جريدة الجرائد

الأرثوذكسية الانتخابية.. خطاب أميركي متكرر!

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك



وليام فاف

يقترب الأميركيون من نهاية 2008، وهي السنة الأولى من الحملة الانتخابية الرئاسية التي انطلقت حتى قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأميركي لعام 2006. ومع دخول السنة الثانية من الحملة الانتخابية يمكننا تلمس كيف فقد المرشحون في الحزبين معاً بعض سماتهم الآدمية وأصبحوا تدريجياً أقرب إلى كائنات مركبة تجتر الآراء المعدة سلفاً وتكرر العبارات ذاتها المرتبطة بعالم افتراضي لا يمت إلى المجتمعين الأميركي والدولي بصلة، ونتيجة للفترة الزمنية التي تدومها الحملة الانتخابية الرئاسية والممتدة طيلة عامين كاملين، أصبحت تظهر على المرشحين بعض السلوكيات الغريبة مثل إطلاق قهقهات من الضحك غير متحكم فيها، أو الإتيان بسلوك غير لائق أمام الملأ، مثل ضحك "هيلاري كلينتون" غير الإنساني، وإقدام "رالف جولياني" على كشف بعض جوانب حياته الخاصة.

ويبدو الأمر وكأن المرشحين بعد خوضهم للحملة الانتخابية يمرون بتجربة الاقتراب من الموت، أو حالات الانفصال عن الجسد يحلقون فيها فوق الجمهور واستوديوهات التلفزيون وهم يشاهدون أنفسهم يجيبون على نفس الأسئلة المكرورة للمرة الألف، وهي الأسئلة التي ستتردد كثيراً أمامهم قبل أن يسدل الستار على الحملة الانتخابية الرئاسية في شهر نوفمبر المقبل ويقترب المرشحون من حالة الجنون، وبهذا المعنى تتحول الحملة الانتخابية إلى تجربة مريرة ومحنة حقيقية يمر بها المرشحون تجعلهم أشبه بفئران التجارب منهم إلى آدميين، وحتى ماركس بآليات النقد والتحليل التي يمتلكها، ما كان ليرصد هذه الظاهرة والمتمثلة في رأسمالية ما بعد الحداثة لأنه لم يتصور وجودها أحد في النظام الاقتصادي والسياسي للقرن التاسع عشر، لكن اليوم في الولايات المتحدة، وبموجب قرار المحكمة العليا الذي يعتبر الإنفاق بسخاء على الإعلان السياسي وعرضه في التلفزيون، جزءاً من حرية التعبير التي يكفلها الدستور، فقد تحولت الحملة الانتخابية إلى صناعة حقيقية كل همها تعظيم الأرباح ولو على حساب المبادئ.

وإذا ما نجحت المبادئ أحياناً في البقاء على قيد الحياة أثناء الحملات الانتخابية، وهو ما تنجح فيه بالفعل أحياناً، فذلك دليل على أن الله لم يتخلَ بعد عن الأمة الأميركية، فالإجراءات التي تعتمد عليها الصناعة الانتخابية ترمي إلى تكييف أشخاص يتمتعون بسلامة عقلية لتحويلهم إلى كائنات مجوفة ومنزوعة الإنسانية تشبه البشر لكنها في الحقيقية آلات للإجابة عن الأسئلة ورسم الابتسامات العريضة على الوجوه، وتسعى الآلة الانتخابية أيضاً إلى تشكيل نموذج مناسب للمرشح يستجيب إلى ميول الناخبين الذين عبروا عنه في انتخابات عام 2004 والقاضي بإنهاء الحرب في العراق وسحب القوات الأميركية، ويبدو أن مهندسي الحملات الانتخابية يسعون بكل جهدهم إلى صياغة كائنات تتماهى مع المزاج العام للناخبين، وإلا فإن المرشح مقصي منذ البداية وغير مؤهل لخوض السباق الرئاسي، ومع أن المرشحين يمتلكون قناعاتهم الخاصة عن كيفية التواصل مع الناخبين واستمالتهم معتمدين على قوة حجتهم وذكائهم الفطري، إلا أن الصناعة الانتخابية تحيلهم إلى أشخاص متشابهين ببرامج متكررة وينتهي بهم الأمر كدمى لا تمل من تكرار العبارات والتصريحات ذاتها.
ومع أن المظهر الخارجي يوحي بأننا أمام أناس أذكياء يعرفون ما يتحدثون عنه، إلا أنهم في الحقيقية ليسوا أكثر من صورة عن الواقع بعدما انتزع منهم الذكاء تحت وطأة العمليات الجراحية لمستشاري وخبراء الحملات الانتخابية، وهكذا أصبحنا نسمع الكلام ذاته عن العراق من مختلف المرشحين الذين صنفتهم وسائل الإعلام كرؤساء محتملين، حيث بات الكل متفقاً على ضرورة بقاء الولايات المتحدة في العراق، أو في المنطقة المجاورة مع الحفاظ على عدد كبير من القوات العسكرية ليس فقط إلى غاية انتهاء انتخابات عام 2008، بل حتى عام 2016، ويعني ذلك البقاء أكثر من فترتين رئاسيتين لـ "تجنب الفوضى" ومنع تحول العراق إلى "معقل للإرهابيين ومكاناً يتدربون فيه"، بالإضافة إلى الحديث عن تعزيز الحكومة الديمقراطية، وضمان الاستقرار في المنطقة التي زعزعتها الولايات المتحدة بعد غزوها للعراق، ثم الحفاظ على المصالح الأميركية في النفط العربي وحماية إسرائيل من إيران وسوريا وربما حتى من الفلسطينيين!

وفي كل ما سبق لا نكاد نجد اختلافاً كبيراً، أو تمايزاً واضحاً مع البرنامج الذي وضعته إدارة الرئيس بوش سواء في العراق، أو في مناطق أخرى، ويرجع السبب إلى إجماع خبراء السياسة الخارجية بواشنطن عن مجموعة من الخطوط لا يستطيع أحد من المرشحين تجاوزها لأن في ذلك إقصاء له من حلبة السباق الرئاسي وتقليص حظوظه في الوصول إلى البيت الأبيض، وأي معارض لإجماع واشنطن سيظهر بمظهر القائد الضعيف المفتقد للمسؤولية السياسية، ومن ثم لا تتوفر فيه شروط الرئاسة، والمشكلة اليوم في السياسة الخارجية الأميركية هي بروز أيديولوجية أرثوذكسية ضمن النخبة المثقفة والطبقة السياسية المهتمة بالعلاقات الخارجية، هذه الأيديولوجية يتم فرضها فرضاً على أي شخص يسعى إلى صياغة السياسة الوطنية سواء على مستوى البيت الأبيض، أو المحافل الإعلامية المختلفة، لذا فإن ما تشهده أميركا صبيحة كل يوم أحد من نقاشات سياسة في التلفزيون أو في الصحافة، لا يعدو أداءً بدون مضمون جدي لأن الطرفين معاً، الوسيط الإعلامي والخطاب السياسي، يروجان للأيديولوجية نفسها، وإذا ما أنصتَّ إليها من الخارج فإنك تدرك منذ الوهلة الأولى أن خطاب السياسي موجه بالأساس إلى الداخل ولا يمت إلى الواقع الخارجي كما يلمسه الناس في مناطق العالم المختلفة بصلة.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف