’’الحب’’ على الطريقة الأميركية
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
أدمون صعب
"يجب ألا يغيب عن بال الموارنة أنهم أبناء البطريرك اغناطيوس الانطاكي الذي تمنى يوما أن تطحنه أنياب الأسود ليتحول خميرة للمسيحية في هذا الشرق، كما هم أبناء مارون وشربل ورفقه والقديسين الكثيرين الذين عطّرت صلواتهم وأنفاسهم أجواء هذه البلاد الخيّرة".
الأباتي بولس نعمان (في "محطات مارونية" 1998)
ثمة من يرى أن لبنان بات يعيش في ظل عدّادَين زمنيين، الأول يتعلق بالبحث عن الحقيقة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. وقد سجل هذا العداد أمس رقم 696 للأيام التي انقضت منذ التفجير المروع الذي استهدف موكب شهيد الاستقلال في 14 شباط 2005. أما العداد الثاني فيتعلق بالاعتصام، الذي نفذته المعارضة في ساحتي الشهداء ورياض الصلح وطوّق السرايا بحزام بشري. وهو مستمر منذ 40 يوما.
وهناك من أضاف الى هذين العدادين الداخليين عدادا خارجيا هو العداد العراقي.
وقد تحدثت أجهزة الاعلام الاميركية منذ مدة عن حتمية الخروج من العراق، وحضّرت الرأي العام لتقبّل هذا الخروج على أنه نهاية طبيعية لعملية استهدفت أساسا خلع ديكتاتور.
وفي موازاة هذا التحضير النفسي والسياسي وحتى العسكري للجلاء عن بلاد الرافدين، بدأ الاعلام الاميركي يتحدث، وخصوصا منذ انطلاق اعتصام المعارضة في الوسط التجاري مطلع الشهر الماضي، عن أخطار "خسارة لبنان" وامكان وقوعه في براثن "الوحش" السوري - الايراني، وانعكاس ذلك على مشروع "الشرق الاوسط الجديد" أو "الشرق الاوسط الاكبر" وتهديده الصورة التي روجها حكم المحافظين الجدد في واشنطن لـ"الديموقراطية المستعادة في لبنان عبر ثورة الارز"، وأحلام السلام مع اسرائيل التي لاحت في الافق بعد حرب تموز الماضي، والدور شبه الرسمي الذي أُعطي في واشنطن لما عرف بـ"اللجنة الدولية لتطبيق القرار 1559" ولـ"اللوبي اللبناني" و"المجلس العالمي لثورة الارز"، وهي تضم كلها جماعات لبنانية راديكالية حيال المقاومة وتحديداً "حزب الله" وتتعاون، استنادا الى رسالة وجهتها اللجنة الى أركان حركة 14 آذار في اليوم الثالث لبدء الحرب الاسرائيلية على لبنان، "مع الادارة الاميركية في واشنطن، ومجلس الامن في نيويورك، والبرلمان الاوروبي في بلجيكا، واعضاء حلف شمال الاطلسي".
وجاء في الرسالة التي وزعت على نحو محدود بواسطة البريد الالكتروني، ولم ينف أحد مضمونها: "بعد ثلاثة أيام على بدء العملية العسكرية للجيش الاسرائيلي تحولت العمليات جذريا من محاولة ضغط على الحكومة اللبنانية لنزع سلاح "حزب الله" وإلزام لبنان توقيع اتفاق سلام مع اسرائيل عبر اقامة حزام أمني جديد بعد تدمير البنى التحتية للبنان، الى وقف هذه العملية والتحول الى خطة بديلة متفق عليها، تقضي بتدمير كامل للبنية العسكرية لحزب الله، تاركة عملية الضغط للولايات المتحدة والمجتمع الدولي. وبعد تدمير البنية العسكرية لحزب الله بالكامل، وليس قبل ذلك، ستطرح الولايات المتحدة وفرنسا مشروع قرار على مجلس الامن، نشارك نحن في اعداده، يقضي بنشر قوة دولية تحت الفصل السابع على الحدود اللبنانية - الاسرائيلية والحدود اللبنانية - السورية لديها صلاحيات كاملة لتنفيذ القرارين 1559 و1680. ويفصّل القرار ما ستفعله هذه القوة باشراف الامم المتحدة".
الى ذلك اقترحت اللجنة "حملة اعلامية هائلة ضد حزب الله من الافضل ان يغلب عليها الطابع المسيحي".
وفي حين يتحدث الاعلامان الاميركي والاوروبي عن امكان "خسارة لبنان"، في حال نجحت المعارضة ومعها سوريا وايران بحسب المقاربة الغربية في اسقاط الحكومة، نشرت صحيفة "الدايلي تلغراف" البريطانية أول من أمس تقريرا عما وصفته بـ"خطة سرية أميركية لمساعدة الحكومة اللبنانية على منع نشر التأثير الايراني"، وفيها ان الرئيس جورج بوش فوض الى وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية اتخاذ اجراءات سرية ضد "حزب الله"، وأن هذه الخطة تسمح لـ"سي. آي. إي" بتقديم "دعم مالي ولوجستي لرئيس الوزراء فؤاد السنيورة". وقد فوض بوش أيضاً الى الوكالة "دعم الجماعات المعادية لحزب الله في لبنان وتمويل الناشطين المؤيدين لحكومة السنيورة. وقد اطلع أعضاء في مجلسي الشيوخ والكونغرس الاميركيين عليها ووقعها الرئيس بوش قبل عيد الميلاد اثر محادثات أجريت بين مساعديه ومسؤولين سعوديين". وهذا أمر ليس بمستغرب، وسوابق الوكالة كثيرة.
ولئن يكن الرئيس السنيورة قد تجاهل في السابق مثل هذا الكلام، وخصوصا عندما كان يصدر عن رئيس الوزراء الاسرائيلي إيهود أولمرت بدعم حكومته في مواجهة "حزب الله"، إلا أنه هذه المرة بدا كأنه أحس بـ"السخن" وهو العارف ان لا رماد من دون نار، وأن هذا الكلام الاميركي المصدر والمسرب الى الصحيفة البريطانية (ربما من مصادر استخباراتية اسرائيلية) ليس مجانيا، "وربما كان من باب ذرّ الرماد في العيون لهدف قد لا يكون في خدمة وحدة الصف اللبناني والعربي" كما ورد في رد مكتبه على ما أوردته "الدايلي تلغراف". وأكد، كمن استيقظ من غفلة في زحمة التأييد الدولي له ولحكومته، شروط لبنان لقبول أي دعم خارجي وهي: أ - وقف الانتهاكات الاسرائيلية للسيادة اللبنانية بحرا وجوا وبرا والتي لم تتوقف رغم كل الوعود المعلنة والمقطوعة. ب - المساعدة على تطبيق القرار 1701 ومن ضمنه انسحاب اسرائيل من الجزء اللبناني من بلدة الغجر. ج - مساعدة لبنان في دفع اسرائيل الى الانسحاب من مزارع شبعا ووضعها تحت وصاية الامم المتحدة. د - المساعدة في انجاح مؤتمر باريس 3. وقال: "ان كل كلام على دعم لبنان وحكومته من خارج هذا السياق وهذه المطالب لا قيمة له".
والاحساس بـ"السخن" لم يقتصر على الرئيس فؤاد السنيورة الذي رأى في "الحب الاميركي" ما يقتل. بل شمل أيضاً المطارنة الموارنة الذين بدأوا أمس تحركا في اتجاه زعماء الطائفة هدفه "تثبيت" الثوابت المارونية التي أعلنها مجلس المطارنة مطلع الشهر الماضي. وقد أشار البابا في اللقاء السنوي مع السفراء المعتمدين في الفاتيكان الاثنين الماضي الى ان "مستقبل لبنان يمر بالضرورة عبر وحدة جميع مكوناته، وقيام علاقات أخوية بين مختلف المجموعات الدينية والاجتماعية"، معترفا بأن الازمة الحالية في لبنان ليست مع جماعة مسلحة انفردت بالقرار، بل مع مكون أساسي للكيان اللبناني الذي تحرص الكنيسة على ديمومته.
ولاحظت بكركي ان ثوابتها في الحرية والعيش المشترك والديموقراطية التوافقية ونهائية الكيان والتمسك بالشرعية الدولية والحفاظ على الدولة وتطبيق الطائف، لم تلق استجابة مسيحية موحّدة نظرا الى انشغال الزعماء الموارنة في تناقل كرة النار التي مررتها لهم لجنة القرار 1559 عندما اقترحت ان يكون الزعماء المسيحيون رأس الحربة في الهجوم السياسي والاعلامي على "حزب الله"، الامر الذي أفقدهم دورهم الوطني وجعلهم زعماء "صوتيين"، مثل القنابل الصوتية، يتناوبون قذف كرات النار من منجنيق الأكثرية المعارضة وخصوصا على "حزب الله" والعماد ميشال عون. وقد أشعر ذلك بكركي ومطارنتها بالخطر على الكيان الذي ناضلت الكنيسة المارونية من أجله.
وإذ شكل مسيحيو الأكثرية خط مواجهة طائفية مع الشيعة، بحجة تفادي حصول نزاع مذهبي سني - شيعي، على أساس انه، أي الخط المسيحي، أرخص من الحرب الاسلامية - رأى مسيحيون كثيرون ان المسألة ليست مسألة رخص وغلاء، متخوفين من نزاع مسيحي - مسيحي تكون عاقبته أكبر من أي نزاع طائفي او مذهبي آخر. مذكّرين بما جرى في الشارع المسيحي بعد اغتيال الوزير بيار الجميل.
فهل تكون صحوة السنيورة وبكركي ناقوسا جديدا يدعو اللبنانيين الى التلاقي والحوار وقطع الطريق على استعمالهم وقودا في "حروب آخرين" اقليمية لا تخدم مصلحة لبنان ولا "وحدة الصف اللبناني والعربي" على ما ورد في رد مكتب السنيورة على تقرير "الدايلي تلغراف"؟