحول زيارته لمصر قال رومانو برودي أنه لم يتم تحديد موعد لهذه الزيارة، لأن لدينا الآن جدولا سياسيا مزدحما بالالتزامات ولكن بعد قانون الموازنة العامة سوف يتعين علينا تحديد القواعد التي ينبغي العمل وفقها خلال السنوات الخمس المقبلة ولهذا السبب لم يتحدد بعد الموعد وبمجرد تحديده لن يكون مجرد واجب بالنسبة لي بل سيكون من دواعي سروري إعلانه لأن لمصر وشعبها وقيادتها مكانة متميزة في قلبي وقلوب كل الايطاليين.