جريدة الجرائد

مطلوب رئيس له مساحة الحرب والسلام

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

غسان ثويني

في زحمة البحث عن مواصفات رئيس الوفاق، الانسانية والسماوية، تحضرنا واحدة يفرضها قرع طبول الحرب وارتفاع مشاريع رايات السلام، من هنا وهناك، واحياناً من المكان ذاته الذي تقرع منه الطبول.
ولهذه "المواصفة" اسم نبتكره من وحي المحيط الذي يغمر لبنان، هو "المساحة الفكرية والنفسية" التي تهيئ الرئيس العتيد لاتخاذ قرارات السلم والحرب، وهي قمة القرارات التي يخص بها الدستور رئيس الجمهورية بعبارات لا مجال للنقاش فيها وحولها. فضلاً عن كونها بالذات القرارات التي تفترض وفاقاً على الرئيس تأمينه، على افتراض انه لم يأت باسمه. كما تفترض بل تفرض ان تنبثق من الوفاق الرئاسي حكومة قادرة على فرض مثل هذه القرارات بوفاق لا يهدده "ثلث معطل" ولا "ثلث مكمّل"!!!

bull;bull;bull;

كيف تتكوّن هذه "المساحة" وكيف تكتسب المناعة بل الصدقية المطلوبة لمواجهة كل الطوارئ؟
أولاً: وقبل كل شيء بالإلمام المعرفي بما يتسبب بقرع طبول الحرب والدعوة الى مؤتمرات، بل لقاءات السلام وأية حدود يمكن ان توضع لجدول بل جداول اعمالها و"الاجندات" المنتظرة.
ثانياً: ان تستوعب هذه "المساحة" كل ما تدّخره مواقف الأفرقاء اللبنانيين والأفرقاء الذين يتوسلون حروب اللبنانيين لخوض حروبهم داخل "الساحة" اللبنانية وعلى حدودها وفي عقول ونفوس ومصالح الافرقاء اللبنانيين المستقطبين منهم للغير "الآخرين"، وغير المستقطبين للآخرين.
ثالثاً: ان يكون لشخصية الرئيس وزن "ثقافي - سياسي" خاص، متجذّر في استقلالية لبنان وسيادته ومتجوهر بالرسالة اللبنانية التي من دونها يزول "مبرر وجود" لبنان وتبطل ذاتيته.
رابعاً: واستطرادا، ان يكون للرئيس على أهل "14 آذار" تأثير مستمد من التزامه الاستقلالي الذي لا يرقى اليه شك، وان يكون الى ذلك قادراً على توظيف استقلاليته هذه لدى فريق 8 آذار، بما يتجاوب مع روحية "المقاومة اللبنانية"، متجاوزاً بصدقية دعوته الالتزامات "المحورية" لهذا الفريق.
ولا بأس اذا تسلّح الرئيس بما يجب ان يعرف - وبما في متناوله ان يعزز به المعرفة من الشهادات الدولية - حول التفاوت بين المصلحة الايرانية من حلفها مع 8 آذار والمصلحة السورية من هذا الحلف.

bull;bull;bull;

[وتوضيحاً لذلك - بين هلالين - لن يفاجئنا ان يكتشف الرئيس ان ليس لايران مصلحة لا وطنية ولا اقليمية في ان يستدرج "حزب الله" المنطقة الى حرب مذهبية بين السنة والشيعة لأن هذه تؤدي الى عزل ايران ومنعها من ان تكون ما طمح اليه الامام الخميني، أي جمهورية اسلامية لكل المسلمين لا للشيعة فقط، فضلاً عن ان عزلها وانحصارها في الشيعة يمنعان التفاف سائر المسلمين حولها في حال نشوب حرب اميركية عليها... بينما المصلحة السورية من "حزب الله" قد تكون، على العكس، ان تؤدي سلوكيته الى الفوضى والاضطراب الامني اللذين تستمر دمشق تحذّر لبنان منهما بلغة يصحّ احياناً تفسيرها بالانذار.]

bull;bull;bull;

من ذلك كله نستخلص ان الرئيس العتيد سيجد نفسه مضطراً الى مواجهة خطر امتداد الحرب الاميركية على ايران، اذا وقعت، الى حدود لبنان بل الى داخله. فعليه ان يتهيأ ويهيئ الدولة والشعب الى ردها وعدم الوقوع في أي من أشراكها التي ستتكاثر. وعليه ان يعرف كيف يقيس احتمالات تحييد لبنان اذا حاول اي من الافرقاء الاقليميين او الدوليين فرض هذه الحرب عليه أو خوضها على "ساحته" او استدراج فريق لبناني ما الى اعتبار نفسه معنياً بخوضها بمعزلٍ عن الموقف اللبناني "الوفاقي" أي "الجماعي"... عليه - نقول - ان يقيس احتمالات تحييد لبنان واستتباعاً تحمّل مسؤولية فرض الموقف الذي يجده منسجماً مع المصلحة اللبنانية الاستقلالية وقابلاً للتنفيذ من غير التأثير على الوفاقية، بل الوحدوية اللبنانية.
هذا في حال رجوح احتمال الحرب. وقد تقع صدفة، لا نتيجة تخطيط وقرار، بل نتيجة خطأ تكتيكي من هنا او استراتيجي من هناك.
وفي ظننا ان علينا ان نتهيأ بالاحرى لمساعدة ايران في ديبلوماسيتها الهادفة الى منع الحرب. وقد يهون عليها، وعلى العالم بأسره هذا الأمر، اذا تكرّس المسلك "الكوري" (بعد الاتفاق بين الكوريتين) وتغيّرت المقاييس الدولية للحظر النووي، ومعايير الاستقلالية في تطوير الذرة للاغراض السلمية، ومعايير تقبل ذلك بل تهوين أمره.


هذا عن الحرب. فماذا عن السلام؟
السلام ترتفع راياته بكثير من الخفر والاضطراب، أفقه الجامع الوحيد هو مشروع اجتماع أنابوليس الذي يترددون حتى في وصفه، فكيف بالذهاب في تعيين جدول اعماله الى اكثر من العنوان الكثير الطموح الضيق الطريق: قيام دولة فلسطينية الى جانب الدولة الاسرائيلية وتنظيم سلام ما بينهما.
وأكثر ما يثير الضباب حول "الاجتماع" المبهم هذا هو الشروط التي تضعها سوريا وسواها لقبول دعوة لم توجّه بعد الى احد. ومع ذلك، بل عملاً بذلك، يجدر بالرئيس الوفاقي ان يواجه مشروع الدعوة التي لا بد ان توجَّه الى لبنان، فيما اذا وجِّهت الى سوريا، ببعث موقف "وحدة المسارين" على ان يكون التقرير ثنائياً فعلياً وتشاورياً حقاً. وكذلك فان المسار متى توحّد يزيد من قدرتنا - على فرض ان لبنان هو الذي يأخذ المبادرة، ومن رئيس توافقي وليس "سوري المنشأ"!
وبديهي ان يؤيد لبنان المطلب السوري الشرطي ان يوضع الجولان على جدول الاعمال. وفي المقابل يطلب لبنان، وتؤيده دمشق ان توضع مسألة مزارع شبعا على جدول الاعمال. مفهوم؟
واذا انعقد الاجتماع، الذي نتمناه منعقداً بهذه الشروط، فمن البديهي ان تتدرج ابحاثه الى كل المسائل العالقة بين العرب واسرائيل، وفي طليعتها مصير الفلسطينيين المشرّدين (اللاجئين) وشروط عودتهم وكل ما سبق للامم المتحدة وسواها ان اتخذته من قرارات ترفضها اسرائيل، ولعلها لم تعد في وضع يمكّنها من الاستمرار في الرفض.
وبديهي، ختاماً لموضوع اجتماع انابوليس ان نقول
ان "دينامية" السلام التي سيطلقها (بمجرد انعقاده بالشروط "السورية - اللبنانية") ستمتد الى المسألة العراقية، فتبدّل المعطيات بل المشهد برمته، وربما بدّلت اجواء، بل معطيات الأزمة الايرانية - الاميركية. فنجدنا، نتيجة ذلك نطرح - مع سوريا او من دونها، وافضل لها ان تستمع الينا وتشاركنا - مشروع السلام السعودي الذي أقرّ في قمة بيروت عام 2002.


نعود الى مطلع المقال لنتساءل عملياً، كيف نرى ان على الرئيس التصرّف، اذا تحلّى بما سميناه "المساحة الفكرية والنفسية للتعاطي مع الحرب والسلم"؟
قبل ان يصير الرئيس رئيساً، علينا جميعاً، اي جميع المعنيين بالرئاسيات ترشيحاً ومفاضلة واقتراعاً، ان نبدأ ننظر الى المرشحين من هذه الزاوية، بل ان نفرض عليهم ان يخوضوا معركتهم في ظل هذه القضية... هذا أولاً.
وثانياً، يجب ان نبدأ ندرك ان اختيار الرئيس يجب ان يكون متلازماً لا مع رؤيته و"نظريته"، بل مع ما يتعهد التزامه، وإلزام حكومته اياه من مقررات طاولة الحوار (وهي موجودة، بكامل صيغها والمناقشات في محاضر رسمية، فضلاً عما كان يدوّنه المتحاورون).
لأن مصير لبنان (ومنه الرئاسة) متوقف على خطر الحرب الذي يظل الخيار الرئاسي... ونكاد نقول "خطر سلام" كذلك، وربما كان هو الاخطر من الحرب. بالإذن من المهوّلين علينا بالتدويل، وهم المدوّلون بالأولوية!!!


ghs@annahar.com.lb

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف