جريدة الجرائد

حان الوقت لنبذ الأنخاب

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


لورانس بينتاك

"إنها تلك النظرة الفوقية هي التي بت أضيق بها ذرعاً" قال لي أخيراً واحد من محرري القنوات الفضائية العربية البارزة. "أعرف أن نواياهم طيبة، لكن ذلك هو كل ما يقال".

كنا في طريقنا إلى المطار بعد آخر تجمع لما يبدو أنه استعراض لا ينتهي لذلك "الحوار" حول الإعلام بين صحافيين غربيين وعرب. وكما كان واقع الحال في غالب الأحيان، ساد المونولوج الداخلي في هذا التجمع أكثر مما جرى حوار. ومع ذلك، ومرة أخرى، وُضع الصحافيون العرب في جانب الدفاع، وطلب إليهم، على سبيل التحدي، تقديم دليل على أنهم لم يكونوا منحازين؛ ومرة أخرى أيضاً، كان النقاش مستنداً إلى الفكرة القائلة بأن الصحافة الغربية كانت أكثر موضوعية من الصحافة العربية.

خلال إحدى فترات الاستراحة في اليوم السابق، قلد رئيس قسم الأخبار في قناة فضائية عربية تعمل من أوروبا سؤالاً كان قد طرحه مشارك غربي حسن الطوية: "وإذن، ماذا نستطيع أن نفعل لأجلكم؟" ثم قام بعد ذلك بإكمال العبارة بقول المتضمن المسكوت عنه، ولو أنه لم يسمعه جهاراً: "أيها العرب المساكين". وفي الجلسة التالية، عمد أحد الصحافيين الأوروبيين البارزين إلى مضايقة اثنين من المديرين التنفيذيين لاثنتين من مؤسسات الأخبار العربية، وتحداهما أن يراهنا على أنهما لم يكونا منحازين، وسأل ناشر مشهور بشكل متغطرس عن السبب في أنه لم يسمع العرب أبداً يوجهون النقد إلى أنفسهم خارج جدران غرف الاجتماعات المغلقة (ربما يكون الجواب متصلاً بالطريقة التي تغطي بها مؤسسته الإخبارية بتغطية العالم العربي). لكن "قواعد دافوس" -تلك الفكرة العتيقة القائلة بأن كل شيء يمكن أن يكون "خارج السجل" في هذا العالم الغرائبي- كانت تفعل فعلها، وإلا لكنت سأسعد بذكر الأسماء.

كان انعدام الصلة بين الأشكال النمطية التي يحملها الكثير من الصحافيين الغربيين عن زملائهم وبين واقع الصحافة العربية على الأرض حاضراً بقوة بينما كنت أطير عائداًَ إلى القاهرة، حيث كان أربعة محررين قد تلقوا أحكاماً بالسجن بتهمة "إهانة الرئيس" بسبب التساؤل عن صحته. وفي الغضون، حكم على ثلاثة محررين آخرين من إحدى صحف المعارضة بالسجن سنتين لكل منهم بسبب تهورهم بالإخبار عن أن وزير العدل قد انتقد بعض القضاة الجريئين في القول (وهي حقيقة لم تنكرها الحكومة)، إضافة إلى خمس صحافيين، والذين اكتشفوا، بعد فوات الأوان، أنهم نالوا أحكاماً بالسجن لمدد زمنية مختلفة في قضية لم يكونوا حتى على بأنها مرفوعة ضدهم. وفي الإمارات العربية المتحدة، حكم على اثنين من الصحفيين وبضعة مداخلين على الشبكة الألكترونية بسبب إساءات مزعومة، وثانوية.

يتعرض الصحافيون من المغرب إلى اليمن إلى السجن والضرب والقتل بسبب مزاولتهم مهنتهم، في حين يعمد بعض الصحافيين الغربيين ضيقي الأفق، والذين غالباً ما يكونون مؤثرين مع ذلك وللأسف، يعمدون إلى تحدي النوعية الصحافية التي تقف عند سويتها مؤسسات الاخبار العربية.

إنهم الصحافيون العرب هم الذين تساموا، وبطرق كثيرة، على هذه الحوارات وتجاوزوها. وعلى مستوى النخبة، نضجت الصحافة في الوطن العربي باطراد في السنوات القليلة الماضية. وباتت المحطات الفضائية الإخبارية والصحف الناهضة المستقلة مثل جريدة "المصري اليوم" في مصر، وصحيفة "الغد" الأردنية، باتت الآن وهي تخاطب وتتعامل مباشرة مع تلك التجاوزات والإفراط والهنات ونقاط الضعف التي جعلت من الصحافة العربية على ما هي عليه اليوم، هدفاً لبيت بوش الأبيض بعد 11/9. ولا يمكن قول الشيء نفسه بالضرورة عن نظيراتها من الصحف الغربية. وفي التجمعات في أماكن قصية ومتباعدة كما هو حال ويسكنسون ودبي خلال السنوات القليلة الماضية، وافق كبار الصحافيين الأميركيين على أن تغطيتهم للعالم العربي في التمهيد لحرب العراق كانت سطحية ومنمطة، ثم عادت مؤسساتهم الإخبارية مرة أخرى إلى ذات السطحية والتنميط عندما اندلعت حرب لبنان في الصيف الماضي.

من بين المشكلات العديدة التي تعتور تلك "الحوارات" حقيقة أن نفس المجموعة من نخبة الصحافيين العرب هم الذين يتجهون إلى كل من هذه التجمعات على الأغلب، يحدوهم الأمل بأن يكون "هذا" اللقاء مختلفاً. وبدلاً من ذلك، فإنهم غالباً ما يواجهون سرباً جديداً من الصحافيين الغربيين الذين يعرفون القليل عن الصحافة العربية، بل وكثيراً ما يعرفون أقل عن الشرق الأوسط. وكان العرب ليفعلوا أفضل بكثير لو أنهم أرسلوا لهم كتاباً. (بينما كنت أتحدث إلى كاتب عمود بريطاني بارز بعد نقاش في حوار جرى مؤخراً حول الاختلافات بين التغطيات العربية والغربية لنفس القصة، ذكرت له حقيقة أن الإعلام العربي قد عرض العربة الأميركية المدرعة التي اقتلعت وأسقطت تمثال صدام حسين، ولكن معظم وسائل الإعلام في الولايات المتحدة لم تفعل ذلك. وكانت إجابته: "لم أكن أعرف أن الأميركيين هم الذين سحبوه وأسقطوه").

إنه ليس سيئاً بكل تأكيد أن الصحافيين الغربيين والعرب يلتقون، يتحدثون ويعرف كل منهم أكثر عن الآخر، لكن السؤال هو "لأية غاية؟". مع بعض الاستثناءات، ليست هناك متابعة، ولا ناتج. المزيد من الحديث فحسب، وفقط مجموعة أخرى من الصحافيين الأميركيين و/أو الأوروبيين الذين ينبغي على العرب تثقيفهم.

لقد تجاوزت هذه الحوارات جدواها. وقد حان الوقت للكف عن الحديث والشروع بالعمل. وذلك المقدار من النقود التي تم إنفاقها خلال السنوات القليلة الماضية في مراكز الخلوة الحصرية في الولايات المتحدة، في قصور أوروبا والمنتجعات الفخمة في الشرق الأوسط كان يمكن أن تستخدم في تدريب جيش من الصحافيين العرب، وكانت لتساعد في أن تضمن للبعض منهم على الأقل لقمة العيش، بل وربما كانت لتمول مصدراً إعلامياً مستقلاً أو اثنين. ويقال إن السعوديين أنفقوا خمسة ملايين دولار على مؤتمر واحد فقط.

لا تفهموني خطأ، فقد كان اتخاذ القرار بالتقاء صناع القرار في الصحافة الغربية والعربية لمناقشة التحديات المرافقة لتغطيات ما بعد 11/9، شيئا طيباً. لكن الوقت قد حان للمضي قدماً، حان الوقت لوضع أنخاب الشمبانيا جانباً، لأن نعلق ملابس المساء ونشمر عن ساعد الجد. إن المؤسسات التي تسل أنظارها الآن على الشرق الأوسط يمكن أن تفيد من الحوارات التي جاءت قبل، بل وحتى صارت أسرع من العمل. ومن بين المسائل التي يمكن تأملها:

شبكات التعليم المتخصصة:

انسوا الإعلام الغربي. ثمة صحافيون في بولندا وجنوب إفريقيا وإندونيسيا ممن استطاعوا الملاحة بنجاح في خضم صحوة الإصلاح الإعلامي والذين ينطوون على خبرات أكثر صلة بكثير بالنسبة للصحافيين العرب من زملائهم في نيويورك وبون. اجمعوهم معاً ليتعلم كل من الآخر، سواء في مؤتمرات، أو جولات الإيجازات أو الحوارات الصحافية. دعوا الغربيين يقيمون في بلدانهم.

التعليم طويل الأمد:

ثمة الكثير من برامج التدريب الصحافي العربية في العالم العربي التي توظف مناهج من قبيل: سلام، شكراً يا سيدتي، والتي تمتص دولارات الراعين، ولكنها تترك شركاءهم مع القليل ليتذكروه في الصباح التالي. إن البرامج المستمرة التي يشرف عليها وينفذها أناس على الأرض قد أثبتت أنها هي المناهج الأكثر فعالية -والأقل شيوعاً مع ذلك. ويتصل التعاون وثيقاً بذلك. فهناك الكثير من الصحافيين العرب الذين ينبغي البحث عنهم. يبدو الأمر أحياناً وكأن هناك حرباً خفية تدور بين وكالات التمويل الحكومية، والمؤسسات، والمنظمات غير الحكومية المعنية بتطوير الإعلام والمتعهدين الحكوميين المصنفين الذين يتنافسون على نيل قضمة من كعكعة التدريب. ولا تعرف اليد الواحدة -أو أنها لا تهتم بأن تعلم- ما تفعله اليد الأخرى. حتى أن الاتحاد الأوروبي والحكومات الأوروبية المنفردة لا يبدو وأنها تنسق بهذا الخصوص. تراجعوا أيها الناس. يمكن للتعاون بين أولئك الذين ينفذون تدريباً قصير الأمد أن يثمر جهداً منسقاً طويل الأمد، والذي يمكن أن يتمخض عن نتائج حقيقية. وهناك الصندوق العالمي لتطوير الإعلام الذي يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه قد يكون أكثر طموحاً مما ينبغي.

إصلاح التعليم الصحافي:

إن برامج الصحافة -بوصفها نقيضاً لدوائر تعليم الاتصال الإعلامي النظرية- تظل قليلة ومتباعدة في العالم العربي. وثمة إدراك متزايد من جانب الجامعات العربية لضرورة التكيف مع المشهد الإعلامي الجديد. ويمكن للمساعدة في تطوير المناهج أن تساعد في إحداث فرق.

ثمة البعض من العمل الطيب الذي يجري إنجازه هناك. ويقوم صندوق إقراض التطوير الإعلامي Media Development Loan Fund بغرس البذور لانطلاقات مشروعات إعلامية في كل أنحاء العالم النامي، كما يبذل زملاء "نايت إنترناشيونال جورناليزم" Knight International Journalism Fellows جهداً خاصاً ومميزاً في العالم العربي وما وراءه. وتعمل مؤسسة "لنبحث عن أرضية مشتركة" Search for Common Ground على إطلاق عمليات إعلامية تسهل إمكانية التحاور بدلاً من المواجهة، كما توفر سلسلة حوارات معهد آسبن Aspen Institute جولة تدريب في الولايات المتحدة للصحفيين العرب، وتغرق الكثير من الوكالات الحكومية المختلفة مبالغ كبيرة من الأموال في تطير الإعلام (بينما تضع معظم الحكومات العربية نقودها في محاولة لتوليد -أو السيطرة على- مد تغير الإعلام). لكن عملاً منسقاً أكثر بكثير يجتاج إلى ينبغي إنجازه - والذي ينبغي أن يتم في مناخ من الشراكة والاحترام المتبادل.

"ما الذي نستطيع أن نفعله لكم؟" ينبغي أن يستبدل بالسؤال، "كيف يمكن لنا أن نعمل معاً؟" وإذا ما أنصتوا بانتباه، فإن الصحفيين الغربيين ربما يتعلمون شيئاً جديداً أو اثنين عن حرفتهم ذاتها.

* لورنس بينتاك Lawrence Pintak هو الناشر والمحرر المشارك لموقع المجتمع والإعلام العربي، ومدير مركز الصحافة الإلكترونية في الجامعة الأميركية في القاهرة. آخر كتبه هو "تأملات عبر عدسة بندقية القنص: أميركا، الإسلام وحرب الأفكار".

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف