جريدة الجرائد

حرب لبنان: الحساب العسير

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

د. عبدالوهاب المسيري


"حان وقت الحساب"... "أولمرت وبيريتس فشلا في الامتحان العسير، وعليهما مغادرة الحكومة إلى البيت"... "المسؤول عن الهزيمة هو رئيس الأركان دان حالوتس وعليه الرحيل"... "على دان حالوتس أن يستقيل حتى يجر بيريتس وأولمرت وراءه"... "الفشل العيني لإسرائيل جاء نتيجة عجرفة القادة العسكريين والسياسيين عديمي الخبرة"... "لجنة التحقيق ستطيح بالسياسيين والقادة العسكريين"...هذه مجرد أمثلة قليلة من العناوين والعبارات التي أصبحت تتصدر الصحف في الكيان الصهيوني منذ الأيام الأخيرة للعدوان الإسرائيلي على لبنان، عندما بدأت دلائل الفشل تلوح واضحةً للعيان، ثم ازدادت وتيرتها وحدتها منذ أن أصبح الفشل أمراً واقعاً لا يستطيع أشد المتحمسين للحكومة الإسرائيلية مداراته أو التملص منه.

وكما هو متوقع في أعقاب الانتكاسات والأزمات الكبرى التي تواجه أية دولة، وخاصةً إذا كانت دولة صنيعة ودخيلة تدرك أن وجودها الهش مرهون بقوتها وتفوقها العسكري، فقد فجر الفشل في تحقيق أهداف العدوان جدلاً سياسياً واسعاً في مختلف أوساط الكيان الصهيوني، ولم يقف الأمر عند مسألة الأداء العسكري بل تجاوز ذلك إلى قضايا اجتماعية واقتصادية أعمق، مثل الميزانية الضخمة التي يحصل عليها الجيش وأثر ذلك على تدهور الخدمات الاجتماعية والصحية، والتفاوت الهائل بين فئات المجتمع، والتمييز العنصري الصارخ الذي جعل الملاجئ وخدمات الطوارئ حكراً على اليهود بينما حُرم منها آلاف الفلسطينيين ممن ظلوا على أرضهم التي أُقيمت عليها دولة إسرائيل. وفي غمار هذا الجدل، بدأ تبادل الانتقادات بين الأحزاب الصهيونية المختلفة بعضها البعض وداخل كل حزب على حدة، ولاسيما الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي وفي مقدمتها "كاديما" و"العمل"، فضلاً عن تبادل الاتهامات بين القادة السياسيين والعسكريين، وهي اتهامات بلغت أحياناً حد السُباب والتنابذ بالفضائح المالية والأخلاقية.

فعلى سبيل المثال، علَّقت صحيفة "هآرتس" في افتتاحيتها (15 أغسطس2006) على الخطاب الذي ألقاه أولمرت أمام الكنيست في اليوم السابق، ورأت أن عباراته المتفائلة لا تعكس الحقيقة المريرة التي تكشفت على مدى ثلاثة وثلاثين يوماً من المعارك الدامية، ولا يمكنها أن تقنع الجمهور الذي لمس أوجه القصور بشكل مباشر. تقول الصحيفة: "الجمهور يعرف أن الجيش الإسرائيلي لم ينتصر في المعركة، وليس ثمة احتمال لإقناعه بذلك، لأن واقع الأمور يختلف تماماً عن الخطب الضبابية التي تحاول إخفاء الحقيقة. فآباء الجنود يعرفون جيداً التفاصيل الحقيقية عن الطعام الذي لم يصل إلى أبنائهم، وعن العتاد الناقص الذي اشتروه بأموال المتبرعين. وسكان الملاجئ يحكون قصصاً كثيرة عن معاناتهم والضائقة التي حلت بهم... وأمام نجاح حزب الله تكشفت حقيقة نقص التجهيزات القتالية وافتقار الجنود إلى التدريب على المهام الموكلة إليهم، وهو الأمر الذي نُسب إلى قلة الميزانية، بالإضافة إلى وضع الملاجئ وخدمات الإنقاذ والإغاثة المتدهورة. فإذا كان وضع الاقتصاد على هذه الحالة السيئة، كما وصفوها هم، فلابد من التساؤل: أين ذهبت الأموال؟ وهل تعرف الحكومة كيف تصحح الأخطاء، هذا إذا كانت قادرة أصلاً على الاعتراف بها؟"

ويذهب موشي أرنز (صحيفة هآرتس، 13 أغسطس2006) إلى أن حرب لبنان قد أظهرت أن إسرائيل لا تملك القدرة على الردع، وأنه لا سبيل إلى استعادة هذه القوة إلا في ظل قيادة جديدة بدلاً من القيادة الحالية التي أثبتت عجزها.

وقد حظي رئيس الأركان "دان حالوتس" بالنصيب الأعظم من الانتقادات والاتهامات، وهناك من يرى أنه المسؤول الأول بسبب تدني قدراته العسكرية من جهة وبسبب ما قدمه إلى رئيس الحكومة من معلومات غير دقيقة عن استعداد الجيش الإسرائيلي وقدرات "حزب الله"، من جهة أخرى. فعلى سبيل المثال، كتب يوئيل ماركوس (صحيفة هآرتس، 15 أغسطس2006) يقول: "وقف إطلاق النار جاءنا في أسوأ وضع يمكن أن نكون عليه: لسنا في حالة انتصار، ولا في حالة انهيار، وإنما في حالة من الفشل الطبيعي. فهذه حرب كان فيها عدد كبير من القادة، ولم يكن فيها زعيم واحد... كيف انجرت الدولة بأكملها إلى هذه الحرب من دون خطة منظمة، ودون التفكير في أهدافها وكيفية انتهائها وتكلفتها، وما يمكن أن تسببه من دمار، والمدة التي تستغرقها، وحدود الانتصار فيها؟

في خطاب أولمرت الأول بعد اندلاع الحرب، تعهد بالقضاء على حزب الله وإزالة التهديد الصاروخي من فوق رأس إسرائيل. وفي خطابه الرسمي الثاني، وعد بأن تغيِّر إنجازاته وجه الشرق الأوسط. وليس واضحاً على أي أساس تحدث بهذه الثقة العالية. هل تحدث على أساس بصيرته وحدسه، أم بناء على قدرته البيانية، أم استناداً إلى ما وعده به رئيس أركانه دان حالوتس؟... يكاد يكون من المؤكد أن حالوتس هو الذي أقنعه، وأنه كان القائد وأولمرت التابع... لقد فشل أولمرت حقاً، ولسنا في حاجة إلى لجنة تحقيق لكي نصل إلى النتيجة الواضحة وهي أننا انجرفنا إلى حرب غير مخططة لم يحرز الجيش الإسرائيلي النصر فيها. لقد كان رئيس الأركان هو الذي ضلل وأُصيب بالثقة المفرطة في الذات ونقل هذه العدوى إلى الحكومة، ولهذا فعليه أن ينصرف".

وقد تبنت صحيفة "هآرتس" نفس الرأي في إحدى افتتاحياتها (16 أغسطس 2006)، وكشفت النقاب عن بعض الفضائح الشخصية التي تمس رئيس الأركان ووزير العدل، ورأت في ذلك دليلاً على عدم أهليتهما لتولي مناصب قيادية في الحكومة. تقول الصحيفة: "لقد وجد رئيس الأركان ما يكفي من الوقت لبيع جميع أسهمه ظهر يوم 12 يوليو 2006، أي بعد ثلاث ساعات فحسب من اختطاف الجنديين، وهو أمر لا يمكن التسامح معه... فعندما يدور الحديث عن شخصية عامة رفيعة المستوى أُلقيت على عاتقها مسؤولية الشعب الإسرائيلي ومصيره، وكذلك مسؤولية الجنديين المختطفين والجنود الذين خرجوا لإنقاذهم وقُتلوا، لا يمكن القول إن هناك خصوصيات ينبغي عدم التعرض لها، لأن تصرفات رئيس الأركان في حياته الخاصة تدلنا على مدى قدرته على القيادة في حياته العامة... وإذا كان رئيس الأركان قد تفرغ في ذلك اليوم المرير لكي يبيع أسهماً، وإذا كان وزير العدل قد تفرغ في اليوم نفسه لكي تُلتقط له الصور ويبحث عن رقم هاتف موظفة في الحكومة، تبين فيما بعد أنها اتهمته بالتحرش الجنسي، فمن الطبيعي أن يولد كل هذا إحساساً باليأس من أن يجد الجمهور من يمكنه الاعتماد عليه".

ولعل صورة القائد العسكري الذي يسارع ببيع ممتلكاته استعداداً للفرار، وصورة القائد السياسي الذي يبحث عن لذة عابرة وسط إحساس عام بالعبث، تعيدان إلى الأذهان صورة الجنود الأميركيين المهزومين في فيتنام وهم يسارعون إلى التخلص من متعلقاتهم والصعود إلى البنايات العالية انتظاراً لطائرة مروحية تقلهم عائدين إلى بلادهم وتنجيهم من الجحيم الذي ساقتهم إليه أوهام القوة والهيمنة، وهي صورة تتكرر، وإن اختلفت بعض تفاصيلها، مع كل عمليات الغزو الاستعماري التي تلقى الفشل أمام مقاومة الشعوب وصمودها.

والله أعلم.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف