لغة الحرب - مفاهيمها ومصطلحاتها 1 - 2
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
د. حسناء القنيعير
لكل حرب لغتها الخاصة ومفاهيمها التي تكشف عن تغلغل الحرب في نفوس المتحاربين وعقولهم سواءً من هم داخل الأعمال العسكرية أو من هم خارجها، بل ربما كان الذين خارج أتون المعارك الحربية أكثر استخداماً للغة الحرب وتفجيراً لها بتوليد مصطلحات ومفردات تعبر عن مفاهيمها المستجدة والمتصاعدة بفعل الأحداث.
ولقد شهدت الحرب الأخيرة في لبنان جملة من المفاهيم العسكرية والسياسية والدينية والقومية استدعت مقابلتها بمصطلحات تعبر عن وجهات نظر الفرقاء العرب الذين وكما هو معتاد في الحروب العربية انقسموا إلى فريقين، فريق مع الحرب ينادي بالسير فيها إلى أبعد مدى حتى لو اقتضى ذلك تدمير لبنان كله على رؤوس مواطنيه، وفريق آخر كان ضد هذه الحرب العبثية التي ستتولد عنها عواقب وخيمة ليس على لبنان وحده بل على المنطقة العربية بأسرها. وقد لا أجافي الحقيقة فيما إذا قلت إن هذه الحرب لم تقسم العرب فحسب لأنهم دوماً منقسمون، بل إنها ككل حرب سابقة عمّقت هذا الانقسام الذي استغلته حفنة من المزايدين وتجار الكلام ومناضلي الفضائيات العربية ليذروا مزيداً من الملح على جروح الأمة العربية التي لا يريدون لها أبداً أن تبرأ لشيء في نفوسهم .
إن أول مصطلح تم إطلاقه في هذه الحرب العبثية المصطلح الذي عبر به حزب الله عن حربه وهو "الوعد الصادق" وإذا ما رحنا نبحث في تاريخ الحروب العربية منذ داحس والغبراء مروراً بغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وحتى معركة حطين نجد أن الحروب العربية كانت تستمد أسماءها من مكان المعركة كغزوة بدر وأحد وتبوك ومعركة اليرموك والقادسية، كما تستمد أسماءها من سمة خاصة فيها كغزوة الأحزاب والخندق وحروب الردة وموقعة الجمل. وفي العصر الحديث جرى تسمية الحروب حسب زمن وقوعها مثل حرب عام ثمانية وأربعين وستة خمسين التي سميت أيضاً بالعدوان الثلاثي نسبة إلى بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وحرب الخامس من حزيران عام سبعة وستين، وحرب العاشر من رمضان أو السادس من أكتوبر عام ثلاثة وسبعين .
ولعل أول تسمية أطلقت على حرب في المنطقة هي عاصفة الصحراء التي أطلقتها أمريكا على حربها لتحرير الكويت، مما جعل صداماً يطلق على حربه نفسها أم المعارك، كما أطلق مصطلح أم الحواسم على حربه الأخيرة عندما ادعى أنه سيفني القوات الأمريكية على أسوار بغداد وسيحسم الحرب لصالحه. وإذا عدنا إلى مصطلح الوعد الصادق فإننا نجد أن حزب الله أراد به وعدا صادقا للأمة العربية بتحرير الأرض اللبنانية (مزارع شبعا) وتخليص الأسرى الثلاثة من السجون الإسرائيلية، لكن مجريات الأحداث وحجم التدمير الذي أصاب لبنان يكشف عن أن هذا الوعد لم يكن صادقاً إلا في تحقيق تهديد الرئيس رفيق الحريري بتدمير لبنان على رأسه ورؤوس كل اللبنانيين وبهذا الوعد قتل حزب الله ومحرضوه الرئيس الحريري مرتين، وقد أجمع المراقبون على أن ما قام به حزب الله كان كارثيا بكل المقاييس، ولو كان وعده صادقا لوضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار .
ولعل أكثر المصطلحات التي لاقت رواجاً في هذه الحرب بين رافضيها ومؤيديها هو مصطلح "المغامرات غير المحسوبة" الذي كانت القيادة السعودية أول من أطلقه تعبيراً عن رفضها لهذه الحرب العدمية بل وأدخلته القيادة السعودية في اجتماعات وزراء خارجية الدول العربية عندما صرح الأمير سعود الفيصل بقوله: إن انفراد دولة واحدة بالقرار أمر غير مقبول، وإن انفراد عناصر غير منضبطة تدفع بقية الدول إلى مغامرات غير محسوبة وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلا.
إن الموقف السعودي من الحرب برفض المغامرات كان موقفا عقلانيا بكل المقاييس، لكن غوغاء الشارع العربي رفضوه واستغلوه أسوأ استغلال لا سيما مقتنصو الأزمات من الساسة والكتاب والمثقفين والحزبيين العرب، فهؤلاء لا يريدون إلا نصرا زائفا يخاطب عقولهم المسكونة بالكرامة العربية التي لا يهمهم كيف تتحقق، لقد كان على هؤلاء قراءة الموقف السعودي والمصري والأردني قراءة متأنية بعيدا عن العاطفة، فلا الخطب الحماسية التي ألقاها الرؤساء الثوريون ولا بيانات حزب البعث السوري ولا خطب الإخوان المسلمين يمكن أن تشكل حلا للأزمة التي وقع فيها لبنان وكل الأمة العربية جراء مغامرات حزب الله، إن الدول الرافضة لتلك المغامرة معها كل الحق فيما فعلته، فالموافقة تعني مغامرة هذه الدول بكل ما حققته من تطور والتضحية بمكاسبها واستقرار شعوبها، وستظل دوما رهينة لحروب تشنها الأحزاب الثورية والجماعات المتطرفة والقوى التي تحلم بإلقاء إسرائيل في البحر .
ولعل ما صرح به أمين عام حزب الله منذ أيام بأنه لو علم بردة فعل الإسرائيليين لما أقدم على خطف الجنديين يؤكد صحة الموقف السعودي الذي تلقته غوغاء الشارع العربي من المحيط إلى الخليج وحملته أكثر مما يحتمل حتى أن وزير خارجية دولة خليجية استغل هذا الموقف ليعلن بكل خبث أن هذا الموقف هو الذي وفر غطاء لإسرائيل في هجماتها ضد لبنان .
ومن المصطلحات التي ظلت تتردد في العالم العربي من شرقه إلى غربه إبان الأزمة هو مصطلح "سلاح البترول" وقد استغل الدهماء هذا الأمر وأخذ المزايدون يستعملونه ورقة لزيادة شعبيتهم في الشارع العربي الهائج منذ بدء الحرب، هؤلاء الغوغاء لا يريدون أن يصدقوا أن الزمن الذي نعيشه غير ذلك الزمن الذي استعمل فيه البترول سلاحا، وأن النفط لم يعد صالحا لإشهاره في الأزمات العربية التي يبدو أن لا نهاية لها، وقد صرح الأمير سعود الفيصل أن النفط سلاح للتنمية وهو ثروة وطنية لا يجوز التفريط فيها، ومع هذا ما يزال المزايدون يصرون على استخدامه وكأن البترول صار حقا خالصا لهم يوجهونه الوجهة التي يريدونها .
ومن المصطلحات التي راجت في الأيام الماضية في الصحافة العربية والأجنبية مصطلح "القنابل الذكية"Smart Bomb ويعني القنابل التي كانت تنقل من قاعدة السيلية في قطر إلى الجيش الإسرائيلي، وتتميز هذه القنابل بأنها تستطيع الحفر بعمق أربعين متراً تحت سطح الأرض وقد استعملتها إسرائيل لدك الخنادق التي يتحصن فيها قادة حزب الله، وقد نفى وزير خارجية قطر أن تكون القنابل نقلت من قطر إلى إسرائيل، لكن منظمة العفو الدولية ذكرت أنها أرسلت رسالة للحكومة القطرية تطالبها بمنع إقلاع الطائرات الأمريكية التي تحمل تلك القنابل من أجوائها، مؤكدة أن الدول التي تسلح الطرفين وتسهل حصولهما على الأسلحة تعد شريكة في قتل المدنيين، لكن قطر لم ترد على رسالة المنظمة الدولية، كما ذكرت صحيفة الصنداي هيرالد البريطانية في عددها الصادر في 29 يوليو أن الشحنات العسكرية الأمريكية ذهبت من مكانين مختلفين هما وزارة الدفاع في الولايات المتحدة وقاعدة السيلية الأمريكية في قطر، وقال أحد الخبراء البريطانيين إن هذه الأسلحة هي الأكثر فتكاً في العالم إذا استثنينا القنبلة النووية .
ومن المصطلحات الدينية التي أطلقت إبان الحرب مصطلح "كافر أقرب من كافر" وهو مصطلح الشيخ يوسف القرضاوي الذي حثّ فيه المسلمين على تأييد حزب الله ودعمه، فخانه التعبير عندما أتى بمثال عن تغلب الروم النصارى على الفرس المجوس وفرحة المسلمين بهذا الانتصار، ومع أن كلا الطرفين كان كافراً إلا أن الروم كانوا أقرب للمسلمين من الفرس! وبناءً على هذا فإنه يرى أن حزب الله الشيعي وإسرائيل يماثلان الروم والمجوس أي كأنه يرى أن الشيعة مختلفين عنا لكنهم أقرب إلينا من إسرائيل ولهذا قال كافر أقرب من كافر متناسيا أن الشيعة مسلمون يؤمنون بالله وبرسوله مثلنا .
"دموع السنيورة" كان للدموع حضورٌ في هذه الحرب كما في حرب الكويت عندما بكى الشيخ جابر الصباح أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إبان احتلال الكويت، فالدموع لا يذرفها إلا الحكام المخلصون الخائفون على أوطانهم من الضياع والتدمير، أما الطغاة فإنهم أبداً لا يبكون ولا تعرف الدموع الطريق إلى عيونهم، فلم يبكِ صدام ولم يبكِ كل الطغاة والأشرار الذين مازالوا يزايدون على الدمار اللبناني، بكى السنيورة رئيس الحكومة اللبنانية لأنه الوحيد الذي ملك شجاعة الاعتراف بالحقيقة المرة ولأنه الوحيد الذي أدرك الثمن الفادح الذي دفعته بلاده وشعبه في حرب لم يُستشر فيها أهل لبنان المخلصون وهم وحدهم من تحمل الخراب والدمار، في حين كان المزايدون والمنتفعون يسخرون من هذه الدموع كما فعل شخص لبناني متآمر ضد وطنه واصفاً هذه الدموع في القناة السورية بأنها قطع اسفنج يضعها السنيورة تحت أجفانه ويضغط عليها متى شاء هذه المواقف الرخيصة والمتآمرة هي التي كبدت لبنان على مدى أكثر من قرن الكثير من المآسي والنكبات.
"حرق المراكب" ويعنون به مصطلح اللاعودة ويتعلق بموقف دولة عربية أرادت بعد الحرب أن تقطع كل صلة لها بالأمة العربية عبر خطاب مأزوم وجهته لدول الاعتدال في المنطقة واصفة إياهم بصفات لا تليق، والخطاب المأزوم نفسه الذي سماه سعد الحريري (خطاب نكران الجميل للعرب) قام بتأليب اللبنانيين بعضهم على بعض وتأليب حزب الله على الحكومة اللبنانية خصوصاً الداعين إلى نزع سلاحه، إحراق المراكب أو خطاب اللاعودة سلوك عربي بامتياز فلم يكن وليد اليوم وإنما هو مترسخ في ثقافة الحكومات الثورية العربية منذ أزمان وقد اعتادت على إشهاره لدن الأزمات العربية العربية .
"المال النظيف" مصطلح أطلقه حسن نصرالله دلالة على المال الذي سيعيد به الإعمار، يلمز به الأموال الأخرى التي قدمها العرب لا سيما الخليجيون، هذا المصطلح أثار استهجان كثير من العقلاء وقد سئل الأمير سعود الفيصل في أحد مؤتمراته الصحفية عن ذلك فأجاب قائلاً (إن المال الذي قدمته المملكة إلى لبنان مال نظيف وجميع أموال المملكة نظيفة ولا نعلم ما المقصود بالمال النظيف).
"ثقافة المقاومة" مصطلح بدأ يروج في وسائل الإعلام العربية وفي بيانات الجماعات الإسلامية خصوصا الإخوان المسلمين وحزب البعث السوري وبعض الأحزاب الكويتية داعين إلى إحياء هذه الثقافة في الحياة العربية وفي المناهج الدراسية، وفي ندوة عقدت مؤخرا في القاهرة صفق الحضور لأحد السفراء العرب عندما قال: يجب أن نستثمر نصر حزب الله على إسرائيل لنشر ثقافة المقاومة، كما دعا الشيخ يوسف القرضاوي إلى ضرورة وجود حزب الله على أرض مصر والأردن وكل الدول العربية! مما يعني رغبة هؤلاء في تحويل الشعوب العربية إلى شعوب مقاومة تحقيقا لمبدإ لا صوت يعلو فوق صوت المعركة !!!!
"بطل الأمة" مصطلح بات يطلق على حسن نصر الله، هكذا وصفه مناضلو الفضائيات العربية، كما خلعت عليه هذا اللقب الجماهير العربية وهي تحمل صوره في مظاهراتها، بطل الأمة أطلقته هذه الجماهير من قبل على عبد الناصر وعلى صدام حسين، بل إن بعض العرب والمسلمين لم يتوانوا عن إسباغ هذه الصفة على ابن لادن والزرقاوي! هذه الجماهير لا تنفك تصف الحكومات العربية بالعمالة للغرب مسكونة بهاجس البطل الذي يجلب لها النصر حتى لو كان زائفا أو مدمرا للوطن أرضا وبشرا، وليس هذا الأمر غريبا فعندما تهبط عقول الجماهير إلى مستوى الكارثة والغياب عن الوعي بسبب حملات التضليل الإعلامية التي تخاطب الغرائز وتلغي العقول، عندها يصدق عليها قول الإمام علي رضي الله عنه... (همج رعاع ينعقون مع كل ناعق ويميلون مع كل ريح)! أبطال الأمة العربية لم يقدموا لشعوبهم سوى الدمار والتخلف عن ركب الحضارة والإفلاس الاقتصادي والثقافي والاجتماعي .
"دول الاعتدال" يعني هذا المصطلح الدول العربية التي تنحو نحو لغة العقل وتنظر دائما للقضايا العربية من منظور تقدير العواقب وعدم الانجرار خلف المغامرات والمغامرين، وقد راج هذا المفهوم في الحرب الأخيرة للدلالة على الدول التي رفضت مغامرة حزب الله، وهي المملكة السعودية ومصر والأردن، وقد رفض غوغاء الشارع العربي والدهماء من المثقفين والساسة الانصياع للغة العقل وتاجروا بالحرب اللبنانية التي ستحقق لهم الكرامة، واتهموا كل الرافضين لهذه الحرب غير المتكافئة بالتخاذل والتقاعس، فقد تعرض مفهوم الاعتدال للتدمير وجوبه بالصراخ والتشنج من قبل الداعين إلى الصمود والتصدي، لأن المهم هو الكرامة العربية ولا يهم الثمن الذي سيدفع مقابلها، الغريب أن هذه الشعوب التي تُسحق كرامتها صباح مساء من قبل حكامها الثوريين لا يستفيق شعورها بالكرامة إلا عندما تخوض حربا مع عدو خارجي.
"النصر الاستراتيجي" مصطلح راج بعد أن أوقفت الحرب، وخرج حسن نصر الله يهدي نصره للبنانيين، النصر عند العرب المعاصرين يعني عدم الهزيمة وبقاء الزعيم الأوحد المنزه عن الأخطاء على قيد الحياة، الزعيم الذي لا يجرؤ أحد على مساءلته ومحاسبته، أما الوطن والمواطنون فلا قيمة لهم! ثم إذا كان بعض العرب يرون عبد الناصر في عداد المنتصرين رغم ما جلبه للأمة من نكبات، وأن صدام حسين انتصر في أم المعارك على الرغم من دمار العراق، وأن ابن لادن والزرقاوي وغيرهما من المتمردين انتصروا على أمريكا على الرغم مما سببوه للإسلام من تشويه، فما الذي يمنع حسن نصرالله من أن يكون قد حقق للأمة نصرا استراتيجيا حتى لو جاء على تلال من الجثث والأشلاء، ألم يحطم أسطورة الجيش الذي لا يقهر؟ أولم يصمد حتى دُمر لبنان ودُكت بنيته التحتية؟ المهم أن يخرج الحزب وسيد المقاومة سالمين !