قمة أنابوليس: كيف تساعد؟
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
ديفيد إغناتيوس - واشنطن بوست
بعد مشاهدة الرئيس بوش وهو يلقي بحماس مباركاته وأمنياته الطيبة لمؤتمر أنابوليس للسلام، ربط صديق إنجليزي ساخر هذا المشهد بواحد من اجتماعات بلاط الحاكم المحلي التي كانت تعقد فصلياً لتعزيز حكم الإمبراطورية البريطانية في الهند. ومثل اجتماعات المهراجات القديمة القديمة، كما كتب صديقي: "كذلك جمعت الولايات المتحدة أتباعها من أقطاب الأرض ليشاهدوا -غالباً بصمت- حدثاً عظيماً، والذي يظل استيراده محظوراً عليهم".
ثمة نزعة من التشكك المضمونة الحضور حين نتحدث عن صناعة السلام الأميركي-العربي-الإسرائيلي. وخلال فترة التحضير لانعقاد مؤتمر أنابوليس، كانت التوقعات جد منخفضة حتى أنها كانت تغوص في خليج تشيسابيك.
ولكنني في هذه الحالة أتناول وجهة النظر المناقضة: ثمة شيء حقيقي حدث في أنابوليس. وعلى أن العملية التي بدأت يوم الثلاثاء ربما لن تفضي إلى السلام، إلا أن ذلك لا يعني أن أنابوليس كان مجرد عرض مبهرج فارغ. ولعل قراءة فاحصة لـ"التفاهم المشترك" الذي أعلنه بوش تكشف عن الإنجازات والإخفاقات. وأنا أجد العديد من الخطوات الضرورية إلى الأمام في هذا السياق:
كبداية، تلزم الوثيقة الفرقاء بالشروع في التفاوض على معاهدة سالم "تحل كل النقاط البارزة، بما فيها القضايا الجوهرية من دون استثناء". ومع أن النص لا يحدد لسوء الحظ ما هي تلك الأشياء المسكوت عن ذكرها، إلا أن المتفاوضين يفهمون إن ذلك يعني مفتاحي الصفقة: القدس وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين. أما صلوات الإسرائيليين من أجل أن لا يضطروا للتحدث عن القدس، وصلوات الفلسطينيين من أجل أن لا يضطروا لمناقشة حق العودة، فإنها لم تلق الاستجابة.
كانت أهم قطعة هي الفقرة الأخيرة التي خلصت إلى أن "تطبيق معاهدة السلام المستقبلية سيكون خاضعاً لتطبيق خريطة الطريق، كما حكمت بها الولايات المتحدة". وقد كسب الإسرائيليون تنازلاً مهماً هنا، في فهم أن المعاهدة لن تحدث إلا في حال تحقق لها الأمن على الأرض، كما توصي بذلك خريطة الطريق. لكنهم أعطوا بدورهم شيئاً مهماً أيضاً، من خلال تحديد أن أميركا هي التي ستقرر إذا ما كانت شروط تطبيق خيرطة الطريق قد تحققت أم لا.
دور المراقب والقاضي هذا يضع وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس في وسط العملية بوصفها "الوسيط النزيه"، وهو يعطي الولايات المتحدة رافعة يعتد بها للضغط على الطرفين.
ثانياً، من المهم أن كل الأطراف قد وافقت على "إجراء مفاوضات جادة، دائمة ومستمرة" خلال كامل عام 2008. وهذا يحدد الأجندة للمنطقة بطريقة إيجابية. لقد بدأت عملية سلمية، وكل القوى في المنطقة -بما فيها إيران وسورية وحزب الله وحماس- ينبغي عليهم أن يتعاملوا معها. سوف يحاول الراديكاليون نسفها. لكن أي تقدم إذا ما تم إحرازه، فإن ذلك النسف سيكون مهمة صعبة. وسوف تتمتع العملية بالصدقية إذا ما تحسنت شروط خيرطة الطريق في العام المقبل، إذا ما رأى العرب إسرائيل وهي تفكك المستوطنات، وإذا ما رأت إسرائيل قوات الأمن الفلسطينية وهي تكرس النظام وتحاصر الإرهاب. أما إذا فشل الطرفان في اتخاذ خطوات بناء الثقة المهمة هذه، وتركوا الميدان للمتطرفين مرة أخرى، فإن ذلك سيكون خطأهما.
إن كلمات عبارة "عملية سلام" في حد ذاتها تمتلك تأثيراً مخدراً، وذلك ليس سيئاً كله. إنها النظير الدبلوماسي لخلق حقائق على الأرض. لقد أصبحت مركز الاهتمام. إنها تشتت الانتباه عن المشكلات الأخرى. وفي الشرق الأوسط، المتفجر مسبقاً إلى حد بعيد، فإن هذا العنصر المهدئ من عملية أنابوليس يظل مفيداً، ولا ينبغي الغض من شأنه.
ثالثاً: من المهم أن السعوديين والسوريين وبقية أعضاء جامعة الدول العربية كانوا حاضرين في المؤتمر ليساعدوا في ولادة المنظور المأمول. وكان ذلك هو هدف رايس عندما بدأت التفكير بعملية أنابوليس؛ أن تحصل على "قبول" من العرب منذ البداية بحيث يحظى الرئيس الفلسطيني محمود عباس ببعض التغطية. كما أن الحضور العربي يعطي إلماحة لإسرائيل بأن اعترافاً عربياً كاملاً بها ربما يكون ممكناً.
جاء السعوديون لأنهم كانوا قلقين إزاء صعود إيران والمتطرفين. لكنها ستكون غلطة إذا ما تم النظر إلى أنابوليس ببساطة بوصفه مقدمة أولى لجبهة جديدة مناهضة لإيران. وكان أحد السعوديين قد أوضح بقوله: "ثمة شعور بأننا جميعاً قد أصبحنا منهكين من هذا. وحتى نحصل على الاستقرار في الشرق الأوسط، فإن القضية الفلسطينية يجب أن تحل".
أما السوريون، فجاءوا لأن أنابوليس قد أشر علناً على أن قضيتهم مطروحة على المائدة أيضاً. وقد ذكر برنامج اليوم الأول من الاجتماع بالتحديد مسألة "إسرائيل-سورية" و"مسارات مستقبلية منفصلة للتفاوض بين إسرائيل وجيرانها". وثمة بعض الساسة الإسرائيليين البارزين، بمن فيهم وزير الدفاع أيهود باراك، ممن يرغبون الشروع بالتفاوض مع سورية غداً. وقد كشفت دمشق، بحضورها إلى أنابوليس، عن أنها ربما تكون جاهزة للعب.
في بعض الأحيان، تكون الأشياء المهمة هناك مباشرة أمام أنوفنا، وهذا هو الحال في أنابوليس. لقد تحدث المنتقدون لأشهر عن أن المؤتمر لا يمكن أن يحدث وأنه لن يكون مهماً بأي حال. حسناً، لقد انعقد، وهو يهم. إن عملية سلام، مع كل غموض هذه العبارة وسفسطاتها، قد باتت على الطريق.