خطاب نصرالله ’’المتذاكي’’: الأمر لي
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
جمهور "حزب الله" قابله ببرودة وجمهور عون امتصّ الإهانة والشعب اللبناني شعر بالازدراء ولوائح الأسد الاغتيالية تتحرك
فارس خشّان
أبقى الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله سبابته مرتاحة في كف يده إلى أن وصل الى الملف اللبناني، فرفعها في وجه سامعيه، ما أخجل أولئك الضباط الذين أرسلتهم قيادتهم الى الضاحية الجنوبية ولكنه أشعر اميل رحمة ووئام وهاب وعدنان عرقجي وحكمت ديب ومن هو على مقاسهم، بالقوة.
كان نصرالله تقليديا في خطابه العربي والعراقي والفلسطيني، لدرجة انه ومن أجل استقطاب اللبنانيين حتى لا يذهبوا الى "دالي" نور الشريف أو "عزو" يحيى الفخراني، دعاهم الى انتظار جديده اللبناني. لكنه، بعد طول صوم عن الكلام صدمهم بنفسه التهديدي المعبّر عنه باستعمال سبابته، وازعجهم بمنطقه المدافع عن النظام السوري الذي سيغطي سلسلة جديدة من الجرائم المقبلة، وأحبطهم بمخارجه لما سماه انتخابات رئاسية، وبإفهامه للمسيحيين، بوضوح ما بعده وضوح، أنه هو من يعيّن رئيس جمهوريتهم ويضع له برنامجه الذي يختصره بند واحد وهو حماية سلاح "حزب الله" وميليشيا "حزب الله" وارتباطات "حزب الله" وحروب "حزب الله".
كانت الصدمة بنصرالله عارمة، حتى أولئك الذين قدموا لمشاهدته على الشاشة الكبيرة عبّروا عنها، ليس بندرة استعدادهم للتصفيق (مرتين) فحسب بل بغياب الحرارة عن أيديهم، أيضا.
ومن حق جمهور "حزب الله" قبل غيره أن يبدأ بتقنين التصفيق، فنصرالله يبشره بمزيد من الشهداء وبمزيد من التدمير وبمزيد من الهجرة وبمزيد من العزلة. كل ما قاله لشعبه، نحن نتحضر لحرب جديدة، ليس مع إسرائيل فحسب بل مع المجموعات اللبنانية أيضا. كل ما دعاهم إليه هو ان يوقفوا ورش إعادة إعمار منازلهم ومحالهم التجارية وأن يُقلعوا عن قرار الإستقرار في مدنهم وبلداتهم وقراهم. كل ذلك كرمى لسطوة "حماس" ـ غزة وديكتاتورية أسد ـ سوريا وفتوى توسع ـ قم الإيرانية. كما من حق جمهور "حزب الله" أن يطرح الأسئلة الجوهرية عن صدقية قائدهم، وهو يتهم إسرائيل ويبرئ نظام دمشق من دماء شهداء ثورة الأرز، وهم الذين عبئوا نفسيا في انتظار هذه الإغتيالات، وهم الذين تبادلوا التبريكات مع قادة "حزب الله" عند وقوع كل شهيد، وهم الذين استرضوا الحزب بتمني سقوط شهداء جدد ليكونوا في لحق كل شهيد يسقط برصاصات الغدر هنا وبسيارة مفخخة هناك.
إذا، على ضفة جمهور "حزب الله" كانت الصدمة كبيرة. حسن نصرالله بات يتحوّل حتى ضمن بيته السياسي والطائفي والديني. بالأمس كان محطة تحميس وتشجيع. اليوم أصبح مرجعية إحباط وتيئيس. وهذا التحوّل لا عجب فيه، فجمهور "حزب الله" هو ككل الجماهير اللبنانية يجتاحها التعب من المعارك المفتوحة الى الأبد، إذ ليس هناك إنسان واحد يرتضي ان يكون هو وأبناؤه وأهله ومنزله ومصدر قوته وقودا لحروب أبدية، تهزأ بالخسارة وتستشرس بعد الإنتصار.
أما على الضفة الأخرى، ضفة الجماهير غير المساندة لـ"حزب الله"، فكثرت الأسئلة. فبالتزامن مع بدء جمهور قاعة الشاشة العملاقة في الرحيل على الرغم من ان نصرالله كان لا يزال يتحدث، سارع هؤلاء الى التساؤل عن أولئك الذين سينبرون للرد عليه إعتقادا منهم أنّه لا يريد حلا بل يبحث عن مشكلة، وإيمانا منهم أن منطقه الجنائي كان تضليليا وهدفه الوحيد تبرئة النظام السوري وإطلاق جنرالاته من السجن، بحيث انتقل من تحليل اغتيالات جبران تويني وبيار الجميل وانطوان غانم الى المطالبة بتحرير المشتبه باشتراكهم في جريمة اغتيال رفيق الحريري، لا بل أن كثيرين من هذا الجمهور ضحك على صوت عال من "براءة" موارنة قوى الرابع عشر من آذار الذين يتهافتون على الترشح ببروفيل وفاقي الى انتخابات مطلوب منها ان تفضي الى تعيين رجل لسوريا في القصر الجمهوري وإلا فلا انتخابات وفاقية ولا من يتوافقون.
ما أدلى به حسن نصرالله لم يصدم هذه الجماهير على الإطلاق، لا بل كانوا يتوقعونه حرفيا. خبرتهم بقائد "حزب الله" كبيرة، وهي في كثير من الأحيان تفوق خبرة مجموعة كبيرة من السياسيين. هم يعرفون سلفا ما سينطق به مسترشدين بتمهيدات الفريق السوري، على اعتبار ان من يفرش السجادة الحمراء للسان نصرالله هي بذاءات أدوات بشار الأسد.
وفي مطلق الأحوال ماذا بعد كلام نصرالله؟
من يدقق بما غيّبه نصرالله عن كلامه، يمكنه أن يستشرف التتمات الميدانية. فانتصار الجيش اللبناني في معارك نهر البارد، لم يكن له وجود. وتغييب هذا الملف ليس عفويا، ففي كلامه عن الملف العراقي فضح السبب، بحيث اعتبر ان السنة يقاتلون السنة، أي انه يعترض على محاربة شعب الأنبار لمقاتلي تنظيم "القاعدة" المتدفقين من المعابر السورية والإيرانية. هذا يعني ان نصرالله غير متسامح مع جيش لم يتلقف الأمر الصادر عنه، حين اعتبر مخيم نهر البارد خطا أحمر. ويسمح ذلك باستشراف ان نصرالله، في الآتي، سيخوض معركة في الداخل، إما تفضي الى إرهاق الجيش المنتصر وإما تنتهي بتطويع هذا الجيش ليلتزم في المرة المقبلة بأمر حارة حريك وليس وزارة الدفاع في اليرزة.
ملف آخر غيّبه نصرالله عن كلامه، وهو ملف مخيم وسط بيروت، على الرغم من أنه كان حديث الساعة ومطلبا لبنانيا عاما عبّر عنه مجلس المطارنة الموارنة. وبذلك وصلت الرسالة. نصرالله يقول عمليا إن موضوع رفع المخيم غير مطروح للنقاش. وهذا يعني ان للمخيم وظيفة مستقبلية، ما يعطي صدقية كبيرة للمعلومات التي تقول إن "حزب الله" سيعمد، بعد جلسة الثالث والعشرين من تشرين الأول الحالي المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية الى توسيع رقعة الإعتصام، بحيث تتخطى ضريح الرئيس رفيق الحريري وتطوق كل الطرق المؤدية الى مقر مجلس النواب في ساحة الشهداء،لا بل ان هذه المعلومات تفيد بأن عشرات الجرافات تمّ تجهيزها في الضاحية الجنوبية في انتظار ساعة الصفر.
أما على المستوى الأمني، فإن إدخال نصرالله العامل الإسرائيلي الى لبنان من بوابة تحميله مسؤولية الإغتيالات، فهذا يعني أنه بصورة مجموعة جديدة من الإغتيالات ستطاول قوى الرابع عشر من آذار، وهو يغطي سلفا عليها بنَسْبِ المسؤولية الى الموساد الإسرائيلي، بتزييف المنطق، على اعتبار ان ما ساقه من مبررات لرفع المسؤولية عن سوريا وإلقائها على إسرائيل، يتطابق كليا مع سلوكية تزييف المنطق ومثالها النموذجي هو كالآتي: كل شيء نادر هو مرتفع الثمن، فشقة في الرملة البيضاء سعرها عشرة آلاف ليرة لبنانية هي شقة نادرة الوجود ما يعني أنها غالية الثمن!
لم يقتصر إدخال نصرالله للعامل الإسرائيلي على الإغتيالات بل جعله حاضرا في انتخاب رئيس جديد للجمهورية بالنصف زائدا واحدا عندما اعتبره مطلبا إسرائيليا، ما يعني ان نصرالله يعطي لنفسه شرعية محاربة اللبنانيين الذين يغطون عملا مطلوبا من إسرائيل التي هي في آن تصفّي الأكثرية ـ وفق منطقه الجنائي ـ حتى لا تعود تملك النصف زائدا واحدا!
وعلى المستوى الدستوري، فمن الواضح ان نصرالله يعمل للإطاحة بالدستور الحالي، فمن يدقق بخارطة الطريق التي رسمها لانتخاب رئيس جديد للجمهورية يدرك أنه يريد تحويل الإنتخاب الى تعيين يمارسه هو شخصيا، ما يجعله بديلا عملانيا عن بشار الأسد وحافظ الأسد اللذين عينا الياس الهراوي واميل لحود ومددا لهما بقرار أحادي، مغطى بقشرة استمزاج آراء القادة اللبنانيين. وهنا ذهب نصرالله الى أبعد من مطلب المثالثة، بحيث أعطى الثلث الذي يتزعمه هو، دون الثلثين المتبقين، حق الفرض وليس حق النقض.
أما على مستوى انتخابات رئاسة الجمهورية الداهمة، وبغض النظر عن نية المس بالدستور، فإن نصرالله بالمواصفات التي أعطاها لرئيس الجمهورية، أظهر بشكل لا لبس فيه ان الوفاق المنشود ليس له سوى مرادف واحد، الإستسلام. فهو لا يؤمن بالبرامج، بل يريد بندا واحدا، وهو حماية "المقاومة" وسلاحها وحقها باستخدامه ساعة تشاء. وهو لا يكتفي بذلك، بل يريد شخصا يضمنه هو بالذات. والمواصفات المطلوبة للشخص الذي يريده نصرالله، لا تنطيق على العماد ميشال عون المرفوض من قوى الرابع عشر من آذار بل هي تنطبق على سليمان فرنجية بالذات، على اعتبار ان عون، وفق توصيف الرئيس بري، "طلع من ثيابه" عندما انتقل من ضفة الى أخرى ومن ثوابت الى أخرى، في حين ان فرنجية هو الوحيد الذي أعلن بقاءه في صف النظام السوري مهما تبدلت الظروف "فبشار الأسد سيبقى صديقي حتى ولو ثبت انه هو من قتل الرئيس رفيق الحريري".
باختصار، وبغض النظر عن المضمون المأسوي لخطاب قائد لبناني، فإن نصرالله يستدعي المواجهة الداخلية، فهل من يتحضر؟
قبل ثلاثمائة يوم ويومين نزل نصرالله بقضه وقضيضه الى الشارع وتحمل مسؤولية دماء بريئة سُفكت وخسائر اقتصادية ومالية هُدرت لتضاف إلى خسائر حربه التموزية الإلهية، ولكن سير الحكومة اللبنانية بنهجها فوّت الفرصة على وعد "النصر مجددا". اليوم نصرالله يعاود الكرّة، فهل تتجمع قوى الرابع عشر من آذار لتسير في خطتها، ومن ضمنها الإنتخاب بمن حضر، لتفوّت على نصرالله حلم استلام السلطة في لبنان للتضحية به على مذبح "ممانعة" المنبطح امام الجيش الإسرائيلي؟.