الدولة اليهودية... وتهافُت أساطير التأسيس
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
حسن حنفي
عاشت إسرائيل منذ نشأتها على أسطورة أنها دولة ديمقراطية، بل واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط وسط ديكتاتوريات عربية، ملكية أو عسكريات انقلابية. وهي دولة تعددية بها شرقيون "سفارديم"، وغربيون "أشكناز". تأتيها الهجرات اليهودية من كل الأجناس، بيضاء وسوداء وصفراء، من "الدياسبورا" إلى "العاليا". والقدس مفتوحة لكل الأديان، والمقدسات الإسلامية والمسيحية في حماية الدولة العلمانية التي ترعى حرية العبادة. ولو امتلك المسلمون الأقصى من فوق الأرض فإن إسرائيل تملكه تحت سطح الأرض حيث قواعد "هيكل سليمان".
وكان هذا مدوناً في الميثاق الوطني الفلسطيني منذ إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، دولة علمانية تعددية يعيش فيها كل المواطنين على قدم المساواة بصرف النظر عن العرق والدين والطائفة. ولم تعترف به إسرائيل لأنها كانت تريد في الحقيقة دولة يهودية خالصة خالية من العرب أو المسلمين أو النصارى. وكانت الدولة التعددية العلمانية مجرد دعاية أمام الغرب بزعم أن أعداءها يريدون إلقاءها في البحر.
وقبل مؤتمر أنابوليس وضعت إسرائيل شرطاً للاعتراف بالدولة الفلسطينية التي مازالت في الأذهان وفي الأقوال، دون الأرض والأفعال، وهو الاعتراف بأنها "دولة يهودية". وفي خطاب الرئيس الأميركي الافتتاحي قال إن إسرائيل دولة قومية لليهود، وهو ما يتفق مع قرار التقسيم في 1948، دولتان، واحدة للعرب والثانية لليهود. والغاية من ذلك الدفاع عن الكيان الصهيوني على الأمد الطويل، والنظر إلى الآجل دون العاجل. ما دامت إسرائيل لم تستطع الحفاظ على توسعها واحتلالها لأراضي دول الجوار إلى ما لا نهاية بعد ازدياد المقاومة، والإصرار العربي على أنه لا سلام ولا اعتراف إلا بعد الانسحاب من الأراضي المحتلة منذ 1967، وكما قررت ذلك المؤتمرات السابقة في "مدريد" و"أوسلو"، وكما عبرت عن ذلك بوضوح مبادرة السلام العربية، الأرض في مقابل السلام، الانسحاب الكامل في مقابل التطبيع الكامل. فالانتصار العسكري والتوسع الاستيطاني لهما حدود. لا تستطيع إسرائيل قضم ما لا تستطيع أن تهضم. المقاومة تشتد، والمقاطعة مستمرة، والرفض مازال هو الغالب على الوجدان العربي بصرف النظر عما تفعله أو تريده الحكومات.
وبهذا المطلب الجديد، "الدولة اليهودية"، تريد إسرائيل تحقيق أربعة أهداف: الأول إخراج عرب 1948 من إسرائيل بعد أن أصبح التزايد السكاني لأكثر من مليون عربي منذ الاحتلال هماً ثقيلاً على إسرائيل. والتقارير تفيد بأنه مع حلول عام 2050 سيتجاوز عدد العرب في إسرائيل عدد الإسرائيليين مهما ازدادت الهجرات. والغربيون، يقول البعض، "أنانيون" لا يحبون التكاثر خوفاً من انخفاض مستوى المعيشة. وإذا ما انضم على الأمد الطويل اليهود العرب إلى إخوانهم، فإن العرب يكونون الأغلبية في إسرائيل، وتضيع هوية الدولة وشرعيتها. ويتحول عرب إسرائيل إلى مواطنين من الدرجة الأولى لما كانت لهم الأغلبية، وليسوا مواطنين من الدرجة الثانية كما هو الحال الآن. وفي أحسن الأحوال يتم تبادلهم مع المستوطنين الإسرائيليين بعد 1967 الذين قاربوا ثلاثة أرباع المليون، عرب في إسرائيل في مقابل إسرائيليين في الدولة الفلسطينية، إن قامت.
والثاني حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين منذ 1948 بالإضافة إلى لاجئي 1967 المقيمين في المخيمات في لبنان وسوريا والأردن ومصر، والمنتشرين في كافة الوطن العربي، بل وفي الخارج في أوروبا وأميركا وفي الشتات في كل بقاع العالم. ومن ثم يمكن التخلص من تجمعات سكانية يسهل فيها تجنيد شبابها في المقاومة وممارسة العنف وتفريخ "الإرهاب" بلغة أميركا وإسرائيل. و"حماس" في غزة شاهد على ذلك. و"حزب الله" في جنوب لبنان شاهد آخر. ولا يحق لهم العودة إلى دولة يهودية وهم غير يهود، مسلمين ونصارى. وينتهي الوطن لصالح الدين، وهوية المواطن لصالح الطائفة.
والثالث شرعية هجرة يهود العالم إلى إسرائيل. الدولة اليهودية استمراراً من الشتات إلى "العاليا" بحيث يمكنها استيعاب ثمانية ملايين يهودي خارج إسرائيل إلى الداخل. وبالتالي تصبح إسرائيل أربعة عشر مليوناً، وهم عدد اليهود في العالم، بما فيهم يهود أميركا عامة ونيويورك خاصة. وهو نوع من الأمن الكمي السكاني وسط المحيط العربي ثلاثمائة وخمسون مليون عربي وسط مليار وربع مليار من المسلمين. فبعد حرب أكتوبر 1973 وحرب لبنان عام 2006 أحسن العرب الكيف، وإدارة الحرب، واستعمال الصواريخ. والحمية الإسلامية هي المسيطرة على الشوارع. ومسلمو إندونيسيا وبنجلادش والملايو وأواسط آسيا والصين يتوقون إلى الاستشهاد في القدس. فالدولة اليهودية تقابل كماً بكمٍّ، حتى ولو كان في صالح العرب والمسلمين. يكفيها نصرة الغرب وأميركا لها وعداؤهما للعرب والمسلمين.
والرابع إعطاء شرعية جديدة للكيان الصهيوني لا تقوم على أساطير "أرض المعاد" و"شعب الله المختار" المستمدة من قراءة خاصة للتوراة بل على طبيعة الجغرافيا السياسية في المنطقة بعد تجزئتها إلى دوليات طائفية سُنية وشيعية، إسلامية وقبطية، أو عرقية، تركمانية وكردية، عربية وبربرية وزنجية. وبالتالي تكون إسرائيل دولة يهودية تجمع بين العرق والدين مثل باقي شعوب المنطقة.
والعجيب أن تعلن ذلك أميركا نفسها وهي التي تضرب بنفسها المثل في النظام الديمقراطي التعددي، بوتقة الانصهار التي يتساوى فيها الجميع. وهي دعاية أخرى نظراً لاضطهاد الأقليات "السوداء" و"السمراء" وتصدي "الواسب" WASP وهو اختصار للبروتستانت البيض الأنجلوساكسون. ولو أن فلسطين المقاومة أعلنت أنها ستكون دولة إسلامية لقامت الدنيا ولم تقعد. وتم اتهامها بالأصولية والعنف والإرهاب. وماذا عن نصارى الشام وهم عرب. هل ينضمون للدولة القومية العربية أم يكونون دولة نصرانية كما فعل غساسنة الشام قبل الإسلام؟ وماذا عن لبنان؟ هل يعلن نفسه دولة عربية أم مارونية أم سُنية أم شيعية؟ وماذا عن اليمن، هل يعلن نفسه دولة زيدية أم دولة شافعية؟ وماذا عن السودان، هل يعلن نفسه دولة عربية أم زنجية، إسلامية أم مسيحية أو وثنية؟ وماذا عن دول المغرب العربي، هل تعلن عن نفسها دولاً عربية أم دولاً بربرية "أمازيغية"؟
وتعادي أميركا النظام في إيران وتتهمه بالإرهاب، والحكم في السودان وتحاول فصل الجنوب وكردفان عنه, وتعارض وصول "المحاكم الشرعية" إلى الحكم في الصومال وتساعد إثيوبيا على غزوه أو تأييد الحكم العسكري في باكستان وهي ترفع شعار الديمقراطية في "الشرق الأوسط الكبير" أو "الجديد" خوفاً من وصول المعارضة فيه إلى الحكم. بل إنها لا ترحب بوصول الإسلاميين المعتدلين أو الإسلام المستنير إلى الحكم في تركيا والمغرب، ممثلاً في حزبي "العدالة والتنمية". وترفض دخول تركيا الاتحاد الأوروبي لأنها ذات ثقافة مغايرة ودين مختلف، في حين تقبل انضمام الدولة اليهودية. وتعتبر الإسلام تهديداً لأميركا والغرب خاصة بعد أحداث سبتمبر في واشنطن ونيويورك.
لا فرق بين "المحافظين الجدد" والصهاينة الجدد. فكلا الفريقين نزعتان أصوليتان تحكمان باسم الاختيار الإلهي، في حين أن الحركات الدينية في العالم العربي منظمات إرهابية.
والحقيقة أن "الدولة اليهودية" ستذهب مثل باقي الدول الثيوقراطية، لأنه لا توجد يهودية واحدة بل عدة مذاهب يهودية، أرثوذكسية وليبرالية وإصلاحية، شرقية وغربية، عربية وغربية، سلفية وعقلانية. فأي يهودية ستقوم عليها الشرعية الجديدة للكيان الصهيوني ستذهب كما ذهبت أساطير "المعاد" و"شعب الله المختار"، وستنتهي الدولة العنصرية كما انتهى النظام العنصري في جنوب أفريقيا، و(بأسهم بينهم شديد).
التعليقات
طبيعة تصحح نفسها !.
الــغــزاوي -في الفقرة ما قبل الأخيرة من مقال الكاتب, تعسف في مساواة النزعتان الأصولولتين في الفكر الصهيوني لدى الإسرائيلي,و فكر المحافظين الجدد الأمريكيين من جهة ,و الحركات الدينية في بلدان العرب و المسلمين من جهة أخرى,وذلك إطلاق حكم و تعميمه بشكل غير عادل,و يجافي الحقيقة,نعم توجد فصائل فكرية أصولية جهادية متطرفة في فهمها و استعمالها لوسائل و أساليب الرد على الهجمة الصهيونية و الصليبية في الألفية الثالثة من عصرنا هذا,و يمكن تصنيفها في أقصى اليمين السياسي الإسلامي,وتمثل طيفا محدودا من كم هائل من أطياف الإعتدال و الوسطية و الواقعية السياسية التي بدورها لا تفرط في توابث الأمة؛و مصير هذا الطيف اليميني إلى زوال و الإندثار متى ظهرت في الأفق مرجعيات سياسية على مستوى الدول العربية و الإسلامية لا تفرط في توابث الأمة الإسلامية و دون لبس أو غموض أو إنتهازية سياسية؛هل كانت حركة حماس في غزة سيكون لها هذا الدور السياسي في الشأن الفلسطيني لولا التفريط في التوابث الوطنية و الإنتهازية السياسية من طرف حركة فتح ؟, أكيد أن الطبيعة لا تتغاضى عن الخلل و تصححه تلقائيا,و ينطبق ذلك أيضا عن النشاط السياسي الإنساني.
اسرئيل بلا قاعدة صلب
ابومالك -الاحتلال سينتهي حتما اما الى ذوبان اسرائيل مع الزمن في محيط عالم الاسلام الفاغر فاه لها إما بسلام يلحظ مصالح الجميع واما الى نزاع دائم ستعجز اسرائيل عن مواصلته بمجرد ان يعكف ظهيرها الغرب ذيله عنها بسبب حسابات محتملة متقلبة اخرى (لان الغرب لم يقم اسرائيل بسبب وعد اساطيري في كتاب او محبة باليهود بل لمصالج زمنية محدودة) فتتهرأ مع الزمن وتضمحل. السبب هو ان مشروع اسرائيل لم يكن قائما على فكرة أنسانية صالحة ذات نوايا حسنة للاخرين بل هو مجرد غزو عسكري بالنسبة للغير. امبراظرية روما التي امتدت شرقا وغربا اندثرت بدون ان تترك اثرا مفيدا للانسانية لانها كانت قائمةعلى الغزو واستعباد الشعوب،(كان شعارها: اكرهونا ما دمتم تخافوننا).عالم الاسلام غير قابل للاندثار لانه قائم على اساس مبدأ انساني روحاني حضاري شمولي مثله غير متوفر في مشروع الصهوينية او في توسع الغرب العسكري الاستعماري.