إحياء قيم الديمقراطية الاجتماعية: الحرية مع العدل
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
علي الدين هلال
من الضروري أن ندير حوارا حول شكل مجتمعنا في المستقبل في مجالات الاقتصاد والسياسة والاجتماعrlm;،rlm; وأن نبحث في ما هي صورة المجتمع الذي نسعي الي اقامتهrlm;،rlm; وأن يكون هدف هذا الحوار هو الوصول الي درجة من التوافق العام بشأن هذه الرؤية المستقبليةrlm;،rlm; مع اختلاف حول السياسات والبرامج وسبل تنفيذهاrlm;.rlm;
وأهمية وجود هذه الرؤية هو أنها تصبح هادية ومرشدة لعملنا في مختلف المجالاتrlm;،rlm; فعندما تتضح تلك الرؤية عن شكل مجتمع المستقبلrlm;،rlm; وتتضح الأفكار والمبادئ الأساسية التي ترتكز عليهاrlm;،rlm; فإنه يصبح لدينا بوصلة ومرجعية تسمح لنا بالاختيار بين الأولويات وتقويم السياساتrlm;،rlm; ويبدو لي أن الإطار الفكري الحاكم لكثير من الأفكار والمفاهيم المتداولة في مجتمعنا هو الديمقراطية الاجتماعية وجوهرها التزاوج بين قيم الحريات الليبرالية وقيم العدل الاجتماعيrlm;،rlm; وجاء الإدراك بأهمية هذا التزاوج كثمرة تطور إنساني طويل وممتد وكخلاصة لعديد من التجارب والخبراتrlm;.rlm;
فعندما برزت الليبراليةrlm;،rlm; كان جوهرها هو اطلاق الحريات الفردية بما يسمح للانسان بأن يعبر عن نفسه ويحقق ذاته ويطور قدرته بعيدا عن استبداد الدولة وعن تسلط المجتمعrlm;،rlm; وفي هذا السياقrlm;،rlm; ارتبطت الحريات السياسية بالحريات الاقتصادية بحيث أصبحت الديمقراطية الليبرالية كنظام سياسي هي الوجه الآخر للرأسمالية كنظام اقتصاديrlm;،rlm; وبالتالي تحملت الديمقراطية الليبراليةrlm;،rlm; خصوصا في تطبيقاتها في الدول الناميةrlm;،rlm; تجاوزات وممارسات رأسمالية متوحشة تسعي للربح السريعrlm;،rlm; وتحسب كل شيء بمنطق السوقrlm;،rlm; ولا ترتبط بأي منظومة أخلاقية أو اجتماعية خلافا لما عليه الوضع في الدول الرأسمالية الناضجةrlm;.rlm;
ففي غياب مبدأ المسئولية الاجتماعية لرأس المال وللضوابط التي تمارسها الدولةrlm;،rlm; فإن اطلاق الحريات يبرز كل صور عدم المساواة في المجتمع بحكم اختلاف القدرات والموارد المتاحة للبشرrlm;،rlm; كما يكون من شأنها تأكيد التفاوت الاجتماعيrlm;،rlm; ذلك أن كفالة الحريات لكل الأفراد لا يعني قدرتهم المتساوية علي ممارستها أو التمتع بهاrlm;،rlm; فكل حرية لا يمكن ممارستها ما لم توجد القدرة اللازمة لذلكrlm;،rlm; والتي توفرها الظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدةrlm;،rlm; وفي كل مجتمعrlm;،rlm; كم هناك من حريات وحقوق نص عليها الدستور والقانونrlm;،rlm; ولكنها ظلت أمرا نظريا دون تطبيق من الناحية الفعلية بسبب غياب الدستور والقانونrlm;،rlm; ولكنها ظلت أمرا نظريا دون تطبيق من الناحية الفعلية بسبب غياب القدرات اللازمة لذلك لدي اعداد كبيرة من الناسrlm;.rlm;
من الناحية الأخريrlm;،rlm; فإن التطبيقات الاشتراكية أقامت نظما اقتصادية تقوم علي ملكية الدولة لأدوات الانتاجrlm;،rlm; ونظما سياسية تعتمد علي الحزب الواحدrlm;،rlm; ومما لاشك فيه أن هذه الأنظمة قد انجزت الكثير في مجال التوزيع والعدل الاجتماعيrlm;،rlm; إلا أن سجلها في مجال الحريات العامة واحترام حقوق الإنسان كان مملوءا بالثقوبrlm;،rlm; أضف الي ذلكrlm;،rlm; أن قدرتها علي الاستمرار في الحفاظ علي معدلات عالية من النمو الاقتصادي تقلصت بشكل واضحrlm;،rlm; ولفترة ساد اعتقاد وكأن علينا أن نختار بين الحريات السياسية وبين العدل الاجتماعيrlm;،rlm; ولم يكن ذلك صحيحا ولم يوجد ما يحتم مثل هذا الاختيارrlm;.rlm;
لقد برز فكر الديمقراطية الاجتماعية لتجاوز هذا الموقفrlm;،rlm; وسعي للجمع بين الليبرالية السياسية والعدالة الاجتماعيةrlm;،rlm; فكر يؤكد قيم تكافؤ الفرص بين الجميع دون تمييزrlm;،rlm; وإعادة توزيع عوائد النموrlm;،rlm; ومسئولية الدولة في توفير الضمان الاجتماعي للفئات الفقيرةrlm;،rlm; فكر يؤكد مفهوم المواطنة والمساواة في الحقوق والواجباتrlm;.rlm;
لقد جاء فكر الديمقراطية الاجتماعية ليس استرجاعا لأنماط فكرية قديمة وجاهزة بل محاولة لتجاوز أفكار اليسار القديم واليمين القديم علي حد سواءrlm;،rlm; وهو فكر يسعي لتقديم بديل نظري وعملي للتحديات الكونية المعاصرةrlm;،rlm; وهو يرتكز علي مفاهيم الاقتصاد الحر والمبادرة الفرديةrlm;،rlm; ولكنه يركز تحديدا علي دور الدولة ومسئوليتها عن دعم الفقراء والرعاية الاجتماعيةrlm;،rlm; فالدولة وفقا لهذا الفكر ليست هي الدولة الحارسة ولا هي الدولة المتدخلة المتسلطةrlm;،rlm; ولكنها الدولة التي تحقق التوازن العام في المجتمع بين الحقوق والواجباتrlm;،rlm; وبين الحقوق الشخصية والمسئولية الاجتماعيةrlm;،rlm; وهي المسئولة عن ضمان توفير السلع والخدمات الأساسية للمواطنين بغض النظر عما إذا كان ذلك يتحقق بواسطة أجهزتها أو من خلال مؤسسات أخريrlm;،rlm; ويؤكد فكر الديمقراطية الاجتماعيةrlm;،rlm; أنه إذا كان توغل الدولة في السيطرة علي الاقتصاد لم يحقق ثماره التنمويةrlm;،rlm; فإن التوغل في انسحاب الدولة من الحياة الاقتصادية والاجتماعية يمثل خطأ لا يقل جسامةrlm;.rlm;
هذه الأفكار والمعاني ارتبطت بمفهوم الطريق الثالثrlm;،rlm; الذي تحدث عنه كثيرا توني بليرrlm;،rlm; وهي التي أبرزها الرئيس حسني مبارك في خطابه أمام مجلسي الشعب والشوري فيrlm;11/14rlm; وأحيا فيه قيم الديمقراطية الاجتماعية في الخطاب السياسي المصري وجوهرها التلازم بين الحرية السياسية والعدل الاجتماعيrlm;،rlm; وبين النمو الاقتصادي وحسن توزيع عائدهrlm;.rlm;