لبنان بعد الحرب... الوهم حين يكون وباءً!
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
الإثنين: 2006.08.21
عبدالله بن بجاد العتيبي
السباق المحموم في التصريحات السياسية بين ساسة إيران وساسة سوريا لم يدعْ مجالاً للنقاش حول مرجعية "حزب الله" وقراره في شنّ حربٍ غير متكافئة مع إسرائيل، فلم يعد المتابع قادراً على ملاحقة التصريحات الإيرانية والسورية المتعلقة بنتيجة الحرب، تلك التعليقات التي سحبت الأضواء من حسن نصرالله الذي يفترض فيه أنه لبناني يمثل اللبنانيين ومصلحتهم أو على الأقل مصلحة بعضٍ منهم، وتركته لا يدري هل يتابع الآمر القريب في دمشق أم يتابع الآمر البعيد في طهران!
عمايات الأيديولوجيا الخرافية أعشت أعين الأتباع الآيديولوجين، وشعارات القومجية البرّاقة أعمت أعين بقايا أحافير القوميين عن رؤية الواقع وحسابات الأرباح والخسائر وضيّعت معاني النصر والهزيمة في غوغائيات الأيديولوجيا وشعارات القومجية المنقرضة.
زعم بعض عاشقي الشعارات الجدد اللاحقين بركبها حديثاً ممن فاتتهم حقبة المدّ القومي أن "حزب الله" انتصر على إسرائيل!، وزعم بعض عابدي الأيديولوجيا الزعم ذاته، وألغى الفريقان -المتحدثان من بعيد- من حساباتهما الإنسان اللبناني على الأرض كما ألغيا معاناته ومرضه ومستقبله، كما نسيا حياته و موته أثناء الحرب، وتجاهلا أن تحت ركام الحرب آمالاً في التنمية قبرت وأحلاماً باقتصاد متعافٍ وئدت، ووئدت معها رغبات ببناء بلدٍ دمرته الحروب والفتن.
إن "الهزيمة" المرّة هي ما جرى حقيقة في لبنان الجريح، إن الهزيمة الحقيقية هي في تدمير بلد كامل، وتحطيم بنيته التحتية فالمطار الذي أنفق على إنشائه أكثر من ملياري دولار أميركي أصبح بحاجة إلى إعادة تأهيل، ومحطات الطاقة والكهرباء أصيبت بأضرار كبيرة نتيجة القصف الذي تعرضت له بالإضافة إلى الطرق والجسور التي لم يكد يسلم منها جسر واحد، بالإضافة إلى المباني والمرافق الأخرى التي أصبحت بيوت أشباح نتيجة تدميرها، والحديث عن الخدمات الصحية وإعادة تأهيلها وبنائها لا يدانيه في المرارة إلا الحديث عن التعليم وتراجع مؤسساته وقدراتها في بناء جيل لبناني جديد متعلم ومثقف ومتميّز. ويحسب المنخرطون في جوقة المزايدات المشروخة أن الحديث عن البيئة والشواطئ الملوّثة وخطرها على الإنسان اللبناني لا يعدو أن يكون حديثاً مترفاً، ويعتقدون ألا مكان له في ساحة الصراخ الواهم بالنصر الزائف. وهم مستعدون للتضحية بآخر مواطن لبناني وآخر مصلحة لبنانية في سبيل تحقيق مصالحهم والوصول لأهدافهم، وللأسف فهم يجدون على ذلك معيناً وناصراً من اللبنانيين أنفسهم!
إن المراهنات التي وضعها مخططو الحرب الأخيرة ذهبت هباءً تحت غبار القصف والتدمير الذي تعرض له لبنان، وأتت هذه المغامرات غير المحسوبة بعواقب وخيمة على أصحابها فاختلط لديهم الصواب بالخطأ ودخلوا في حسابات جعلتهم يصفون الهزيمة بالنصر والتراجع بالتقدم فلم يعيروا أي اهتمام للنتائج السلبية لتلك الحرب على مختلف جوانب الحياة في لبنان.
إن "حزب الله" تسبب -لخضوعه لأجندة خارجية- بجعل منطقة جنوب الليطاني التي تمثل ربع لبنان تقريباً منطقة تحت الوصاية الدولية وهذا هو جوهر الاستعمار لأن الاستعمار كان يقدم نفسه على أنه وصاية وليس استعماراً، فعملياً أعاد "حزب الله" من حيث شعر أم لم يشعر الاستعمار الغربي للبنان، فما أخرجه رياض الصلح ورفاقه من قادة الاستقلال من الباب أعاده نصرالله من الشباك، ويا للسخرية والمشهد السريالي أن القوة الدولية التي ستكون متعددة الجنسيات يفترض أن يكون قوامها من القوات الفرنسية، وفرنسا هي الدولة التي قام استقلال لبنان على أساس الخلاص من هيمنتها وتواجدها العسكري الذي أعاده "حزب الله" اليوم من حيث لا يحتسب.
وبنظرة أصولية إسلامية معتبرة في المذاهب الإسلامية كلها فإن الرسول صلى الله عليه وسلم (الذي يفترض أنه المرجع الأساسي لكل الأحزاب الإسلامية بما فيها "حزب الله") كان يعتبر المصالح والمفاسد المادية في سياسيات الحرب والسلم وحركته الجهادية بدليل أنه كاد أن يبرم اتفاقاً مع أعداء الدعوة الإسلامية المشركين على أساس أن يرهن ثلث اقتصاد المدينة (أي ثمارها) للأعداء من أجل أن يحفظ أرواح الناس وأرضهم وبقية اقتصادهم وذلك في غزوة الخندق، فهل يعتبر هذا الموقف تفريطاً بالشرف والكرامة واللغة العنترية التي يتحدث بها نصرالله ومؤيدوه!
إن تلك الكرامة والعنترية تسببت في قتل المئات وتشريد ما ينيف على المليون، وكبدت الاقتصاد اللبناني خسائر فادحة، وتاه الإنسان في غياهب الأيديولوجيا العمياء وغوايات المصالح السياسية الإقليمية لدول لا يهمها لبنان ولا مواطنوه بقدر ما تهمها مصالحها الذاتية ونفوذها الإقليمي وليس سراً أن إيران وسوريا هما المقصودتان بهذا الحديث.
لقد ألقت هذه الحرب بظلال كثيرة على مختلف نواحي الحياة في لبنان فقد تأثرت جميع قطاعات ومؤسسات الدولة من جراء هذه الكارثة، فعلى سبيل المثال لا الحصر أصبح الوضع السياسي أكثر احتقاناً وتعقيداً، بل إن الفجوة بين الفرقاء اللبنانيين أصبح من الصعب ردمها، مما سيدفع البلد إلى مزيد من التوترات والانقسامات، وهو ما سيؤدي بدوره إلى تدهورٍ كبيرٍ وخطيرٍ للأوضاع في بلدٍ يضم مذاهب دينيةٍ وعرقية متعددة، وهو محاط في الوقت نفسه بقوى خارجية تتدخل في شؤونه الداخلية ولا تدعه يقرر مصيره بنفسه على أساسٍ من الوحدة والمصلحة الوطنية.
أما بالنسبة إلى الوضع الأمني، فقد دمرت هذه الحرب مقدرات قوى الأمن اللبنانية و كذلك الجيش الذي تعرضت مرافقة إلى قصف عنيف من قبل القوات الإسرائيلية، وتراجعت على أثرها الصحوة الأمنية التي عاشها لبنان خلال الفترة الماضية، كما تراجعت عملية بناء قوى الأمن اللبنانية.
أما فيما يتعلق بالأوضاع الصحية والزراعية والصناعية والاستثمارية والعقارية فقد تراجعت كلها بفضل هذه الحرب وأصبحت بحاجة إلى إعادة تأهيل جذري حتى تعود إلى سابق عهدها، وهو أمر يكلّف الكثير من الجهد ويتطلب الكثير من المصاريف المادية التي سينوء بحملها الاقتصاد اللبناني.
لا توازي الفجيعة بلبنان وخسائره إلا الفجيعة بالوعي العربي الذي خضع للتضليل الإعلامي والغوغائية الإعلامية كما سكر بالخطابات السياسية الرعناء التي تنطلق من العاطفة لتخاطب الوهم في النفوس لا الحقيقة على الأرض، والتي أوقعت المواطن العربي فريسة لأيديولوجيات متطرفة وأجندة إقليمية لا يمسها الدمار والقتل الذي يتعرض له جزء منه في لبنان، ولا يعنيها مستقبله في شيء ما دام برنامجها قد حقق أهدافه ولو جزئياً، بصرف نظر العالم عن مشاكله النووية أو تخلفه عن المشهد العالمي.
لقد غذّت هذه الحرب الحمقاء مخاوف الغرب من خطر العرب والمسلمين، فقد كانوا بالأمس يصفون المسلمين بالمتطرفين وأصبحوا اليوم يصفونهم بالفاشيين كما جاء على لسان جورج بوش رئيس الولايات المتحدة الأميركية.
يجب أن يكون للبنانيين موقف واضح وجريء من القوى الإقليمية التي تستخدم لبنان كأرضٍ محروقةٍ لتنفيذ أجندتها وتحقيق مصالحها، ويجب أن يسعى اللبنانيون لجعل بلدهم بلداً حرّاً من كل سيادةٍ ونفوذٍ ومصلحةٍ، غير سيادة ونفوذ ومصلحة الدولة اللبنانية. لا يستحق هذا البلد الجميل والمتعلم أن يكون بخوراً يحرقه المزايدون في مباخر مصالحهم الذاتية.
ما يجب أن يدركه الجميع أن الوضع الإقليمي بعد هذه الحرب لن يستمر طويلاً كما كان قبلها، وستعاد كثير من الحسابات، وسيصحح كثير من الأوضاع، وسيدفع المغامرون فواتير باهظة لمغامراتهم وسيرون عواقب أعمالهم، ولكل حادثٍ حديث.