تضخيم الرجل الضئيل
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
جو كلين - التايم
قبل وقت طويل، وعندما كان الاتحاد السوفياتي في مستهل سقوطه، أطلق صديق روسي نكتة فانفجرت بالضحك بينا كنا نسير في شارع مكسو بالثلج في موسكو. قال "أتمنى لو أستطيع التبسم بنفس الطريقة التي تتبسمون فيها"، فسألت لماذا لا تستطيعون ذلك. فأجاب بأن والديه كانا قد درباه على عدم إظهار عواطفه أمام الملأ. فالابتسامة في غير محلها قد يساء فهمها، بحيث يمكن أن تعني غولاغ (معسكرات العمل بالسخرة الروسية)، فأدركت عندها أن رد فعلي على نكتته كان إعلاناً سياسياً؛ أي إظهار مدى حريتي برد فعل انعكاسي. فكرت في ذلك عندما بدأ الضحك في جامعة كولومبيا يوم 24 أيلول -سبتمبر الماضي. تساءلت عن مدى السرعة التي أدرك بها نجاد أنهم كانوا يضحكون عليه، وليس معه، بعد تأكيده الجذل على أنه لا يوجد شاذون جنسيا في إيران. نظر محدقا إلى الجمهور متحيراً. واستطاع أن يفهم أولئك الذين وجدوه غير مفهوم، فتعامل بكياسة مع عدم موافقتهم، وبنى عليها. أما أن يجدك الآخرون سخيفا؟ كم ذلك سبب في التشتيت. وكم هو شأن غربي على نحو سار.
كان ظهور احمدي نجاد لحظة قصيرة، ولكنها لحظة تشي بالكثير عن الأزمة المتعاظمة، وهي ما يدعى بحرب جورج دبليو بوش على الإرهاب. وكلمات الرئيس الإيراني لم تكن تلقى قبولا كونيا عالميا، وإنما رمزي. وهو يتمتع بنفوذ حقيقي قليل جداً في إيران، ولا يتمتع بأي نفوذ فيما يخص السياسة الخارجية أو البرنامج النووي الإيراني. إنه لا يمتلك سلطة أكثر من تلك التي كان يتمتع بها سلفه، الإصلاحي الفاشل محمد خاتمي الذي أصبح ينظر إليه في الغرب وفي إيران على انه شيء مغطى بلباس جذاب. وقد فشل أحمدي نجاد في الحقيقة في المنطقة التي يمتلك فيها بعض السلطة بالفعل: وهي إصلاح احتكار القلة، أي الاقتصاد المحلي. لقد كانت هناك اضطرابات حول أسعار البنزين المتصاعدة، ويبدو مستقبله السياسي مهتزاً. ومع ذلك، فإن هذا الرجل الضئيل الغريب الذي يعيد إلى الذاكرة بيتر سيلرز بشكل أكثر حضورا من أدولف هتلر؛ سيلارز، يستمر بذكاء في لعب دور أحد الأشخاص الحمقى، الذي أصابه الحمق بسبب السكر، والذي خصص له مهرجان غضب كلاسيكي اميركي بلا حدود، والذي ضمن له الكل فيه، حتى هيلاري كلينتون، بالضبط ذلك التعنيف الذي استحقه.
ليس أحمدي نجاد أحمق وبسيطاً بالطبع. وهو يعرف بالضبط كيف يستغل إحدى القوى القليلة التي يمتلكها فعلاً، تلك هي قوة الإغاظة. وهو يتمتع بمكانة في إيران وفي العالم الإسلامي بسبب وضعه إبهامه في عين العملاق. وقد جاء إنكاره للمحرقة اليهودية (الهولوكست) ليكون بمثابة استراتيجية مفضوحة، فهي الطريقة الأسهل للحصول على تزكية من المجتمع اليهودي، وبالتالي ساسة أميركا وعلى نحو حتمي. ومن الواضح انه يستفيد من بروزه المضخم الزائف. ولكن من يستفيد من ذلك أيضاً؟
حسناً، على رأس القائمة يقف أصدقاؤنا القدامى المحافظون الجدد، المسؤولون الذين قدموا الأساس المنطقي الفكري لحرب بوش في العراق، والذين ينافح العديد منهم الآن عن خوض حرب مع إيران. وقد كتب عراب المحافظين الجدد نورمان بودهيريتز، تفاهة تدعى: "الحرب العالمية الرابعة: الكفاح الطويل ضد الفاشية الإسلامية"، وهو يحب أن يضع احمدي نجاد وأسامة بن لادن - والأخير شخصية اخطر بكثير- باعتبارهما وريثي هتلر وستالين. ويقول "انهما يسيران في طريق الفاشية والنازية وحكم الاستبداد بالسلطة". ولا شك في أن ذلك حماقة بالغة. صحيح أن الإرهابيين يتمتعون بالقدرة على إلحاق ضرر مريع من حين لآخر، لكنهم لا يشكلون أي تهديد على المستوى الوجودي بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية.
إن احمدي نجاد لا يقود أي فيالق - ليس حتى قوات حزب الله في لبنان التي هاجمت إسرائيل في صيف عام 2006- وإذا كان بودهوريتز لا يعرف ذلك، فإن عليه أن يعرفه. ولعل أخذ احمدي نجاد حرفياً كما يفعل المحافظون الجدد هو عمل غير أصيل وينطوي على نية قاتلة. إنه يعطي رخصة لخط رقصة الكونغا من السياسيين -خاصة الجمهوريين الذين يتسابقون على الرئاسة- للاستمرار بانتهاج طريقتهم من خلال القفز على احمدي نجاد وجامعة كولومبيا وكافة الليبراليين بشكل عام. وفي الغضون يوزع "ميت رومني" إعلاناً مؤخراً، والذي يتفاخر فيه بأنه أنكر على الرئيس الإيراني الإصلاحي السابق غير الواعد خاتمي الحق في التمتع بحراسة أمنية أثناء زيارته لجامعة هارفارد في عام 2006. والآن ثمة رجل! فقد خرجت صحيفة "نيويورك ديلي نيوز" التي يملكها المحافظ الجديد مورت زوكرمان بعنوان رئيسي يقول: "الشر حط على الأرض" وضخمت شبكات تلفزة "كيبل نيوز" الأمر بدورها. حتى إن لي بولينغر، رئيس جامعة كولومبيا كان يشعر بالحاجة إلى تدمير أحمدي نجاد - بأناقة، كما ينبغي لي القول- قبل إلقاء الأخير كلمته. وثمة فقاعة سامة ضخمة، والتي تغمر الميدان العام.
وعندئذ، ها هو ذا - والتعبير هو رد الفعل المناسب الوحيد للتعبير عن الحرية. وتنفجر الفقاعة. انه لا ينكر الهولوكست فحسب، وإنما الشذوذ الجنسي أيضاً؟ وعلى حين غرة، يصبح كل شيء واضحاً: إننا نتعرض للاستغلال من جهة المتطرفين في الجانبين. على وجه التأكيد، تقوم إيران بتسليح حزب الله، ولديها بالفعل برنامج نووي فعال قد يثبت أو لا يثبت ان لديها نية عدوانية، وهي تسبب المشكلات للولايات المتحدة في العراق، مزودة أعداءنا بالأسلحة. وهذه كلها مشكلات ينبغي معالجتها بتعقل وصير حتى لو كان ذلك بقوى متعددة الأطراف في نهاية الأمر.
لكن حملة المحافظين الجدد لتحويل احمدي نجاد إلى هتلر أو ستالين، والتظاهر بأن لديه القدرة على تحطيم العالم، وإثارة الصخب حول السماح للرجل الصغير بالتحدث، فإنها كلها محاولات حرية بالازدراء في سياق التهيئة للحرب. قد يكون احمدي نجاد سخيفاً، لكن بودهوريتز-الذي أمضى مؤخراً 45 دقيقة وهو يتحادث مع بوش مدافعاً عن شن حرب أخرى- لا يبدو مضحكاً أبداً!
مجلة التايم
"كان ظهور احمدي نجاد لحظة قصيرة، ولكنها لحظة تشي بالكثير عن الأزمة المتعاظمة، وهي ما يدعى بحرب جورج دبليو بوش على الإرهاب. وكلمات الرئيس الإيراني لم تكن تلقى قبولا كونيا عالميا، وإنما رمزي".