ابتسامة خميس
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
تركي بن عبد الله السديري
كلما قابلت أياً من الزميلين هاني وفا أو حمد العسكر أذكر طرفة تتعلق بتباين اللهجات في المملكة.. ربما كان ذلك قبل عشرين عاماً.. كنا في المبنى القديم القريب من شارع الستين ومكاننا كتحرير جريدة "الرياض" عبارة عن مستطيل واحد تتوزع المكاتب يمينه ويساره فيما الإدارة في الدور الثاني وقريباً منها مجلة اليمامة.. وفي مثل هذا المكان من الصعب أن تفقد زميلك أو يصعب أن تعثر عليه ومع ذلك فعند مدخل مكتبي تقابل حمد العسكر وهاني وفا الذي سأل حمد.. فين أحمد الدويحي.. موجود أو خرج..؟.. فرد حمد- الآتي حديثاً من المجمعة- قائلاً.. توه مناطحني.. أي مقابلني.. لكن ابن مكة لم يفهمها فدخل ضاحكاً وسألني هل جد حمد أو الدويحي خروف.. ولا كيف يتناطحون..؟..
أعتقد أن من يتأمل في اللهجات الشعبية في جميع مناطق المملكة يلمس مدى بعد مفرداتها عن اللغة العربية أو ربما يكون بعضها من مفردات انقرضت لأنها في كل الأحوال غير مستعملة إلا من قبل منطقتها ولعل اللهجة النجدية هي الأكثر غرابة وبعداً عن المفردات العربية الأولى مع أننا يداخلنا اعتقاد بأننا وحدنا حراس اللغة العربية الأصيلة كما تركها امرؤ القيس وبعده الصمة القشيري ذلك الذي لم يذب فقط في هوى محبوبته ولكن تعلق بطيب الرُّبا والمصطاف ومواقع الاستقرار قائلاً:
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربى
وما أحسن المصطاف والمتربعا
لكنه يعود فينفي ذلك في قصيدة أخرى معرضاً بندرة المطر وكيف أن الأرض الجافة لم تسأل عن حاله..
الا تسألان الله أن يسقي الحمى
بلى فسقى الله الحمى والمطاليا
وأسأل من لاقيت هل مُطر الحمى
فهل يسألن عني الحمى كيف حاليا..
هذه اللوعة هي مناجاة المهاجر من أرض جافة إلى اخضرار الشام وامطاره وفواكهه لكنه يجد الجماليات المتوهمة حيث غادر لا حيث هاجر مع أنها مجرد صخور جيرية وملاعب آمنة للذئاب منذ وفاة القشيري عام 95ه حتى منذ ثلاثمائة عام تقريباً مضت عندما أهلتها الدولة السعودية كمنطقة ارتكاز جغرافية هامة تصل بين كل أبعاد الجزيرة العربية وتحويلها إلى تكاثر استيطان حضاري وعلمي واقتصادي.. نحن الآن وبكل المناطق معها نمثل مواقع احترام دولية اقتصادياً وسياسياً..
مفردات اللهجة المحلية هنا بالغة الغرابة فمثلاً عندما يريدون القول بأن فلاناً استمر في طريقه إلى الأمام يقولون "بتَّل" بفتح الباء وتشديد التاء.. من يعبر عن حالة رفض يقول.. مانيب.. من يطل من أعلى يصفونه بأنه.. يتهايق.. الدهليز يسمونه مجبب.. المنزل.. بلغة الرياض القديم.. حوي.. ما ليس له طعم يصفونه.. مالغ.. إذا طلب من شخص أن يرجع أو يعود يقولون .. انكس.. من ذهب مسرعاً يقولون.. دفلج.. الطفلة أو الطفل.. ورع أو ورعة أو وغد في الشمال.. يقول ابن سبيل مازحاً مع مطوع نفي..
مطوع يا ما على كشف المغطى
ياخذ علي رقي المنابر شروطي
يشره على "ورعه" ما تغطى
تلعب مع البزران بأم الخطوطي
على أي حال.. من الصعب أن تحدد الآن وجود لهجة منغلقة في الرياض بخصوصية منعزلة حيث أصبحت مدينة الجميع وما يقارب الأربعة ملايين ساكن يتحدثون بلهجة تتمازج بها مفردات حديثة معروفة لدى الجميع، وتمثل تداخل لهجات وثقافات الجميع..